1. «غارقون بالضحك» لزياد خداش... احتمالات الضحك في رام الله
  2. نقاش حول سيناريوهات العودة للمدارس
  3. سلطة المياه: تنظيم العمل بتوزيع المياه في الصهاريج
  4. وفاة و9 إصابات جديدة بكورونا في الجاليات الفلسطينية
  5. 17 وفاة جديدة بكورونا في إسرائيل
  6. حالتا تعافٍ من كورونا في قلقيلية
  7. تعرّف على أبرز رواد مكتبة بلدية طولكرم
  8. حريق مطبخ منزل شمال طولكرم
  9. آلية لإنعاش اقتصاد نابلس في ظل كورونا
  10. ملحم: السماح بفتح المحلات الجمعة والسبت
  11. بدء التقديم لمنح دراسية في الجزائر
  12. الإحصاء: 1.14 مليون شاب/ة في فلسطين
  13. التعليم العالي: أسماء المرشحين للدراسة بالأردن
  14. هام لخريجي كليات الحقوق
  15. هل لكورونا أثر إيجابي على المواطنين؟
  16. تأجيل تصفيات آسيا المزدوجة للعام المقبل
  17. الاحتلال يخطر بهدم منشآت شرق نابلس
  18. توزيع 25 طرداً صحيا للأطفال المصابين بكورونا
  19. مستوطنون يضرمون النار بحقول في جيت
  20. الوقت الأمثل للاستحمام.. في المساء أم الصباح؟

بغداديات عماد الأصفر- 64

الصحفي وأستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت عماد الأصفر من العارفين القلائل بتأريخ الغناء والموسيقى في العراق. أمضى سنوات من منفاه في بغداد، فعرف العراق كما يعرفه أهله، إضافة إلى حس الباحث العلمي في ثقافات الشعوب.


تزوج 90 مرة زواجاً شرعياً و200 مرة زواجاً مدنياً، أنجب 365 ذكراً ولا يعلم عدد الإناث وله أكثر من ألف حفيد و20 كتاباً. حصل على 15 جنسية، أتقن 17 لغة وأنشأ 16 إذاعة وجريدة، طاف العالم أربع مرات وحكم بالإعدام أربع مرات.

التحق بالمدرسة العسكرية البحرية في تركيا العثمانية، ثم بالمدرسة الحربية للخيالة في ألمانيا ولم يفلح في المدرستين، عمل مذيعا في بغداد وبرلين وألف 20 كتابا في السياسة والرحلات وعمل طباخا للمشاهير ببغداد والكويت ومفتياً ومراسلاً صحفياً وداعية في إندونيسيا وخطيب مسجد ورئيس تحرير وراقصاً في ملهى ليلي في باريس وراهباً في معبد بوذي بالهند ومراسلاً لعدة صحف وسباحاً عالمياً.

كما عمل مستشارا لعدد من الملوك مثل غازي في العراق والسنوسي في ليبيا وعبد العزيز في السعودية وقابل عددا كبيرا من الرؤساء كالرئيس المصري جمال عبد الناصر ثم السادات والملك عبد الله ملك الأردن والشيخ زايد حاكم الإمارات والزعيم النازي هتلر ووزير دعايته غوبلز، إضافة إلى الإيطالي موسوليني وغيرهم كثير.

هذا غيض من فيض السيرة الذاتية لشخص عراقي حقيقي يدعى يونس الجبوري وكنيته أبو لؤي، أما اسمه الفني فهو يونس بحري، المولود في الموصل عام 1904 والمتوفى فقيرا معدما دون عائلة أو أصدقاء في بغداد عام 1979. وبين التاريخين كان هذا الرجل الداهية مثار الجدل في كل المجالس ونجما من نجوم صفحات المشاهير في المجلات العربية. وصار بعد وفاته عنوانا لكثير من الكتب والأبحاث التي تناولت سيرته.

كان من الصعب عليّ تصديق ولو ربع ما جاء في سيرته الذاتية، لولا أنني اطلعت على مقابلات أجريت مع ابنته دكتورة علم النفس منى يونس الجبوري وقرأت ما كتبه مجايلوه من الثقاة عنه وما قرأته من مقالاته واستمعت إليه من خطبه المؤيدة لهتلر وما سمعته منه في مقابلة نادرة أجاب فيها على أسئلة كثيرة.

