1. أسعار صرف العملات
  2. صور.. احتراق منزل بالبلدة القديمة في نابلس
  3. الطقس.. انخفاض ملموس وأمطار غزيرة
  4. المكبر يزيح بلاطة عن الصدارة
  5. الخارجية: وفاة و63 إصابة جديدة بكورونا
  6. ريلكه.. شاعر الوجودية والظمأ إلى الكمال
  7. 7 خطوات بسيطة لتحمي نفسك من ضغط الدم
  8. اسكتلندا تتيح مستلزمات الدورة الشهرية بالمجان
  9. وفاة أسطورة كرة القدم الأرجنتيني دييغو مارادونا
  10. صلاح وليفاندوفسكي على قائمة المرشحين لجائزة "الأفضل"
  11. حلول للتخلص من مشكلة المسامات الواسعة
  12. العثور على جثة في بئر بطولكرم
  13. الصحة تتوقع ازدياد إصابات كورونا والالتزام هو النجاة
  14. الذكاء الاصطناعي لتبريد المدن بالتشجير
  15. الحكم المحلي: تسليم 6 آليات لمجالس الخدمات
  16. تنمية نابلس توزع طروداً صحية على جمعيات خيرية
  17. الشرطة تفض حفل زفاف في قلقيلية
  18. القبض على 4 أشخاص مطلوبين للعدالة بنابلس
  19. مجدلاني: 234 امرأة من ضحايا العنف بـ2020
  20. بلدية عنبتا.. تعليق الدوام السبت

بغداديات عماد الأصفر - 26

الصحفي وأستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت عماد الأصفر من العارفين القلائل بتأريخ الغناء والموسيقى في العراق. أمضى سنوات من منفاه في بغداد، فعرف العراق كما يعرفه أهله، إضافة إلى حس الباحث العلمي في ثقافات الشعوب.


أكره البرد، ليس معنى ذلك أنني أحب الحر، ولكنني أفضل مجمل ما في الصيف على مجمل ما في الشتاء. لا أستطيع الشعور بالامتنان وأنا بردان. والامتنان، للأشياء الصغيرة والكبيرة، وللنعم الموجودة بصحبة الإنسان منذ الولادة وللأحداث والصدف السعيدة، شعور هام بالنسبة لي، فهو يجعلني قادر على الاستمرار وعلى تقبل أي حدث غير سار. الشعور بالبرد يمنعني من تلمس الامتنان أو مقاربته خلال صلواتي كل صباح، وهي صلوات أحرص عليها غاية الحرص حتى لو أخرتني عن الدوام.

عايشت في بغداد أجواء حارة تصحبها أحيانا رياح خماسينية يسمونها (طوز)، ذرات دقيقة جدا من الغبار تتسرب إلى داخل الأشياء والأماكن مهما اجتهدت في إحكام إغلاقها، فكيف ستغلق فتحتي أنفك، وكيف ستفعل فيما يجد الغبار غايته، فيلتصق بمسامات جلدك، التي تسح عرقا دون توقف.

وعايشت في البصرة أجواء حارة مصحوبة برطوبة عالية، تسير وكأنك تتمشى في غرفة ساونا، أنفاسك ثقيلة، وملابسك تلتصق على جلدك الدبق، والذبابة التي طردتها للتو عن إذنك عادت وحطت على حاجبك، وبدأت بالنزول إلى أرنبة أنفك بكل وقاحة، وقطرات العرق تتدحرج من جبينك على جانبي منخريك وتصل شفتيك، ويداك دبقتين، غاية المنى في تلك اللحظات أن تمر عليك نسمة هواء، فتفتح ذراعيك لاحتضانها وللسماح لها بالمرور بين ثنايا جسدك وملتقيات الأطراف وتحت الإبطين.

تكررت هذه الأجواء معي خلال زياراتي المتكررة لماليزيا، ولكن دون ذباب. درجة الحرارة هناك بحدود الثلاثين صيفا وشتاء، رغم أن الشمس تظل محجوبة بغيوم سرعان ما تمطر. أمطرت مرة وأنا في مسبح الفندق، تمنيت ساعتها لو أن فلسطين تصبح بلدا استوائيا، وأبرقت وأرعدت بشدة ذات ليلة وأنا في غرفتي، فسارعت للخروج والسير تحت المطر المنهمر حبات كبيرة، كبيرة جدا، المطر لديهم مزاريب، ومطر بلادنا يشبه (التفتاف) المستخدم لري المزروعات بالتنقيط.

