أخيرا صعدت جبل الأربعين، جبل التجربة، جبل القرنطل.
لم أصعد إلى سفحه بالتليفريك الكريه، بل صعدته بقدمي ووصلت إلى قمته.
كنت من قبل أقف تحت قدميه، وأنظر إلى الأعلى فيصيبني اليأس. كيف يمكن لي أن أصل إلى هناك، إلى القمة، كي أرى أريحا من قمته، وكي أرى ما يحويه الجدار الذي تبدو ملامحه على أطراف القمة؟ أقول في نفسي: يجب أن أصعده قبل أن تذوي رجلان، ويصبح مستحيلا عليّ صعوده. ما زال في قدمي بعض العزم، وما زلت أمشي. أرغمهما على المشي، وأقول لنفسي: امش، امش. الحياة قدم تمشي.
وأخذنا (يوسف أبو طاعة) لكي نصعد جبل التجربة، الجبل الذي جُلد المسيح على سفحه أربعين ليلة. جلده الشيطان. جرّبه. حاصره بالأسئلة الشكاكة وبرغيف الخبز المستدير الكبير. لكنه صمد. قال له: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

وقمة جبل الأربعين تبدو من الأسفل رغيفا عظيما. لكن حين أشرفا عليها من بعيد بدت لنا مستطيل عظيما. لم نجرؤ على الصعود إليها من الجرف المخيف، من عند أقدام الجبل العظيم. تحايلنا على الجبل، درنا دورة كبيرة حوله، وتطاولنا عليه من سفحه الغربي الأقل فظاظة وصعوبة، وصعدنا إلى القمة. كان ينتظرنا من المشرق، من الجرف، كي يكسر أقدامنا، فهاجمناه من الغرب. مشينا في البرية ساعتين، من تلة عارية إلى أخرى عارية. من جبل عار إلى جبل عار، حنى وصلنا خاصرته. عري كامل إلا من بعض البدو، وإلا من تجمعات الحلزون الأبيض الصغير.
ثم صعدنا، ووصلنا إلى القمة. كان المنظر مهيبا. لكن الأكثر مهابة كان أن قدمي الكريمتين حملتاني إلى هناك. وعبرنا البوابة التي خلع بابها الحديدي. كان الباب بصليبه الحديدي مرميا على الأرض هنا. ثم طلعنا الدرج إلى سطح صف الغرف في الجهة الجنوبية. كان هناك ثلة من فتيان أريحا يرقصون (الدّحّية)، ويغنون أغانيها. فرقة من فتيان سمر السحنة بين ال 13 وال 17 من العمر، يصطفون وظهورهم إلى المشرق، ويدحّون. الشرق في ظهورهم، والغرب في عيونهم.
نعم، لقد سبقنا الدّحية إلى قمة جبل القرنطل، جبل الأربعين.

تحولت الدحية إلى نشيد وطني منذ ما يقرب من خمس سنوات أو أكثر قليلا. في كل مكان نسمعها. في الليل والنهار نسمعها. ماتت الدحية عقودا طويلة ثم انبثقت من جديد. إنها آخر (مواليد) البحث عن التراث. بالنسبة لي كانت آخر مرة أشهد فيها الدحية وأنا في العاشرة ربما. كان أبي يصطف مع عشرين رجلا أو أكثر، والكتف يلزّ الكتف ويضغطه، وهم يصفقون بأيديهم. تهدأ الصفقات ثم تشتد، وتنخفض الجذوع إلى الأسقل، كما لو أن الرجال جمال تبحث عن مناخاتها. ثم نسيت الدّحّية على الأقل في الأرياف، لكنها انبثقت بدوية خالصة قبل سنوات قليلة، وملأت كل مكان.
وهناك وجدتها على قمة جبل الأربعين. فتية أريحا السمر يغنونها ويرقصونها.
إلى الأسفل كان كان هناك مبنى يشبه صليبا كبيرا. أختلفنا عليه. بعضنا قال إنها بقايا كنيسة صغيرة، لم يبق منها سوى ثلاثة أو أربعة مداميك. أما أنا فقد افترضت أن هذا صليب مبني بالحجر، بطول سبعة أو ثمانية أمتار، وبعرض أقل من ذلك. بدا لي أن من بنى الصليب بالحجر كان يريد أن يري الله صليبه، الصليب الذي صلب عليه ابنه. بل لعله كان يريد أن يري هذا الصليب للغرباء العابرين من الكواكب الأخرى: انظروا، هذا هو الله، ها هو صليبه.

وقرب الصليب كانت هناك كومة هائلة من الردم داخل التحويطة المستطيلة التي ترتفع جدرانها أكثر من مترين. من أين جاءت هذه الكومة؟ أهي بقايا الكنيسة التي افترضها بعضنا؟ لا يبدو الأمر كذلك، فهذه كومة وتراب وحجارة غير مشغولة. هل استخدم (الدير) هنا كمشغل لنحت حجارة البناء في وقت ما؟ ربما.
بقينا نصف ساعة هناك على قمة الجبل. شاهدنا تل السلطان، أي أريحا العصر الحجري، تحتنا. ولم تكن أكثر من حفنة طين تحت قدمي الجبل العظيم. شاهدنا بساتين النخيل، وشاهدنا جبال شرقي الأردن التي تحيط بالمشرق كله.
ثم قررنا أن نهبط من السفح الشرقي. إن كنا لم نستطع صعود الجرف المخيف من هنا، فإن بإمكاننا أن نهبطه. وهبطنا. كانت خشيتي أن تدوس قدمي على حصاة فتزلق بي وتأخذني إلى الجحيم. وكي أتجنب ذلك جعلت قدمي تخبط خبطاتها بالعرض. هكذا يصبح الوضع أكثر أمانا. لا توجد علامات هنا كي تدلك على الطريق. عليك أن تعثر بعينيك عليها. لكن كان هناك دليل يشير لنا أحيانا إلى ما يعتقد أنه طريق للأقدام.
استغرق النزول ساعة. في الطريق عثر أبو طاعة على وشاح رقيق ملون. كانت الألوان هناك على الأرض وجودا غريبا ولا ضرورة له. كانت كسرا للمشهد، مشهد الصخور البنية. كان هذا وشاح واحدة ممن سبقونا. لا كائنات هنا. فهي تهرب وتختفي من الإنسان الكئيب المخيف. رأينا هناك كلبا أبيض يتشمم الصخور. حبة حبة مشت قدمي. داريتها، ودارتني. كان الجو بديعا. وكنا نهبط باتجاه جدول الماء قرب بيت أسعد الأسعد.
المرة القادمة سوف أصعد إلى جبل التجربة من هنا. لن أخادعه كي آتيه من خاصرته الضعيفة، بل سأواجهه مباشرة. سوف أقف على إصبع قدمه، وأدوسها، وأصعد إلى أنفه.
لا، الجبل الكريم سيرفعني بكفه الكبيرة، ويضعني في حضنه قرب الصليب العظيم.
الكاتب: زكريا محمد
المحرر: عبد الرحمن عثمان