هذا الشهريار، السندباد، الصعلوك، الرحالة، المغامر، الدونجوان، الكاتب، السباح، الطباخ، المفتي، الرقاص، الخطيب، الداعية، المذيع، الرياضي، السجين السياسي والمتحلل من أية مسؤولية عائلية، كان وسيظل أكثر الشخصيات إثارة للجدل ليس في العراق فقط وليس في زمانه فقط، بل في العالم أجمع وربما على مر الأزمان.

يونس بحري إلى اليسار في حضرة الحاج أمين الحسيني ورئيس وزراء العراق الأسبق رشيد عالي الكيلاني وعدد من الضباط الألمان


تقول ابنته الدكتورة منى إنها لم تشاهد والدها مطلقا، رغم أنه كان شخصية عامة في العراق وشهيرا خارج العراق أيضا وأن كل ما تعرفه عنه هو أنه كان وسيما ذكيا محبا للحياة ومغامرا. وتضيف أنها لا تعرف من بين أخوتها الكثيرين جدا سوى الدكتور لؤي، الذي يدرّس في الجامعات الأمريكية والدكتور سعدي الذي يدرّس في جامعة السوربون الفرنسية وأنها سمعت مثل الآخرين أن لها أخا يشغل منصب قائد البحرية الفلبينية.

كان والده صالح الجبوري برتبة يوزباشي مسؤولاً عن البريد بين أسطنبول وولاية الموصل. درس في الموصل وعمل فيها مبكرا صحافيا لسنة واحدة، ذهب إلى بغداد ليدرس في دار المعلمين فلم يفلح وطرد بعد 3 أشهر. عمل موظفا في وزارة المالية ثم استقال وخرج إلى تركيا سائحا وهناك بدأ بدراسة العلوم البحرية العسكرية فلم يفلح. ذهب إلى ألمانيا للدراسة في مدرسة الخيالة فلم يفلح أيضا، لكنه تعرف هناك إلى رسام اسمه هتلر، سيصبح فيما بعد زعيما للرايخ الألماني وواحدا من قلائل تركوا أبلغ الأثر على تاريخ البشرية في القرن العشرين.

يقول بحري: "تعرفت هناك إلى هتلر كان يعمل رساما بائسا، يرسم بالفحم على جدران مطعم كنت أجلس فيه يوميا، فصرت أجالسه وأعطيه دينارا كل يوم، فصار يرسم الزبائن على الورق مقابل بعض النقود".

خرج في رحلة حول العالم، فكوّن ثقافة عالمية وتعلم العديد من اللغات وكسب الكثير من الأصدقاء واقترن بالعديد من الزوجات وأنجب العديد من الأبناء والبنات وحاز العديد من الجنسيات والكثير من نقمة الزوجات السابقات وحسرة الأولاد والبنات.

إنجازات يونس الجبوري 

يصفه المؤرخ الدكتور سيار كوكب الجميل بأنه كان عجائبياً حقاً، فمن (معجزاته) أنه عبر مضيق جبل طارق سباحة (14 كم في أضيق نقطة) وعبر صحراء الربع الخالي مشياً، بعد أن أوصلته سيارة بأمر الملك إلى منطقة جازان.

ذكر يعقوب الحجي في كتابه عن سيرة المؤرخ والصحفي الكويتي الشيخ عبد العزيز الرشيد، كان بحري يمنّي نفسه بأن يكون أول رحالة عربي يعبر الربع الخالي، لكنه بالاتصال بالسلطات النجدية الحجازية قبل توحيد المملكة وجد أن من الصعب السياحة في هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية وأنه لا بد من الاستئذان من السلطان عبد العزيز.

وحين قدم إلى الحجاز أحسن استقباله وسمح له بالتجول في تهامة وأمر الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية بتجهيز سيارة تنقله إلى الليث ثم بيشة وجازان وقد استمر في رحلته حتى بلغ صنعاء وقابل الإمام يحيى، ثم اتجه من اليمن عبر البحر إلى سنغافورة.

شارك بالصدفة ودون أي تدريب أو إعداد في بطولة عبور بحر المانش (34 كم في أضيق نقطة) فحاز المرتبة الأولى متفوقا على سباحين من 36 دولة. وحصل على ألف ليرة ذهبية. بحثت ألمانيا عن هذا البطل السباح ومنحته جنسيتها وجواز سفر دبلوماسي.

وكان من الطبيعي أن يعلن العراق أن أحد أبنائه الأبطال قد فاز في مسابقة عالمية وكأن العراق هو من أرسله وليست الصدفة المحضة. وبعد فوزه في بطولة السباحة صار حديث الصحافة العربية التي بدأت تنشر أخباره وتسميه السائح العراقي وتنشر مقالاته، مما سمح له بإقامة أوثق الصلات مع الكتاب والمفكرين والسياسيين في الدول التي زارها بعد ذلك.