تمطر ساعة أو ساعتين، يسيل الماء مدرارا فوق الأدراج وينحدر متدافعا ومتقافزا كأنه ينبع من عين ماء فوار، ويتفرق عن منتصف الشارع نحو جنباته، حيث تبلعه تلك الفتحات، فيمضي في طريقه. ينتهي المطر فلا تجد له أي أثر، لا برك ولا أوحال ولا قاذورات، لا تجد أثره إلا في الهواء، الذي أصبح عليلا وطريا ويشجع على كل شيء.

لا مجال للمقارنة بين البنية التحتية هنا وهناك، ولا مجال للمقارنة بين مشاعر السائرين تحت المطر في كوالالمبور بقامات منتصبة لا يسترها إلا شورت قصير وتيشيرت وقسمات وجه ضحوكة وأذرع مفتوحة، والسائرين تحت المطر في بلادنا بوجه عبوس، وقامات منكمشة، يغطيهما كوم من الملابس والطواقي واللفحات.

ولا مجال للمقارنة بين ما لدينا من حشائش وشجيرات، وما لديهم من غابات وأشجار، يتعب نظرك وهو يحاول الوصول إلى منتهى الأشجار في غاباتهم الكثيفة، تركز على غصن، فيتهيأ لك أنه يكبر أمام ناظريك. لو ركزت في مزروعاتنا للاحظت أنها أيضا تنكمش في محاولة للتأقلم مع شح المياه.


يتأقلم الناس سريعا، إذا أطلت الإقامة في ماليزيا ستصبح مثلهم، إنهم لا يتعرقون، يسيرون أضعاف ما تسير، دون أن تنز منهم قطرة عرق واحدة. أذكر أنني شعرت بالبرد هناك عند زيارة مرتفعات جينتنج القريبة جدا من العاصمة، هناك درجة الحرارة على مدار العام لا تزيد عن العشرين درجة مئوية، إنه جو مثالي، تسير بين الغيوم، تركب التلفريك وتخترقها فتطل على مساحات شاسعة من الأشجار الباسقة، الدنيا هناك لونان فقط: شجر أخضر وغيوم بيضاء، وكأن الأرض هناك بقيت تماما كما تركها رب العزة في اليوم السادس قبل أن يعتلي العرش.

لا أتذكر أمطار بغداد، ومهما اجتهدت قد أحصل على مقطعين أو ثلاثة من نوبات مطر ليلي، وأما موجات الحر، فحدّث ولا حرج. ساعات الظهيرة في صيف بغداد هي ساعات منع تجول طوعي، يقضيها الناس عادة في أخذ قيلولة طويلة، وأما من لا يعرفون للنوم نهارا أي سبيل كأمثالي، فإنهم سيعانون من حبس منزلي صعب. أنهيت قراءة كل الكتب الموجودة لدي، المجلات والصحف العربية لا تصل لبغداد، بث التلفزيون محفوظ عن ظهر قلب، والفضائيات لم تدخل حيز الوجود العراقي بعد، وكذلك طبعا الإنترنت، وكان تهريب الصحون الفضائية جريمة.

أذكر أن صديقيّ وسيم وحسام تجرءا على شراء صحن لالتقاط البث الفضائي، من سوق الحرامية، وطبعا بالتهريب، وضعاه على السطح فوق كرسي مكتب دوار، أملاً في الوصول إلى زاوية الميل المطلوبة لالتقاط أي بث، لم نفلح بعد ساعات طويلة من اللف والتدوير والتمييل إلا في التقاط محطة تركية تبث دعايات تجارية. في اليوم التالي وفيما كان أحد الشقيقين يبحث في سوق الحرامية عن أحمد أبو الساتلايت، حضر رجال الأمن واكتفوا بمصادرة الصحن وعدم فتح قضية تجسس، حمدنا الله كثيرا على ذلك.

