حارة الياسمينة واحدة من أهم الحارات تاريخياً ودينياً في البلدة القديمة في نابلس، إضافة لاحتوائها لمعالم تبرز الفنّ المعماريّ في عدّة أزمان. فماذا يحدّثنا سكّانها عن تاريخها؟
"ست الحارات ومركز المدينة"، هكذا يبدأ الحاج أبو أيمن الخليلي (60 عاما) حديثه لـدوز عن حارة الياسمينة، التي ترعرع وكبر بها. والياسمينة هي واحدة من ثماني حارات رئيسية موجودة في البلدة القديمة ومن أكبرها مساحة، وتقع في الطرف الغربي الجنوبي للمدينة. ويرجع مؤلف كتاب نابلس مدينة الحضارات نصير عرفات، سبب تسميتها بالياسمينة إلى كثرة وجود أشجار الياسمين بها، والرواية الأخرى هي أن مَالك معظم أبنية الحارة كان اسمه "إلياس مينه" وكان نابلسياً مسيحياً. ويضيف نصير أن الياسمينة تضم مسجدين تاريخيين يتميزان بتصميمهما المعماري والتاريخي الدقيق، وهما الساطون الذي يعود إنشاؤه إلى القرن السادس للميلاد، ومسجد الخضراء، الذي كان كنيسة صليبية وتم تحويله لمسجد في الفترة المملوكية. وتضم الحارة حمام السُّمَرا، الذي تعود ملكيته لآل طوقان، ويرجع سبب تسميته بذلك لأفراد الطائفة السامرية، الذين سكنوا هذه الحارة قبل انتقالهم إلى قمة جبل جرزيم (جبل الطور). هل اضطهد السّامريّون؟ يقول إياد استيتية (54 عاماً): "كان بيننا وبين السامريين رضاعة وتراحم". ولكنه يذكر أنه في عام 1936 كانت هناك مجموعة من الثوار تريد التواجه مع السامريين، وطلب السامريون الحماية من أسعد مسعود استيتية (أبو مسعود) ووصفه إياد بأنه "رجل طويل وجدع ذو قيمة ومكانة مرموقة وهو مسؤول عن البريد آنذاك، إذ وقف في وجه الثوار للدفاع عن السامريين قائلاً بلهجته النابلسية: (ما حدا يطب فيهن. هدول أهلنا وجيرانا وبحمايتنا وإلي بئذيهم بئذينا)". وتقول عصمت السامري: "كانت تقطن في الحارة ثلاث عائلات من السامريين في عمارة يوجد بها منازل وكنيس، حيث كانت وجهة للطائفة السامرية آنذاك". وتذكر أن أبناء طائفتها كانوا يشعرون بالتمييز والاضطهاد من قبل عائلة في الياسمينة. وتتابع السامري: "كنا سعيدين مع أهل نابلس، لكن الجيل الجديد بدأ يتعرض لنا حينما كنا نذهب لتعبئة المياه من عين الخضراء. وكان الرجال يدافعون عننا، ولكننا لم نكن مرتاحين وسعيدين كما نحن الآن في جرزيم. وفي الوقت ذاته تؤكد عصمت أن علاقتها بجيرانها في الياسمينة والحارت الأخرى كانت ممتازة وتمتاز بالمودّة. وتقول عصمت، التي كانت تعمل مسؤولة مصنع: "كنت أذهب إلى إسرائيل لشراء البضاعة وبيعها للناس. أهل البلد جميعهم كانوا يحبونني ويشترون مني". وتؤكد أنه "لم يكن هناك أي تفرقة بين السامريين وأهل الحارة عند الذهاب إلى الحمام السامري. كما كان السامريون يستأجرون الحمام بأكمله ويزينونه للعروس ويأخذون الطعام والشراب بكافة أنواعه". وتضيف عصمت: "كانت دارنا مقابل دار إستيتية. وأذكر مساندتهم لنا عندما توفي والداي". وتختم بقولها: "كنا وما زلنا وأهل نابلس نحب بعضنا رغم كل شيء". تاريخ معماريّ ومن أهمّ ما يميز هذه الحارة أزقتها الضيقة والمعتمة ومنخفضة الارتفاع، وذلك يدل على طبيعة المجتمع السامري، الذي يصفه عرفات بأنه "مجمتع محافظ غير منفتح على محيطه الخارجي". ومن المباني الهامة في حارة الياسمينة قصر عبد الهادي، وهو مميز بامتداده الأفقي ووجود الساحات السماوية ونوافير المياه والزخارف الحجرية على جوانب الأدراج والحديقة المرتبطة بالقصر. ويشير عرفات إلى الأهمية التاريخية والمعمارية لقصر الخماش، الذي يعود للقاضي عبد الواحد الخماش، إضافة لحمّام القاضي. ويقول عرفات: "ذهبت زوجة القاضي لتستحم بحمّام السمرا، ولكن بسبب مشادة كلامية بينها وبين مسؤولة الحمام عادت إلى زوجها القاضي غاضبة، فما كان من القاضي إلا أن