ذهب مع صديقه الكويتي عبد العزيز الرشيد لزيارة مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود، الذي كان يطمح إلى بسط النفوذ الديني لمملكته على المسلمين في كل مكان، فكلفهما بنشر الدعوة إلى الحج في دول الهند الشرقية. ذهبا إلى اندونيسيا وكان لهما صولات وجولات وأسسا هناك جريدة اسمها (الكويت والعراقي)، ليس العراق وإنما العراقي في محاولة للاستفادة من شهرته ولقبه الجديد "السائح العراقي".



من طريف ما يروي عن بحري، أنه عمل هناك مفتيا للدولة، إضافة لعمله في الصحافة والدعوة الإسلامية والتوسط السياسي بين الأحزاب. وذات يوم جاء رجل طاعن في السن يريد الزواج من فتاة صغيرة في العمر، فرفض بحري تزويجهما بحجة الحلال والحرام وتزوجها هو في اليوم التالي.

يونس بحري والملك غازي

عاد بهذه الشهرة إلى بغداد، فأصدر جريدة العُقاب المسائية وكانت أول وربما آخر جريدة مسائية تصدر في العراق، لقد أراد من وراء ذلك منافسة الصحف التي تصدر صباحا في سرعة الخبر وقد فاز في هذه المنافسة وصارت أخباره تسبق أخبار الصحف الأخرى بـ14 ساعة وصار مذيعا في الإذاعة العراقية.

يقول المذيع يونس بحري: "كنت أذيع تعليقا سياسيا عن الوضع في فلسطين وما يعانيه أهلها من عنت اليهود وطغيان البريطانيين، وبعد الانتهاء من التعليق طلبني رجل لم يذكر اسمه على الهاتف وقبل أن أسال من المتكلم، انهالت علي التوبيخات والشتائم وبعد أن هدأ الصوت من حدته أخذ المتكلم يردد "آه لو كانت لدي إذاعة لأريتكم كيف تذيعون ما هذه الميوعة المشينة في مخاطبة البريطانيين؟!" وانتهى الحديث. لقد كان المتكلم الثائر هو الملك غازي وفي تلك الليلة كنت أسهر عند الوزير الألماني الدكتور فريتزغروبا وفي سياق الحديث رويت له قصة الغضبة الملكية. وقلت له: إنَّ الملك غازي يتمنى لو كانت لديه إذاعة قوية ليري العالم كيف يخاطب البريطانيين وغيرهم من المستعمرين.

كان الملك غازي على خلاف مع حكومته المؤيدة لبريطانيا وكان مغرما بأجهزة الاتصال اللاسلكي وكانت هوايته اقتناء هذه الأجهزة وقضاء الساعات في المراسلات اللاسلكية عبر العالم مع أصدقاء افتراضيين لديهم ذات الهواية.

بعد أسبوع واحد فقط، أي في نهاية عام 1938، طلب الوزير الألماني غروبا يونس بحري وأراه صناديق ضخمة وقال له وهو يبتسم بخبث: "هذه محطة إذاعة على الموجة القصيرة وبقوة (150) كيلو واط (أربعة اضعاف قوة المحطات الإذاعية العربية في ذلك الوقت) خذها إلى الملك هدية من الزعيم هتلر".

قام يونس بحري بنقلها شخصيا إلى القصر واستقبله الملك غازي دون أن يمد يده لمصافحته، فلقد كان حاقدا عليه بسبب تعليقاته المائعة ضد بريطانيا.

قال بحري للملك: "سيدنا إن إذاعة بغداد هي إذاعة رسمية حكومية وأنا لا أملك حق التصرف وأقرأ ما من الحكومة عبر الإذاعة. ولكن يا سيدي لدي نبأ سار، هذه محطة إذاعة على الموجة القصيرة هدية من الزعيم هتلر لسيدنا".

تم تركيب الإذاعة وصار بحري الآمر الناهي فيها، فقدم الملك غازي ليلقي الخطب والتوجيهات وقدم هو الرسائل والتعليقات السياسية المناوئة لبريطانيا وللحكومة وللأردن والكويت وكان يتلو القرآن على المستمعين إن تأخر القارئ المكلف بذلك واستقبل في هذه الإذاعة السياسيين والمطربين والأدباء، وكان يصطحب منهم من يريد لمنادمة الملك مساء كل يوم.