عليك الاكتفاء بالراديو. ستبدأ بإذاعة لندن، تنتقل بعدها لصوت أمريكا وتمر بإذاعة بغداد، لتسمع دراما إذاعية جميلة عنوانها "المجرشة". وستمر عصرا على إذاعة مونت كارلو، كانت هذه الإذاعة الأنيقة الرشيقة وقتها مهوى أفئدة ومهبط أسماع كل من يحب الإعلام والفن والجمال، تسمع نص رسائل مراسليها: حسن الكاشف من بغداد، باسم أبو سمية من فلسطين، ومحمد كريشان من تونس، وعادل مالك من لندن، وعبد الله الشهري من الرياض، والمذيع المرحوم حكمت وهبي، ستختم ساعات منع التجول بسماع صوت الثورة الفلسطينية، وحلقة من برنامج غنى الحادي بصوت يوسف حسون:

حياكم الله ومرحبا حي الرجال الغانمين يا حلالي يا مالي
يللي سمعتو للندا من صوتنا الحر الأمين يا حلالي يا مالي
غنى الحادي وقال بيوت، بيوت غناها الحادي
سدّو الدرب منين أفوت، أفوت وأقدر بعنادي
يا هلا بك يا هلا، يا هلا بك يا هلا
فوق التل تحت التل وبين الوادي والوادي
إن تسأل عنا تندل وتلقاني وتلقى ولادي

انتهت ساعات منع التجول، حان موعد إعطاء الاستراحة لأجهزة التكييف والجلوس إلى البلكونة المطلة على مسبح فندق الحمراء، والمقابلة لثلاثة جسور: الجسر المعلق المؤدي إلى القصر الجمهوري، وجسر الجادرية المؤدي إلى جامعة بغداد وجزيرة الأعراس، وجسر أبو الطابقين المؤدي إلى حي الدورة.

أن تسكن في خاصرة محاطة بثلاثة جسور يعني أنك تعيش في شبه جزيرة، ولكن حدود برها محاط بماء النهر وليس البحر، وببساتين من النخيل بدلا من رمال الشاطئ، درجة الحرارة في هذه المنطقة المسماة بـ الجادرية أقل من بقية الأحياء بـ 5 درجات.

يمكن كتابة تاريخ بغداد من خلال جسورها التي تربط الرصافة بالكرخ، فمنذ تغنى الشاعرُ العباسيّ علي بن الجهم بعيون العابرات على جسرها الوحيد آنذاك: (عيون المها بين الرصافـة والجسـر... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري)، جرى ماء كثير في النهر، حتى أنه لم يعد هو ذاته، وسار خلق كثيرون فوق الجسور التي تزايد عددها لتصير 13 جسرا، ارتفعت رايات وصدحت حناجر بشعارات، وقامت ثورات، وعلقت صور لزعماء، وجاءت الطائرات ذاتَ حربٍ، فقصت هذه الجسور البريئة، ووضعت إلى جانب ركام الطائفية صوراً لسياسيين مرشحين لنيل بطولة العالم في الفساد وسوء الإدارة.

لن تسير نهارات الحر البغدادي على ذات المنوال، فقد تنقطع الكهرباء، أو يجبرك جدول أعمال سخيف على قضاء مشوار أسخف، تلجأ في نهايته إلى مقهى أو سينما حسنة التبريد دون كبير التفات إلى الفيلم الذي تعرضه. أذكر أن سينما أطلس في شارع السعدون استمرت لأكثر من ثلاثة شهور في عرض الفيلم التركي أزرق أزرق، لبطلته الحسناء هوليا افشار، وفيه يغني البطل إبراهيم تاتليس أغنيته الشهيرة Mavi Mavi، وأغنية يلا شوفير يلّا. صديقنا معاوية أسمى السينما وقت ذاك أطلس أطلس.

المبردات العراقية محلية الصنع

أجهزة التكييف العراقية غريبة وعجيبة، فهي من صنع محلي وتسمى الواحدة منها مبردة، ولهذه المبردات تقاليد وبروتوكول عمل وصيانة، عجيب غريب، كغرابة حجمها الكبير غير المتسق أبدا مع وزنها الخفيف. يصعب شرح وتوصيف المبردة ولكنني سأحاول.

