تضم مدينة نابلس بين أزقتها وحاراتها ثمانية حمامات تاريخية (تركية). توقفت ستة حمامات عن العمل، إذ تحول بعضها إلى مصانع للحلويات والمكسرات والمخازن، والبعض الآخر هدم أو بقي على حاله. ويرى الباحث التاريخي عبد الله كلبونة، أنه لا يوجد ما يسمى بالحمامات التركية، فهي حمامات تم بناؤها في العهد التركي والروماني والمملوكي، وحافظت على نفس التصميم منذ العهد الروماني إلى الآن. ويرجع كلبونة سبب انتشار الحمامات في نابلس إلى "غنى المدينة بعيون الماء".
ويوضح مدير المواقع الأثرية في نابلس عبد الرحيم عواد لـ
دوز، أن تصميم الحمامات يشمل قاعة استقبال يتوسطها نافورة، ومشلح صيفي (الحمام البارد)، حيث يتحضر الزبائن للدخول إلى الحمام أو مغادرته. وهناك المشلح الشتوي (غرفة تبدبل الملابس) وقاعدة التحميم. وكانت تحرق القمامة في (القميم) لتسخين المياه، والعامل فيها يسمى (الأميمي).
طقوس اجتماعيةيقول كلبونة: "يقع حمام البيدرة في باب الساحة (حبس الدم) في البلدة القديمة، أما حمام الريش فهو مملوكي ورمم في العهد التركي، ويقع حمام السمرة (السامريين) في حي الياسمينة، ويسمى أيضا بحمام الهناء، بالإضافة إلى وجود حمام القاضي في حارة الياسمينة، الذي أسس في عام 1285 هجري من قبل القاضي عبد الواحد الخماش، وحمام التميمي (الست) آخر حمام بني في نابلس، وحمام الجديد الذي يطلق عليه الشفاء".
ويؤكد كلبونة أن الحمامات "كانت تغطي حاجات المواطنين، فلم يكن هناك نظام توصيل مياه للبيوت، وكانت ضرورة اجتماعية ودينية".
وحسب كلبونة، كان يخصص للنساء يوم واحد في الأسبوع بالحمامات، وتعلق قطعة قماش على باب الحمام للدلالة على ذلك، وفي نهاية الأسبوع تأتي الأم برفقة أطفالها تحمل الملابس في (البقجة)، لممارسة طقوس اجتماعية وتكوين علاقات، كما كانت تتم خطبة البنات في الحمامات.
وعن طقوس الرجال، يقول كلبونة إن الحمام "ضروري لأعمال الوضوء والطهارة خاصة يوم الجمعة. يجلس الرجال قرب النافورة لتبادل أطراف الحديث. وفي فصل الصيف يحضرون بطيخة ويضعونها حتى تبرد لأكلها بعد الاتهاء من الحمام".
لجوء وزلزالويذكر كلبونة أن الحمامات بقيت تستعمل حتى نهاية الحكم الأردني، لسببين؛ الأول هو تبدل ثقافة الحمام بعد أن أصبح في كل بيت حمام تصله المياه، والسبب الثاني هو الأوضاع السياسية التي حلّت بنابلس. والحمامان اللذان يعملان إلى الآن هما الشفاء والهناء.
أصبح حمام القاضي الآن عبارة عن مصنع لصناعة الراحة. ويوضح صاحب مصنع الطاووس للراحة عادل حزر الله، أنه تم استلامه منذ حوالي 60 عاما، قائلا: "كان والدي يعمل قرب الحمام بصناعة الراحة، واستأجره وحوله إلى مصنع بعد عمل بعض التعديلات". أما حمام القاضي في مسجد الخضر، فتبقى منه النافورة.
ويشير المواطن محمد فيلداوي إلى أنه استلم حمام الريش من عائلة سلهب، الذي تعود ملكيته لعائلة خمّاش. وأخلاه في عام 1985 ليبيع به الخشب والأنتيكا، ويقول: "اشتريت بركة حمام الريش مع مجموعة من الشبان لإهدائها إلى بلدية نابلس، حيث وضعت أمام ساعة المنارة في باب الساحة، أما الآن فهي موجودة في مطعم زيت وزعتر".
أمام حمام الخليلي في منطقة الشيخ مسلم يجلس يوسف حلاوة، ويذكر أن الحمام ظلّ يعمل حتى عام 1948، عندما أخرج الاحتلال الإسرائيلي أهالي يافا وحيفا واللد واللرملة، ليلتجئوا إلى الحمامات والمدارس والجامع الكبير، وغادر اللاجئؤن حمام الخليلي إلى مخيم بلاطة ومخيم عسكر وبيت الماء في عام 1956.
ويتابع: "استأجر أحد المواطنين الحمام وحوله إلى منجرة أخشاب، وفي عام 1980 استأجرته وبعت الخشب المستعمل ونافورة الخليلي بقيت في مكانها كما هي".
أما عن حمام التميمي الذي يقع في خان التجار بالقرب من فندق الياسمين، يذكر حلاوة أنه من أكثر الحمامات التي تأثرت في
زلزال عام 1927 وبقي على حاله إلى أن استأجره شخص من عائلة القوقا بعد قدومهم من يافا عام 1948، وأصبح مكانه الخارجي محل حلويات يعمل إلى هذا اليوم.
ويذكر حلاوة لـ
دوز أن حمام البيدرة، الذي يقع في حي القصبة هو "من أجمل الحمامات في نابلس وكان تحت رعاية أحد أفراد عائلة هندية". ويضيف: "كان البيدرة المكان الرئيسي لخروج زفة العريس في الماضي. وبعد عام 1967 تعرض جزء كبير من الحمام إلى الهدم وكانت القاعة الرئيسية الجزء المتأثر بشكل كبير والأجزاء الباقية تحولت إلى مخازن".
إعداد: صابرين عزريل ومجد حسين
المحررة: سارة أبو الرب