قالت عنه بريطانيا، إنه شخص متجرد كليا من المبادئ. وقال قنصلها، إن تأثيره كان واضحا على سياسات وتوجهات الملك.

الملك غازي


كان الوحيد تقريبا الذي ألمح إلى أن الملك غازي مات في حادث سير مفتعل داخل قصره وليس حادث سير ذاتي ونتيجة لتحريضه هاجم عراقيون غاضبون من أبناء مدينته مقر القنصلية البريطانية في الموصل وقتلوا القنصل، صار مطلوبا للحكومة العراقية وللبريطانيين، فتوجه إلى سفير ألمانيا الذي ساعده في التخفي والسفر إلى برلين.

بحث عن صديقه القديم الرسام هتلر، فأعطاه رتبة ماريشال، فصار يضع الصليب المعقوف على ذراعه وأصبح واحدا من أبرز مذيعي قناة ألمانيا الناطقة باللغة العربية والتي افتتحت بعد 3 أيام من وصوله وخصصت لتحريض العرب ضد بريطانيا والتبشير بانتصار الفوهرر وهزيمة بريطانيا وعملائها من الحكام العرب وكان يلقي الخطب الحماسية بادئا بعبارة تقليدية ظلت محفورة في أذهان مئات الآلاف ممن كانوا يتابعونه "هنا برلين....حيّ العرب".

في ذات الفترة كان أعداء بريطانيا يتوجهون إلى هتلر ومنهم الوزير العراقي رشيد عالي الكيلاني، رئيس وزراء العراق في العهد الملكي لـ3 مرات والحاج أمين الحسيني والذي جند مقاتلين مسلمين من عدة دول للقتال مع الجيش الألماني، فتوطدت علاقة بحري بهم.

يقول بحري: "جاء معظم المقاتلين من البوسنة، ولذك ظل الرئيس اليوغسلافي جوزيف بروس تيتو يكرهني أنا والحاج أمين الحسيني طيلة حياته ويعتبرنا مجرمي حرب".

اقترح على الألمان بث تسجيلات للقرآن الكريم لكي تجذب العرب الذين كانوا يتابعون أيامها البث العربي لهيئة الإذاعة البريطانية BBC، وافقوا على الأمر ويبدوا أنه قد أثمر، فقامت الإذاعة البريطانية بعد ذلك بتقليدهم.

يقول الكاتب عيسى اللوباني في كتابه: "صفحات مطوية من التاريخ"، إن الحاج أمين الحسيني ظل لشهر يخفي نبأ وصول رشيد عالي الكيلاني إلى برلين، فيما فوزي القاوقجي يريد الاطمئنان عليه، تحرى يونس بحري عن الخبر وأذاعه قبل الحصول على موافقة ألمان أو المفتي، كان بحري يشعر أن نفوذه البرليني قد تضاءل بعد وصول المفتي والكيلاني.

الحاج أمين الحسيني مع هتلر


لم يتأخر الحاج أمين الحسيني في فهم شخصية يونس البحري الزئبقية وحبه للإثارة والتهويل، خاصة وأنه كان يلجأ إلى سب وشتم القادة العرب ولا يلتزم بنصوص البيانات والتعليقات التي كان يعدها المكتب العربي في القدس، فأوصى بعزله وكان له ما أراد.

وبحسب اللوباني فقد كان لبحري أصدقاء يمتهنون الرقص الاجتماعي: "يذهبون إلى الحفلات لاصطياد أية سيدة تأتي منفردة أو عجوز ثرية، فيراقصونها ويشربون على حسابها ثم يقتادونها إلى أوكار متعتهم. داهمهم مرة قائد الغستابو بحثا عن ابنة أخته، فلم يجدها لأنها كانت في غرفة سرية، وقالوا يومها لو كانت لهتلر بنت جميلة لما سلمت منا".

هرب إلى باريس بعد هزيمة ألمانيا. يقول الكاتب منير الريس في "الكتاب الذهبي للثورة الوطنية في المشرق العربي": "في صباح اليوم الثالث من مايو عام 1945، جمعتنا الصدفة في مرسيليا بيونس بحري طليقا، يندفع نحونا يهنئنا ويعانقنا، فسألته: كيف استطاع الوصول إلى مرسيليا دون أن يقع بيد الحلفاء؟ فقال: إنه خرج من برلين مع عدد من الأجانب قبل أن يحاصرها الروس، وحرَّف اسمه المسجل في جواز السفر بالأحرف اللاتينية، ليكون: يوني باري جبوري، تحريفاً من يونس بحري الجبوري، وزعم للمحققين أنه كان معتقلا في ألمانيا وأطلعهم على أثر جرح قديم في جسمه نتيجة شجار قديم، مدعياً أنه آثار التعذيب، فسمحوا له بالسفر إلى باريس".