مكعب عملاق من الحديد الخفيف، قاعدته وسقفه ثابتان وبينهما أعمدة معدنية ووجه ثابت مزود بفتحة يخرج منها الهواء البارد. وأما وجوهه الثلاثة الأخرى فمحشوة بخيطان من نشارة الخشب، ومتحركة يسهل وضعها ونزعها لتبديل القش، أو فتح مجاري الماء. قاع المبردة هو بركة يتجمع فيها الماء من خرطوم موصول بحنفية، وتضبط كميته عوامة مشدودة إلى المدخل. في لحظة تشغيل الكهرباء ستقوم مضخة ماء منتصبة فوق القاع ومحاطة بمصفاة بلاستيكية لونها أزرق، برفع الماء من البركة ليجري في شبكة أنابيب توزع الماء على الجدران، وتقوم فتحات دقيقة بتنقيطه على القش ليصبح مبلولا، وعند هذه المرحلة سيقوم الماتور بتدوير اسطوانة ذات شفرات تدفع الهواء الحار ليعبر من القش المبلول وينتقل عبر الفتحات المتومضعة في السقوف والجدران منذ التأسيس للبناء، وصولا اليك.

عليك أن تختار موقعا جيدا للجلوس أو النوم بحيث يصل إليك الهواء البارد الذي تبثه هذه المبردة عبر فتحة الجدار، ولضمان سير وتدفق وتوالي انبعاث الهواء، فإن عليك أن تصنع مجرى هواء عبر فتح الشباك بمقدار كاف. ها أنت تنعم الآن بهواء بارد ومنعش، ولكن عليك الاحتياط للطوارئ والبقاء في حالة استعداد والتحول إلى تقني ماهر في أية لحظة.

أول خطوة استعداد تتخذها هي كتابة اسمك أو رقم شقتك أو وضع أية علامة مميزة فوق المبردة الخاصة بك، لأنك عندما ستصعد إلى السطح لصيانتها سيختلط الأمر عليك، فالسطح مليء بالمبردات المتماثلة جدا وكأنها توائم من مكعبات الحديد، وأنت لا تريد صيانة مبردة جيرانك قبل صيانة مبردتك الخاصة.

قد يتبدل الهواء البارد ويصير فجأة حاراً، اعلم أن في الأمر إنّ، إما أن يكون الماء قد انقطع، ستلجأ عندها إلى تعبئة البركة ذاتيا من خلال برميل ماء تكون قد وضعته هناك على السطح احتياطا، وإما أن الفتحات التي تنشر الماء على جدران المبردة قد انسدت من الكلس، ستقوم بنزع الجدران وتنظيف مجرى الماء في ضلعها الأعلى من الصدأ وفتح تلك الثقوب التي تكلست، وستعود للاستمتاع بالهواء البارد ولكن بعد أن تأخذ دوشا وتبدل ملابسك.

قد تشتم رائحة بلاستيك مشعوط، ستعرف فورا أن تماسا كهربائيا قد حدث، وسواء نزل أمان الكهرباء أم لم ينزل، ستحمل مضخة الماء الاحتياطية التي اشتريتها بداية الصيف لمثل هكذا حالة طارئة، وستحمل الدرنفيس (المفك) وتصعد إلى السطح، حيث شمس العراق تستقبلك بكل ترحاب، فتقوم بفك المضخة القديمة وتركيب الجديدة، بينما أنت قابع بنصف جسدك داخل مكعب مجوف مزود بالماء والكهرباء والأخطار.

