رحيل كوليت خوري: حبيبة نزار قباني ومستشارة الأسد
رحلت الكاتبة السورية البارزة كوليت خوري، في مدينة دمشق، عن عمر يناهز 95 سنة، التي تعد رائدة من رائدات الرواية السورية الحديثة، كتبت باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، وكانت صوتا للتمرد النسوي، وأصدرت عددا من الأعمال الأدبية.
توفيت الكاتبة السورية المعروفة البارزة كوليت خوري، الجمعة 10.04.2026، في مدينة دمشق، عن عمر ناهز 95 سنة. وهي ولدت عام 1931 في حي قديم من أحياء دمشق، ونعى الوسط الأدبي والثقافي السوري والعربي خوري، التي تعد من "رائدات الرواية السورية الحديثة"، وهي حفيدة رئيس الوزراء السابق فارس الخوري، كوليت هو اسمها الأول الذي اختاره والدها سهيل الخوري بسبب حبّه وإعجابه الشديد بالكاتبة الفرنسية كوليت التي كانت تعيش مجدها كأديبة في ذلك الوقت.
تلقّت كوليت تعليمها المبكّر في مدرسة البيزانسون للراهبات، لتُكمل دراستها الثانوية في المعهد الفرنسي العربي في دمشق. وبعدها درست الحقوق في الجامعة اليسوعية في بيروت، ثم انتقلت لجامعة دمشق لتنال أخيراً الإجازة في اللغة الفرنسية وآدابها. بدأت نشر مقالاتها في سن مبكرة، إذ صدرت لها باكورة كتاباتها عام 1957 تحت عنوان "عشرون عاماً". تسألها الصحافية نعمة خالد: "متى بدأت الكتابة؟"، تجيبها كوليت: "لا أذكر لحظة من حياتي لم أكتب فيها. أذكر بأني، وأنا في السابعة أو الثامنة، كنت أكتب الرسائل لأبي أشكو فيها همومي وأحزاني الصغيرة، وكنت أخفيها تحت وسادته ليقرأها قبل أن ينام. في الصباح أستيقظ متلهفة لأجد تحت وسادتي رداً دافئاً فيه عاطفة كبيرة، ترافقه أحياناً حبة شوكولا صغيرة". وتضيف قائلة: "لم تكن الكتابة هوايتي، بل كانت جزءاً من طريقتي في التعبير، لكأنها وُلِدَت معي، ونمت وترعرعت، ربما جو البيت هو المساعد الأول، حيث الكتب والصحف والمجلات هي أهم مفروشات بيتنا وبيت جدي لأبي، وبيت خالي".
كتبت باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية وكانت صوتاً للتمرد النسوي، وأصدرت عدداً من الأعمال الأدبية التي تناولت موضوعات وطنية وإنسانية وأنثوية، من بينها "دمشق بيتي الكبير" و"دعوة إلى القنيطرة". ومسيرتها الأدبية، فقد امتدت لأكثر من ستة عقود، أصدرت خلالها ما يزيد على 20 رواية.
كرّست خوري عملها لتُغرَس في النفس الأنثوية وتدافع عن المرأة وقضاياها في الحب والحياة بأكملها. قالت خوري ذات مرة: "بما أنني شعرت دائمًا بالحاجة للتعبير عما حدث في داخلي.. الحاجة إلى الاحتجاج، والحاجة إلى الصراخ.. وبما أنني لم أكن أريد أن أصرخ بحنجرتي، فقد صرخت بأصابعي وأصبحت كاتبة".
الحياة الشخصية
تزوّجت من الكونت الإسباني رودريكو دوزياس، وحصل الزواج في فرنسا. وكانت ابنتها نارة نِتاجاً لهذا الزواج. وقالت كوليت عن هذا الزواج: "لم يكن زواجي من الكونت بدافع الحب فقط، بل أيضاً لأني كنت دائماً أبحث عن شخص يستطيع أن يشبه أبي وسامة وحضوراً". بعد انتهاء هذا الزواج بفترة قصيرة، ضجّ العالم العربي بقصة حبّها مع الشاعر السوري نزار قباني، وخوري بدورها لم تنكر هذه المشاعر المتبادلة بأكثر من لقاء أو حوار أجرتهم بعد وفاة نزار قباني. وتشير وكالة فرانس برس إلى أن رواية "أيام معه" التي نشرتها خوري في 1959 تُعد من أبرز أعمالها وهي عن علاقتها بقباني، حيث أثارت جدلًا واسعًا لجرأتها في تناول موضوع الحب من منظور أنثوي صريح، مُستلهمة تفاصيل جزئية من تجربة شخصية.
لا تخفي كوليت أن الرواية التي أحدثت ضجة وبين أبناء المجتمع السوري المحافظ تحمل شيئاً من سيرتها الذاتية، تقول: "في تلك الفترة تعرفت إلى نزار قباني من خلال جدي فارس الخوري وكان حينها يعمل في وزارة الخارجية وشاعراً وأنا أحب الشعراء، كان بارد الطبع هادئ بعكسي تماماً، أحببته وأحبني وكنا على حافة الزواج ولكن لم يحدث ذلك لعدة أسباب منها أنه كان يكبرني كثيراً وكنت أنا شاعرة صغيرة صاعدة للحياة وهمي أن أصبح شاعرة كبيرة وكنت أعتقد أنني أنا "المرأة" في الحياة و"نزار" كان يتباهى أنه شاعر "النساء" ولم يعجبني ذلك فقررت السفر حتى يشعر أنني أنا "المرأة". تضيف: "عندما تركته وسافرت أحبني في تلك الفترة أكثر، لكن كان يجب أن أعود واكتشفت في سفري أن الحياة جميلة وواسعة وفيها غير نزار، انفصلنا وانتهت قصة حبنا لكننا بقينا أصدقاء وهو شخص عزيز علي". وكانت كوليت تحتفظ بثلاثين رسالة من نزار قباني، كان قد أرسلها إليها بعد فراقهما. وأوضحت أن رسائـل نزار قـباني إليها، كانـت تفصح عن إنسان عاطفي ينضح بالحزن، و"لم يكن يفهمه أحد سواي" وكانت سطوره "معرّشة ببخور الكلام".