بنى لزوجته حماما خاصا ووصله بنفق مع بيتها، فسمّي بهذا الاسم". ويضيف عرفات أن بيت الخماش "كان يتميز بالقيم المعماريّة العريقة والمميزة، واشتهر بوجود صّبانة بداخله، التي تحولت فيما بعد لـمطاحن بن بريك". بلسان أهلها يقول أبو أيمن الخليلي: "لا أعلم لماذا غادر أهالي حارة الياسمينة تاركين بيوتهم لتأجيرها للغرباء". ويؤكد أن "الموت يسبق بيعه للبيت والتنازل عنه". ويتابع:"الجيران سابقا كان تعاملهم مع بعضهم كالأهل، أما في هذه الأيام (حدث ولا حرج)". وتقطن يسرى سعدي شقيدف (82 عاماً) في الياسمينة منذ 45 عاماً، وكانت شاهدة على هدم الاحتلال لبيوت في الحارة. وكانت شقيدف ممن تعرضت منازلهم للهدم عدة مرات. وتقول: "لم يتكفل أحد من ذوي الاختصاص بترميمه، فقمت بترميمه بنفسي". وتؤكد على رفضها لترك منزلها لأحدٍ آخر قائلةً: "العيشة الهنية والقرش الكافي". "من 1948 للآن والمقصّ بشتغل"، هذا ما يقوله الحاج وليد حلاوة ضاحكاً بلهجتهِ النابُلسية الأصيلة. ويضيف: "الناس هوني كانوا بحبوا بعضيهن، بس هلأ الأخ ما بحب أخوه". ويكمل حلاوة حديثه ممتلئاً بحنينه للماضي: "كانت هناك المقاهي والأراجيل والشجر وهداة البال، بس هلأ ما في إلا دكاكين مسكّرة". ويذكر حلاوة لعبة "البطاطا"، التي كان يلعبها مع أصدقائه، والتي اختلف مع صديقه أثناءها، فضربه وتسبب بجرحه. ويقول: "ذهبت لوالدي وقلت له: ضربت السعيد حبيشه وفشخته، فقال لي: امشي قدامي". وذهبا إلى والد السعيد ليقول له (أبو الحج الوليد): "وليد ضرب السعيد وأنا جبتلك إياه اعمل فيه إلي بدك إياه"، فكانت ردة فعل أبو السعيد بقولة لابنه: "بوس خدود أخوك". ويشير حلاوة إلى أسفه على حال اليوم إن حدث خلاف بين صديقين، فيصبح عراكاً طويلاً أو ثأراً بين العائلتين. إياد استيتية أم السعيد سلامة من سكان الياسمينة منذ عام 1971، تقول بانفعال: "صح كان فقر وما في شغل، بس كان في محبة وألفة وخوف على بعض". وتضيف: "كان هناك ردع ورفض للاحتلال". وتعبر عن حبها لحارة الياسمينة بقولها: "أنا بحب الحارة لأني أحبّ زوجي رحمه الله". وتتابع: "أهل الياسمينة بجوعوش. حتى النساء في هذه الحارة يعملن ويشاركن أزواجهن بمصروف البيت. وتصف نساء "العالم الخارجي" عن حارتها بأنهن "يردن كل شيء جاهزاً". ويتحدث إياد استيتية وعلامات الخجل تطغى على ضحكته، عن طريقة ارتباطه بزوجته قائلاً: "كنا محافظين. وكانت فترة الخطوبة على زماني لا تتعدى الثلاثة شهور، وتتخللها زيارات قليلة بين أهل الخطيبين". ويتابع: "كنا نمشي أنا وهي ونخجل من بعضنا، وكانت تمشي خلفي وأنا أمامها مع أّننا خطّاب". وعند زيارة استيتية بيت أهل العروس، كانت هناك إشارة بينه وبين والده للموافقة عليها. ويقول: "كان بيدي مسبحة. إذا وافقت على العروس أعطيها لوالدي، وأعطيته إياها وتم النصيب". ويقول استيتية: "كانت لكل عائلة صرّة كبيرة أكبر من السجادة، وكنا نشتري كل لوازمنا ونضعها فيها لكي لا تظهر للناس خوفاً من الحسد. ويختم استيتية بقوله إن الياسمينة تتميز بالكرم والنخوة وأنها حارة العلم والعلماء، ولكنه يختلف مع باقي أهالي الحارة ويقول: "في السابق لم تكن هناك رفاهية وكانت العائلات تسكن مع بعضها ولا يفصلها إلا حرام (لحاف) والحمام مشترك".
إعداد: شروق أبو عيشة ونجاح شالو المحررة: سارة أبو الرب
2017-09-27 || 22:30
مختارات
حارة القريون.. هي القدس لسكّانها
حارة الحبلة.. "هنا تسكن عائلات نابلس الأصليّة"
بعد سنة على إعادة افتتاحها.. كيف أصبحت مطحنة بريك؟
يكون الجو غائماً جزئياً إلى صافٍ، ومعتدلاً في المناطق الجبلية، وحاراً نسبياً في بقية المناطق، ويطرأ ارتفاع طفيف آخر على درجات الحرارة، وتتراوح في نابلس بين 27 نهاراً و16 ليلاً.