قد يطرق الحارس بابك ساعة الظهر، اعلم عندها أن مبردتك تكب الماء وقد اغرقت السطح، لا تبتئس كل ما عليك عمله هو تبديل العوامة البلاستيكية بأخرى نحاسية، وإعادة تعييرها لتوقف تدفق المياه عند مستوى معين. إن كانت العوامة سليمة، فهناك ولا بد ثقب في أرضية البركة بسبب الصدأ، لا تبتئس أيضا سيكون عليك فقط أن تمنع عنها الماء حتى تجف وتقوم بوضع مادة لاصقة تسد الثقب وتستطيع الصمود فوق الحديد وتحت الماء. قد تصل إليك عبر فتحة التبريد قشة، اعرف عندها أن القش المحشور بين الجدران قد أصبح يتفتت بسبب الحر والجفاف، ستقوم عندها بفك الجدران الثلاثة، ونزع الأسلاك التي تحشر مخدة نشارة الخشب، وتضع مخدة جديدة، تحشرها بشبكة الأسلاك. وطالما أنك قد نزعت الجدران، فهذه فرصة لتنظيف بركة الماء من الطحالب والقش، وتفقد المصفاة البلاستيكية الزرقاء المحيطة بالمضخة، ونزع ما علق بها من قطع نشارة الخشب.

وقبل أن تعيد تركيب الجدران يجب الاطمئنان إلى أن أنابيب توزيع المياه ما زالت في مكانها ولم تنحرف لتصب الماء بعيدا نحو أسلاك المضخة. بقيت مهمة بسيطة وهي أن تحشر بعض الجوانب التي تتحرك مع دوران الماتور بوتد أو قطعة قماش، حتى لا يزعجك صوتها عن تشغيل الماتور، الذي سيجعل جسد المبردة يهتز كراقصة لا تحسن الرقص، ولا السيطرة على تضاريس جسدها.

قد تسمع أصواتاً غريبة تأتيك مع الهواء البارد، إن كانت أصواتاً ميكانيكية، فاعلم أن أجزاء الماتور بدأت تحتك بغيرها، وأن موعد تزييتها قد أزف، وأما إذا كانت أصواتاً بشرية، فاعلم أن أحدهم يتطاول على أملاكك وربما يخطط لسرقة المضخة مثلا، أو سرقة المبردة كاملة أو استعارتها لساعات كما صنع أحد اصدقائنا ذات عدة ليال من شهري تموز وآب.

لقد تعطلت مبردته فصعد إلى السطح وأبعدها عن الفتحة، وسحب مبردة مكتب المحاماة المغلق ليلا، ووضعها في فتحة شقته، ونام دون أي تأنيب ضمير، فمن وجهة نظره إذا كان الناس شركاء في الماء والكلأ والنار، فإن من باب أولى أن يكونوا شركاء في الهواء أيضا.
في الصباح أزال صاحبنا آثار العدوان، وذهب إلى دوامه، وعاد عصرا، فكرر الأمر، لأنه لم تكن هناك أية فرصة للقاء المحامي وإبلاغه بالأمر. تكرر الأمر يوما بعد يوم، حتى اكتشف صاحبنا أن أسلاك خط هاتف مكتب المحاماة تخترق الأجواء الإقليمية لبلكونته دون إذنه.
اشترى صاحبنا جهاز هاتف وبحث طويلا عن دبوس حتى وجده، فغرسه بشكل عرضي في السلك الواصل لمكتب المحامي ثم ربط أسلاك هاتفه بطرفي الدبوس، وافتتح مكتب اتصالات له ولأصدقائه.

كانت فواتير الماء والكهرباء وأسعار المحروقات رمزية جدا وكذلك فواتير الهاتف، غير أن الحصول على خط هاتف كان من الأمور المعقدة جدا لدواع أمنية.

كانت المبردة حاضرة في الأذهان دوما، حتى أن صديقنا أراد القول يوما إنه عثر على سمكة في أسفل المجمدة، (والمجمدات العملاقة جزء أصيل من أدوات المطبخ العراقي) فقال إنه عثر عليها في المبردة!!

ومع ذلك ومع كل هذا الحضور، فإن صورة المبردة لا تكفي لاختزال ذكريات الحر في بغداد، فهناك العديد من الصور، بينها أجساد العراقيات التي تفور مع الحر وتختمر وتنضج وتصبح شبقة بشكل لا إرادي، شبقٌ لا يقوى لا شديد الحياء، ولا حسن التهذيب، ولا قسوة العادات على إخفائه.