بالعودة لرواية "أيام معه" التي يجزم الكثير من القراء أنها تصور قصة الحب بين كوليت ونزار الذي يقال إنه كان يردد بأنها بالنسبة إليه "دمشق". تقول خوري: "رواية "أيام معه" فيها أشياء من نزار قباني وغيره وأتطلع في يوم ما أن أعيد كتابة الرواية بالأسماء الحقيقية فمثلا زياد عازف الغيتار وبطل الرواية الذي اعتبره القراء نزار قباني هو بالحقيقة زوجي الأول الكونت الإسباني رودريكو دوزياس، الذي كان عازفاً رائعاً يحملني بموسيقاه إلى عوالم أخرى دمجت بين شخصيته ونزار وعدة شخصيات حتى ظهرت الشخصية التي في الرواية.
في بداية مسيرتها الأدبية كانت كوليت تنشر مقطوعاتها الشعرية والأدبية باسم كوليت سهيل. أول مقطوعة نشرت لها بالفرنسية كانت في مجلة اسمها "فتاة اليوم"، وقد علّقت كوليت على هذا الحدث الأول قائلة: "خُيّل إليّ أنني بهذه القطعة الصغيرة قد اعتليت سلّم المجد، وظننت أنني انطلقت عَدواً في الطريق التي اخترت، لكن لم أكن أدري يومها بأن الطريق طويل وأطول من حياتي، لم أكن أدري بأنني مهما توغّلتُ في هذه المتاهة، ومهما قطعت من مسافات في هذا العالم الفني الملوّن سأظل دائماً أشعر وكأنني في أول الطريق".
عندما سُئلت خوري عن كتابها الأول "عشرون عاماً"، قالت: "هناك مثل فرنسي يقول: أن تكتب الشعر وأنت في العشرين فهذا دليل على أن عمرك عشرون، أما أن تكتب الشعر وأنت في الأربعين، فهذا دليل أنك شاعر، أنا كنت في العشرين لذلك أعتبر أن ديواني مجرد عواطف لصبية صغيرة مصاغة في ألحان، وأعتقد أن لهذا الكتاب قيمة عاطفية أكثر منها أدبية، إنه تمارين أدبية أو عزف بدائي على أوتار الأدب".
وفي عام 1960 صدر لكوليت بالفرنسية كتاب آخر عنوانه "رعشة Frisson" وهو أيضاً عشرون قصيدة في ديوان. في عام 1961 عادت للعالم العربي من خلال رواية "ليلة واحدة"، كانت من أكثر القصص المثيرة للجدل بسبب عنصر الزنا الموجود فيها. أجادت خوري في وصف معاناة المرأة المتزوجة عندما يتحوّل زواجها إلى شراكة تجارية بحتة تفتقد إلى جميع أشكال العاطفة والرحمة، فما كان من بطلة قصتها "رشا" سوى الوقوع في الفراغ، ذلك الفراغ المُهين الذي جعلها تتخبّط بين محلَّلاتٍ ومحرّمات باحثةً عما يُدفِئ داخلها.
وبين عامي 1989 و1997 نشرت ذكريات جدّها المفكّر السياسي فارس خوري في كتابين بعنوان "أوراق فارس خوري".
وفي عام 1990، انتُخِبت لمجلس الشعب لدورتين متتاليتين، ونشرت آراؤها وأفكارها في صحيفتي البعث وتشرين، وصحفٍ ومجلاتٍ أخرى، كما كتبت زاوية في مجلة المستقبل التي كانت تصدر من باريس. وفي عام 2006، اختارها بشّار الأسد مستشارةً أدبيةً له.
عملَت كمستشارة إعلامية ولغوية لمصطفى طلاس وزير الدفاع سابقاً ومُحاضِرة في قسم اللغة الفرنسية في كلية الآداب في جامعة دمشق.
أبرز أعمالها:
- المجموعة الشعرية "عشرون عامًا" عام 1957.
- رواية "أيام معه" عام 1959.
- كتاب "رعشة" أو " Frisson" عام 1960.
- رواية "ليلى واحدة" عام 1961.
- المجموعة القصصية "أنا والمدى" عام 1962.
- قصة "كيان" عام 1968.
- قصة "دمشق بيتي الكبير" و"المرحلة المرة" عام 1969.
- قصة "الكلمة الأنثى" عام 1971.
- مسرحية "أغلى جوهرة بالعالم" عام 1975.
- قصة "دعوة إلى القنيطرة" عام 1976.
- رواية "أيام مع الأيام" عام 1978.
- قصة "الأيام المضيئة" عام 1984.
- المجموعة الشعرية "معك على هامش رواياتي" عام 1987.
- الجزء الأول من كتاب "أوراق فارس الخوري" عام 1989،
- الجزء الثاني من كتاب "أوراق فارس الخوري" 1997.
- المجموعة القصصية "في الزوايا حكايا" عام 2003.
- مجموعة القصص والمقالات "سنوات الحب والحرب" عام 2006.
- المجموعة القصصية "عبق المواعيد" عام 2008.
المصدر: المدن
2026-04-11 || 00:14