واحدة من أكثر الحقائق إزعاجا، بالنسبة لي على الأقل، هي أن أغنية فوق النخل، التي نعرفها منذ الصغر، لا علاقة لها بشجر النخيل أبدا، وأن أصلها هو "فوق إلنا خِلّ" أي هناك في الأعالي لنا حبيب، والأعالي تبعا لقصة الأغنية هي الطابق الثاني من منزل بغدادي.
تقول كلمات الأغنية التي غناها كثيرون جدا، بعد أن لحنها وأداها لأول مرة الملّا عثمان الموصلي قبل أكثر من 100 عام:
فوق النخل فوق يابه فوق النخل فوق
مدري لمع خده يابه مدري القمر فوق
والله ما اريده باليني بلوه
متن وشعر وخدود يابه ميزك ربك
لهذا السبب يا هواي خلاني أحبك
والله معذبني وما عنده مروه
وينشدني البطران ليش وجهك أصفر
كل ما مر بيه يابه من درب الأسمر
والله سابيني بعيونه الحلوة
تسالني علتي امنين يابه وانت سببها
كتبه عليه هاي يابه ربك كتبها
والله ماريده باليني بلوه
انه اللّي تعبت وياك يابه واعدمت حيلي
وانت إطلعت (بذات) يابه ناكر جميلي
والله ما اريده باليني بلوه
ماجوز انا من اهواي يابه مهما جفه وراح
اتمنه اعيش وياه يابه ريحته قداح
والله ماريده باليني بلوه
هل قرأتموها ملحنة؟ بأداء ناظم الغزالي أم صباح فخري؟ لعلكم لاحظتم أنني احتفظت بعبارة (فوق النخل) غير الصحيحة، ولم استخدم عبارة (فوق إلنا خل)، هكذا ستظل في وجداني، والوجدان يفضل الانطباعات على الحقائق، والخيال على الوقائع، ليس في الأغاني فقط وإنما في كل شيء.

أعتقد أن كلمات هذه الأغنية العراقية مفهومة، ربما باستثناء كلمة (بذات) والتي جعلتها بين قوسين، هذه مفردة عبقرية ينفرد بها العراقيون، وينطقونها بباء مفتوحة، وهي شديدة التعبير والتكثيف والاختصار، وتعني الإنسان الأناني الذي يحب ذاته.
وردت هذه المفردة العظيمة على لسان سعدون جابر في أغنية "عيني عيني" ويقول فيها:
لا انت فرح وابتسم ولا انت دمع وابجيك
ولا انت حبيب ونحب ولا انت عدو انعاديك
عيني عيني عيني عيني
لاتعاشر (البذات) والماله تالي
مثل اللي يلم الماي يرد جفه خالي ياعيني
عيني عيني عيني عيني
خلاني وقتي وياك ريشة بوسط ريح
لاتثبت على القاع ولاتقبل اتطيح ياعيني
عيني عيني عيني عيني
بية بكثر مابيك هم وشده بال
وانت ادرى ما بالحال حال اشوى من حال ياعني
عيني عيني عيني عيني
ما ارجو من الصفصاف يطلع ثمر بيه
وانا اعلى كيد اعداي ازرع واداريه ياعيني
عيني عيني عيني عيني
من بين الانطباعات التي لن تتغير، صورة المنزل البغدادي الذي وقعت في حوشه أحداث قصة هذه الأغنية، المنازل البغدادية التقليدية تتألف من حوش واسع تصطف الغرف على جنباته على طابقين، وأمام غرف الطابق الثاني ممر رفيع محفوف بدرابزين يطل على الحوش، وتسكن العائلات الفقيرة في غرفه، متشاركة في الحوش والسطح حيث يطيب للعراقيين أن يناموا صيفا.

آخر منزل دخلته من هذا الطراز هو مطعم المضيف، في شارع أبو نواس المقابل لما كان القصر الجمهوري ولما بات يعرف بالمنطقة الخضراء، صاحب هذا المطعم الأنيق هو صحفي لبناني مخضرم اسمه إياد موصللي، تطوع في صباه للقتال في فلسطين مع جيش الإنقاذ، وله شهادة مهمة عن تلك الفترة أودعها في كتابه "حاربت في فلسطين قبل بيعها" وأما بقية سيرته كصحفي في لبنان وغيرها وكرجل أعمال في العراق، فقد أودعها في كتابه "سيفنا هو القلم".
لقد حول موصللي هذا المنزل البغدادي الذي كانت تقطنه عمة ملك العراق فيصل الثاني وشقيقة الوصي على العرش عبدالإله إلى مطعم سياحي فاخر وقبلة للوفود الرسمية، ومعلما بارزا من معالم شارع أبو النواس، المزدان بعدد كبير من الحانات التي يحمل بعضها أسماء الألوان بدءا من البيضاء فالحمراء فالزرقاء والخضراء. وانتهاءا بالمقهى البغدادي.
آخر مرة سرت فيها في هذا الشارع كانت عام 1995، مررت بالمضيف، فإذا بقربه يافطة حديدية كبيرة لونها أزرق وضعتها أمانة بغداد، وقد كتب عليها بخط كبير "حتى التفكير بالوقوف هنا ممنوع منعا قطعيا"، كانت العبارة صادمة جدا حتى لمن هم مثلي ممن عاشوا في بغداد طويلا، وعرفوا طبيعته الأمنية وظروفه المعقدة في ذلك الوقت.
الكاتب: عماد الأصفر
المحرر: عبد الرحمن عثمان