وهناك صورة لعنقود معلق من بلح البرحي، تنضج حباته يوماً بعد يوم، وهناك كأس كبير متعرق من شربت الرمان بالثلج المبروش في محل عصير الحاج مهدي زبالة، والذي رغم غرابة وقرف اسمه ظل على مدى عقود يقدم أفضل خلطة لهذا النوع من الشراب، حتى أن كافة ملوك ورؤساء العراق زاروه وشربوا من عصيره. وهناك أيضا بضعة زجاجات من الجعة موجودة في الثلاجة ولم تبرد بعد، سيكون عليك أن تنساها قليلا يا صديقي لكي تبرد (من كيفها) دون إلحاح.

وهناك تلفزيون الشباب بإدارة عدي صدام حسين، وقد قرر أن يزيد جرعة فكاهة وغرابة الواقع العراقي، فأخذ يصدر إلينا كل يوم حلقة من شيخ يفتي بطريقة متهاونة جدا. هذا التلفزيون بدأ بإسقاط كل معايير الفن، فصار يقدم إلينا كل يوم مطربا جديدا سرق مصاغ والدته، وباعه في سوق الحرامية ثم ذهب إلى تلفزيون الشباب، فأعطاهم المال وعملوا له فيديو كليب ينوح فيه على حبيبة مفترضة، بشكل مبتذل فنيا.


ستضحك طويلا على هؤلاء المطربين الجدد، وعلى قمصانهم المشجرة بعنف، والتي يستحيل تحديد غلبة أي لون فيها على الآخر، وستضحك على سراويلهم متعددة الكسرات، والتي يثبتونها عادة فوق السرة بعشرة سنتيمترات، ستضحك على شعورهم وعلى قصة الأسد، وعلى أحذيتهم اللميعة، ثم ستنسى ذلك كله وتستمع إلى ياس خضر وهو يغني:
إعزاز والله إعزاز/ إعزاز عدنا إعزاز
وشوقهم شوق الشواطي إِليل دجله
مدللين والفراق بعینهم/ شوق الحمام الجاي لأهله
والعتب بشفافهم ود وحنين/ مدللين احباب قلبي مدللين
إعزاز والله إعزاز/ إعزاز وحق الله إعزاز
إعزاز عدنه وياهو ينكر رمش عينه
وياهو أقرب من جفن للعين لینه
يا عشقهم هيل ما عبرت سنينه
شما يمر بينا العمر يكثر حنينه
مدللين ويلوق لاحبابي الدلال
وشوقهم نسمة جنوب وسيرت لاهل الشمال
إعزاز عدنه ومن هويناهم هوينه الناس كلهه
ومن عشقهم کبرت الدنیا باهلهه
وعلى جناح الشوق طرنا/ الروح طارت ويه خلها
ويا هواهم غيمة وتفيض بمطرهه
ويا وفاهم وردة وتفوح بعطرهه
إعزاز والله إعزاز / إعزاز وحق الله إعزاز

الكاتب: عماد الأصفر
المحرر: عبد الرحمن عثمان


2020-05-31 || 00:35






مختارات


لميعة عباس بين درويش وعرفات

عن ياسر عرفات ولكن على ذمة الراوي

عن ياسر عرفات ولكن على ذمة الراوي -2

بغداديات عماد الأصفر - 23

بغداديات عماد الأصفر - 24

بغداديات عماد الأصفر - 25

بغداديات عماد الأصفر- 10

بغداديات عماد الأصفر- 12

بغداديات عماد الأصفر - 9

بغداديات عماد الأصفر - 8

بغداديات عماد الأصفر- 6

بغداديات عماد الأصفر- 7

بغداديات عماد الأصفر- 5

بغداديات عماد الأصفر- 3

بغداديات عماد الأصفر- 4

بغداديات عماد الأصفر- 2

بغداديات عماد الأصفر - 1

وين أروح بنابلس؟

2020 11

يستمر الجو غائماً جزئياً وتسقط أمطار غزيرة، ويطرأ انخفاض ملموس على درجات الحرارة، التي تتراوح في نابلس بين 14 نهاراً و10 ليلاً.

10/14

أسعار العملات

الدولار الأمريكي الدينار الأردني اليورو الأوروبي
3.32 4.68 3.95