رحيل إدغار موران عن 104 أعوام: فيلسوف الفكر المركّب
برحيل إدغار موران، فقدت الساحة الفكرية العالمية أحد أبرز رواد "الفكر المركب" الذين كرّسوا حياتهم لفهم الإنسان وتعقيدات العالم والدفاع عن القضايا الإنسانية العادلة بما فيها القضية الفلسطينية.
رحل عالم الاجتماع والفيلسوف إدغار موران، أحد أبرز الشخصيات الفكرية في فرنسا، الجمعة 29.05.2026، عن 104 أعوام، وفق ما علمت وكالة الأنباء الفرنسية من زوجته السبت.
يعد إدغار موران أحد المفكرين المعاصرين الذين اهتموا بنقد المعرفة الكلاسيكية القائمة في الأساس على مبدأ الاختزالية والتبسيط، داعياً إلى فكر واع يدرس القضايا الإنسانية على أساس من التعقيد ورفض للفكرة الخطية في التحليل. وهنا نجده طرح فكرة "الفكر المركب" التي لا تقبل الاختزال والتجزئة في شرح الظواهر العلمية والفكرية. موران ذو ميول سياسية يسارية، يعرف بتأييده للقضايا الإنسانية العادلة، لا سيما القضية الفلسطينية. وله مؤلفات متنوعة، ذاع صيتها في فرنسا وخارجها، واخالفت علم الاجتماع التقليدي، إذ تم تقديمها كدراسة معمقة للطبيعة البشرية استناداً إلى بيانات علمية.
ولد إدغار موران -واسمه الحقيقي هو إدغار ناهوم- يوم 8 يوليو/ تموز 1921 في باريس، جذوره يهودية من أصول يونانية، ووالدته إيطالية توفيت وهو في العاشرة من عمره. حصل على درجة في التاريخ والجغرافيا، ودرجة في القانون العام 1942، ونال دكتوراه فخرية من 14 جامعة عالمية.
بدأ موران نشاطاته في إطار الحزب الشيوعي الفرنسي العام 1941 وتركه نهائياً العام 1951. وخلال الحرب الأهلية الإسبانية 1936، انضم إلى صفوف المقاومة الشيوعية السرية، واختار اسماً مستعاراً هو "مورين" الذي احتفظ به طوال حياته.
انضم في 1945 إلى الجيش الفرنسي في ألمانيا، وترأس في العام التالي مكتب الدعاية في الحكومة العسكرية الفرنسية العام 1946. وفي 1950، التحق الفيلسوف الفرنسي بالمركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية، وأصبح مديراً للأبحاث في المركز العام 1970.
موران والقضايا التحررية
التقى موران بهايدغر مرّتين، في الأولى كان بزيّه العسكريّ الفرنسيّ، ما جعل هايدغر يتوجّس منه خيفة حين دخل عليه بعد انتهاء الحرب وتهاوي المحور. والثانية في 1955، وكان موران من بين أربعة مثقفين فرنسيين، منهم جون بول سارتر، أسسوا حركة معارضة لحرب الجزائر، ودخل مع رفاقه في مطلع الخمسينيات على الأستاذ في "كوليج دو فرانس"، المستشرق الفرنسي وعالم الإسلاميات، لويس ماسينيون، يحملون عريضة وقّعتها مجموعة من مثقّفي فرنسا نُصرةً للمقاومة الجزائريّة، فطلبوا منه دعمهم. لم يقرأ ماسينيون يومها الورقة، نظر في وجوههم ثمّ قال: أرى الصّدق جليًا في عيونكم، سأوقّع من أجل الحريّة. لكنه لم يوقع على بيان "حق العصيان في حرب الجزائر" المعروف بـ"بيان 121" الذي نشر في سبتمبر/ أيلول 1960.
عُرف موران بمواقفه المؤيدة لحق الفلسطينيين في إقامة دولة خاصة بهم، وقاده مقال نشره في صحيفة "لوموند" وندد فيه بالسياسة الإسرائيلية، إلى المحاكم الفرنسية العام 2004.
في 26 أبريل/ نيسان 2011، علق موران في مقال كتبه في "لوموند" على ربيع الثورات العربية، وقال فيه إن المفاهيم السياسية السائدة في العالم العربي، سواء كانت بوليسية أمنية علمانية أو دينية، تواجه رياح التغيير، وإن الديموقراطيات الغربية دعمت الاستبداد في العالم العربي، والعرب الذين أنهوا الاستعمار السياسي ها هم الآن بصدد إزالة الاستعمار الفكري، لتبقى عملية إزالة الاستعمار الاقتصادي.
أبرز مؤلفاته
وضع موران العديد من الكتب والمؤلفات التي تناولت قضايا فكرية مختلفة، وترجمت للعديد من اللغات. أول هذه الكتب نشر العام 1950 تحت عنوان "عام ألمانيا صفر"، و"النقد الذاتي" في 1959 حيث تطرق لقطيعته مع الشيوعية. وفي 1977، نشر الجزء الأول من مؤلفه "المنهج" الذي طرح فيه مفهوم فِكره المركب، ثم في 1989 نشر كتاب "فيدال وعائلته"، ثم "التجوال" 2006، و"طريقتي" 2008. كما أصدر كتاباً في مجال السينما بعنوان "السينما أو الإنسان المتخيل". وأصدر العام 2005 كتاب "الثقافة والبربرية الأوروبية"، و"أين يسير العالم" 2007. وفي أبريل/ نيسان 2013 صدرت للمفكر الفرنسي مذكرات تحت عنوان "يوميات"، تتألف من مجلدين، وكان قد بدأ في كتابتها العام 1962.
يعتبر كتاب إدغار موران "نجوم السينما" من الكتب الكلاسيكية الرائدة في مجال الفن السابع، ويتساءل فيه عن شروط صناعة النجوم، وعن علاقاتهم بجمهورهم. كما يشرح العوامل البسيكولوجية والسوسيولوجية التي تحدّد هذه العلاقة. وانطلاقاً من قناعته بأن نجوم السينما كائنات "تنتسب إلى البشريّ والإلهيّ في آن، وتُشبه في بعض سماتها أبطال الأساطير أو آلهة الأولمب"، كتب موران دراسته هذه وربطها بالسمات الفيلمية للحضور الإنساني على الشاشة، وبالعلاقة التي تقوم بين المتفرّج والاستعراض، أي بالعمليات النفسيّة ـ العاطفية المتعلّقة بمسألة الإسقاط ـ التماهي، وبالاقتصاد الرأسمالي ونظام الإنتاج السينمائي، وبالتطوّر الاجتماعي ـ التاريخي للحضارة البورجوازية.
منذ بلغ الـ100، كثُر السؤال عن عمره، وقد دنا منه الموت. يذكر أن الموت دنا منه في المرّة الأولى قبل أن يولد، حين فشلت عمليّة إجهاضه، فجاء إلى العالم عن طريق الخطأ. بقي وحيداً بعدما حرمه مرض أمّه من أخ أو أخت، ثمّ سرعان ما حرمه من أمّه أيضاً. عوّضته لعبة القدر عن وحدته هذه بنزعة إنسيّة جعلته يرى في كلّ بشريّ أخًا له. باغته الموت بعد ذلك مراراً، لا سيما حين هدّده في شبابه أيّام الحرب.
المصدر: المدن
2026-05-30 || 19:08