عمل هناك خطيبا في مسجد باريس وأنشأ جريدة العرب. وقتها طالبته بلدية باريس بضريبة مقدارها ثلاثة ملايين فرنك متراكمة عليهِ لم يدفعها طوال فترة إصدارهِ لهذه الصحيفة وكان القانون الفرنسي آنذاك يعفي كل من أنجب 12 ولداً من الضرائب، فأخبرهم إنه لديه أكثر من هذا العدد من الأولاد، فطالبوه بإثبات ذلك، فذكر أسماء 45 منهم وأماكن سكناهم حول العالم، فخرج موظفو بلدية باريس في حدث فريد من نوعهِ للبحث عنهم ووجهت لهم دعوة للحضور وجمعت البلدية أولاده واستضافتهم لمدة شهر في فرنسا معه وعلى حسابها الخاص وكان لقاءً نادراً ذكرتهُ مجلات وصحف أجنبية عديدة في أوروبا بوقتها وأعفي من الضرائب على إثر ذلك.

خرج من باريس في جولة جديدة من الترحال، فزار عددا من الملوك والرؤساء العرب ومنهم الزعيم المصري جمال عبد الناصر، مما أثار خشية الحكومة العراقية من أن يستأنف هجومه الإعلامي عليها من القاهرة هذه المرة، فسعت لإعادته وعاد وطلبت منه أن يتولى منصبا إعلاميا يهاجم من خلاله الرئيس عبد الناصر فوافق، لكن ثورة تموز التي قادها عبد الكريم قاسم سبقت استلامه المنصب، فتم سجنه والحكم عليه بالإعدام وتم تخفيض الحكم لاحقا إلى المؤبد.

سجن يونس البحري 

من النوادر التي حدثت لهُ في السجن أثناء اعتقاله بعد ثورة تموز 1958، أنه كان سجيناً مع توفيق السويدي (رئيس وزراء العراق الأسبق في العهد الملكي) في قاعة واحدة وكان كلاهما يُكنى بأبي لؤي. وفي يوم من الأيام جاء ضابط السجن منادياً: من هو أبو لؤي؟ فخاف توفيق السويدي لأنهُ توقع أن يكون وراءه شرٌ ولم يجب. وأجابه يونس بحري وكانت المفاجأة أن الضابط أحضر مظروفاً يحوي مائة دينار، فوقع بحري باستلامها وأخذها. وبعد أيام جاءت رسالة إلى توفيق السويدي تقول: هل استلمت المائة دينار؟

جرى الإفراج عنه، فخرج ليعمل طاهيا في مطعم يرتاده سياسيون يخططون للانقلاب على قاسم وللتغطية على هذه المخططات قام بدعوة الزعيم قاسم إلى مطعمه، فلبى الدعوة، ولكن سرعان ما انكشف أمره فهرب إلى بيروت وانتظر حلول الانقلاب على قاسم ليمدح الرئيس الجديد عبد السلام عارف، الذي عفى عنه وأعاده إلى العراق.

عاش لفتره بسيطة في بيروت، فألف عدة كتب. ثم سافر إلى الكويت، حيث أصبح مديرا لمطعم اسمه "مطعم المدينة" كان يملكه أحد أصدقائه وعمل كذلك في أبو ظبي عام 1971، حيث أصدر صحيفة "أبوظبي نيوز" الناطقة بالإنجليزية ومسؤولاً عن قطاع الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام.

لما شعر بخفوت شهرته، سرب خبرا عن وفاته فتناقلته الصحف، حتى أن الشيخ زايد مازحه معزيا لما شاهده بعد ذلك. وحدث أن أم كلثوم كانت تزور أبو ظبي، فقالت له كيف بعثت من جديد؟ فقال لها سمعت أنك ستغنين هنا، ودعاها إلى حفل زواجه التسعين من فتاة سورية تدعى شهرزاد.



مكث يونس بحري أواخر أيامه في بغداد في بيت زميله الصحفي نزار محمد زكي (الذي كان مدير مكتب وكالة الأنباء في بيروت)، وتوفى في مستشفى الراهبات ببغداد يوم 30 أيار 1979 ودفن في مقبرة الغزالي، دفنته البلدية على نفقتها، حيث مات فقيراً معدماً ومعزولا عن الأهل والأصدقاء.

