هآرتس: تراجع عدد تصاريح البناء لفلسطينيي القدس
في مقال للكاتب نير حسون، نشر على صحيفة هآرتس الإسرائيلية، جاء فيه أن 7% من المنازل فقط صودق عليها للبناء في القدس الشرقية، خلال 2025، حيث يعتبر الحصول على رخصة بناء مهمة شبه مستحيلة بالنسبة للفلسطينيين في القدس الشرقية، الذين يمثلون نحو 40% من سكان المدينة.
تم إحياء "يوم توحيد القدس" في الأسبوع الماضي، ومرةً أُخرى، تكررت الشعارات المعتادة بشأن وحدة المدينة وأبدية العاصمة؛ غير أن فحص المعطيات في السنة التاسعة والخمسين للتوحيد يُظهر أن تقسيم شرق المدينة وغربها والفصل بين السكان المقيمين بهذين الجزأين ما زالا حاضرَين بقوة، وأن الفجوات بينهما تتعمق أكثر فأكثر، وخصوصاً فيما يتعلق بالتخطيط والبناء: هناك فقط 7% من الشقق، التي تمت المصادقة على بنائها في القدس خلال سنة 2025، خُصصت للجمهور الفلسطيني، الذي يشكل 40% من سكان المدينة. وهذا انخفاض ملحوظ، مقارنةً بسنة 2024، حين بلغت النسبة 15%. والواقع في الحقيقة أكثر قتامةً مما تعكسه الأرقام الجافة. ويكمن الفارق ما بين الواقع والأرقام فيما يحدث بعد المصادقة على مخططات البناء: فالمرحلة التالية، وهي الحصول على رخصة البناء، تحولت إلى مهمة شبه مستحيلة، بالنسبة إلى الفلسطينيين في القدس الشرقية.
تُعد قضية التخطيط والبناء، على الأرجح، العقبة الأكثر تعقيداً التي تفصل بين الفلسطينيين المقيمين بالقدس وبين إسرائيل؛ فمنظومة التخطيط التي أُقيمت في شرق المدينة، والتي راكمت الصعوبات أمام الفلسطينيين الراغبين في استخراج تراخيص بناء، والعداء الذي طوروه، رداً على ذلك، تجاه السلطات الإسرائيلية، أدت إلى بناء عشرات آلاف الوحدات السكنية في الأحياء الفلسطينية من دون تراخيص، ونتيجةً لذلك، تضطر آلاف العائلات في شرق المدينة إلى الانجرار إلى إجراءات قضائية طويلة ومُكلفة، في محاولةٍ لإنقاذ منازلها من خطر الهدم الذي يهددها. ومع ذلك، تُهدم عشرات المباني هناك كل عام.
ومن الأسباب الرئيسية لتفاقُم الصعوبات التي يواجهها الفلسطينيون في القدس الشرقية في هذا السياق، قرار إسرائيل وقف تسجيل الأراضي في شرق المدينة بعد سنة 1967. وفي محاولةٍ لحل التعقيد القانوني الذي نشأ نتيجة هذا القرار، قررت الحكومة في سنة 2018 استئناف تسجيل الأراضي في المنطقة، ضمن الخطة الخمسية لتقليص الفجوات بين شرق المدينة وغربها. وكان الهدف من هذه الخطوة تسهيل الإجراءات البيروقراطية وتسريع البناء المخصص للسكان الفلسطينيين، لكن نتيجتها جاءت معاكسة.
فالمشروع الذي تتزعمه وزارة العدل، تحوّل إلى أداة في يد الحكومة لدفع الفلسطينيين خارج القدس الشرقية، عبر تسجيل الأراضي باسم مالكين يهود، أو باسم الدولة، أو باسم "الصندوق القومي اليهودي". ووفقاً لتحليل أجرته جمعية "بمكوم"، من أصل 2300 دونم اكتملت فيها إجراءات تسوية الأراضي، سُجّل 82% باسم "الصندوق القومي اليهودي"، أو سلطات الدولة، مثل "حارس أملاك الغائبين" وبلدية القدس؛ كذلك سُجّل 9% من الأراضي الأُخرى من دون ملكية واضحة، مع ملاحظة من الوصي العام في وزارة العدل، ومن المرجّح أن تُسجَّل في النهاية باسم ملكية يهودية تعود إلى ما قبل سنة 1948؛ وسُجّل 4% باسم مالكين يهود خاصين، أو تجاريين، يرتبط معظمهم بمنظمات استيطانية، و4% أُخرى باسم الكنائس. وفي المجموع، لم يُسجَّل باسم مالكين فلسطينيين خاصين سوى 1% فقط من الأراضي.
لكن الدولة ذهبت أبعد من ذلك، وشددت أيضاً شروط استخراج تراخيص البناء؛ ففي السابق، كانت تكتفي بموافقة الجيران و"مختار" الحي لإثبات ملكية الأرض بغرض الحصول على الترخيص؛ أمّا اليوم، فأصبح السكان مطالَبين بتقديم مجموعة كبيرة من الوثائق، بينها إثبات دفع ضرائب الأراضي من عهد الحكم الأردني وأوامر إرث تثبت انتقال الملكية. وبسبب ذلك، حتى بعد المصادقة على المخططات، فإنها لا تتحول إلى تراخيص بناء، وتبقى حبراً على ورق. ففي سنة 2023 مثلاً، صودق على مخطط هيكلي جديد لحيّ العيسوية، كان من المفترض أن يسمح ببناء 4500 وحدة سكنية ضمن مشروع تجديد عمراني، لكن بعد عدم نجاح أيّ من السكان في الحصول على رخصة بناء، اتّضح أن المخطط لا يملك أيّ فعالية حقيقية؛ يشرح هاني عيساوي، وهو من سكان العيسوية وناشط منذ أعوام في قضايا التخطيط والبناء في الحيّ، قائلاً: إن "الأراضي مسجلة بأسماء كبار السن الذين كانوا موجودين في الستينيات، وتقريباً، لم يبقَ أحد منهم في قيد الحياة، وأنت بحاجة إلى إحضار أوامر إرث تُظهر تسلسُل الانتقال من الجد إلى الابن إلى الحفيد، وهذا يمرّ عبر أسماء كثيرة وأشخاص كثيرين، والجميع تقريباً عالقون في هذه المرحلة".
وتتجسد كلمات عيساوي في الأرقام؛ فوفقاً لجمعية "بمكوم"، في الفترة 2018 - 2022، انخفض متوسط عدد ملفات تراخيص البناء التي اجتازت المرحلة الأولية المتعلقة بإثبات ملكية الأرض، من نحو 100 ملف سنوياً إلى ستة فقط؛ كذلك تؤكد مصادر في بلدية القدس وجود انخفاض حاد في عدد التراخيص الممنوحة للفلسطينيين؛ وتقول شيري كورنيش، المهندسة المعمارية في جمعية "بمكوم" إنه "فعلياً، منذ سنة 2023، هناك تجميد للبناء بالنسبة إلى الفلسطينيين، فهُم لا يستطيعون التخطيط، ولا البناء، وفي المقابل، هناك بناء لليهود بشكل مفرط داخل الخط الأخضر وخارجه".
ومن جهتها، قالت بلدية القدس إن "البلدية استثمرت جهوداً هائلة في تخطيط وتنفيذ مشاريع إبداعية وفريدة للتغلب على العوائق البنيوية والأخطاء التي ارتُكبت في العقود السابقة. والدليل على ذلك هو مشروع التجديد العمراني الرائد في حيّ عين اللوزة في سلوان، الذي تمت المصادقة عليه في الصيف الماضي، والذي يشمل مساحة تبلغ مئة دونم تقريباً، ويتيح زيادة عدد الوحدات السكنية، من نحو 70 وحدة اليوم إلى أكثر من 900 بعد تنفيذه. كما أن الدعم للمخطط يتجلى في الطلبات الكثيرة من السكان لتطوير مشاريع مشابهة في مناطق أُخرى، وفعلاً، تعمل الطواقم المهنية في البلدية مع السكان، جنباً إلى جنب، لإيجاد حلول تلبّي حاجات السكن من جهة، وتمكّن البلدية من الحصول على مساحات للطرق والمؤسسات التعليمية والمباني العامة لخدمة السكان من جهة أُخرى".
المصدر: نير حسون/ هآرتس
2026-05-31 || 11:49