ظلت ابنته الدكتورة مي تزور المقبرة، ولكنها لم تستدل على قبره الذي ترك دون شاهد، فصارت تجلس إلى قبور الآباء الآخرين فتبكيه وتترحم عليه وتسامحه. وكلها إيمان بأن سيرة والدها لا تخلو من مصادفات ساعدته ومن ظروف أحسن استغلالها بذكائه وجرأته، ولكن تضخيما كبيرا جرى لعلاقاته النسائية وصداقاته مع الملوك وربما يكون هو من سعى أو ساعد في عملية التضخيم هذه.

يقول ابنه الفنان سعدي في أحد حواراته: "والدي أتقن عدة لغات، وكان الصوت العربي الذي ينتظره الجميع إبان فترة الحرب العالمية، وحكم عليه الإنجليز بالإعدام؛ لأنه كان رجلاً وطنيًّا مع حركة رشيد الكيلاني وقد هرب من العراق وناضل ضد الاستعمار البريطاني، وكان ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر. في فيلم سنوات الجمر للمخرج الأخضر حامينا والذي عرض في مهرجان كان السينمائي رأيت مشهدًا يصور المجاهدين الجزائريين وهم يستمعون إلى صوت والدي في إذاعة برلين، وكان يقول بصوت جهوري قوي:

"أيها المجاهدون حاربوا الاستعمار الفرنسي وحرروا الجزائر، وكان أحد المجاهدين يهتف بحماس "حياك الله يا يونس البحري"... ويضيف: "والدي كان محبًّا للنساء، يقال إنه تزوج في كل بلد سافر إليه، أنا لا أعرف منهن إلا أمي والزوجة اللبنانية، أحاول أن أبحث عن إخوة متناثرين في أرض المعمورة، ولكن للأسف لا توجد الكثير من المعلومات أو الكتب التي صدرت عنه. ولكن أعرف أن والدي كان عاشقًا للفن، وكان له صوت جميل، وكان يغني في بعض المجالس والحفلات".

تنقل يونس بحري كثيرا في أرجاء العالم وما كان يحمل معه غير جوازات سفره وفرشاة أسنان وأدوات حلاقة وصوت إذاعي رخيم وحس فكاهي فريد وروح مغامرة لا تعرف الخوف والعديد من اللغات ومهارات العلاقات العامة ولباقة اجتماعية ومات وحيدا ومفلسا، وربما نادما على كثير من الاشياء. ولكنه ظل على الدوام منحازا لألمانيا في السر والعلن، حتى بعد هزيمتها وسقوط الحزب النازي.

يصف يونس تلك الفترة العصيبة في لقاء مع رجل العراق القوي نوري السعيد، فيقول: "راح نوري يلومني ويعاتبني لاستمراري في نقد سياسته إبان الحرب وقبلها من إذاعات برلين، ثم قال وهو يتهكم ضاحكاً وبيده مسبحته التقليدية: أرأيت كيف كانت نهاية أصحابك الألمان؟ وكيف اخترت يا يونس الصفقة الخاسرة".

ويضيف بحري: "كان اختياري عقلانيا، بريطانيا احتلت دولا عربية وأنا أكره الاحتلال، وأما ألمانيا فكانت صديقة للعرب أولاً، وعدوة لليهود ثانيا".

الكاتب: عماد الأصفر
المحرر: عبد الرحمن عثمان


2020-07-04 || 21:59






مختارات


بغداديات عماد الأصفر- 45

بغداديات عماد الأصفر- 46

بغداديات عماد الأصفر- 47

بغداديات عماد الأصفر- 48

بغداديات عماد الأصفر- 49

بغداديات عماد الأصفر- 51

بغداديات عماد الأصفر - 50

بغداديات عماد الأصفر- 52

بغداديات عماد الأصفر- 53

بغداديات عماد الأصفر- 58

بغداديات عماد الأصفر - 63

بغداديات عماد الأصفر- 62

بغداديات عماد الأصفر - 61

بغداديات عماد الأصفر - 60

وين أروح بنابلس؟

2020 08

يكون الجو غائماً جزئياً ويطرأ ارتفاع على درجات الحرارة، التي تتراوح في نابلس بين 29 نهاراً و21 ليلاً.

21/29

أسعار العملات

الدولار الأمريكي الدينار الأردني اليورو الأوروبي
3.41 4.81 4.00