الصحفي وأستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت عماد الأصفر من العارفين القلائل بتأريخ الغناء والموسيقى في العراق. أمضى سنوات من منفاه في بغداد، فعرف العراق كما يعرفه أهله، إضافة إلى حس الباحث العلمي في ثقافات الشعوب.
أدهشني كثيرا وقوف مظفر النواب على المسرح وغناؤه المشترك بمنتهى الانسجام والتناغم مع الدكتور سعد الحديثي، وقلت في نفسي: لا يكون هذا الانسجام إلا بين صديقين عاشا طويلا، وكنت أظنهما من جيلين متباعدين، ولم أعرف أنهما كانا رفيقي نضال وزميلي سجن. لاحقا استمعت إلى الشاعر المرحوم عريان سيد خلف يقول التالي:
"كنا مجموعة من الرفاق الشيوعيين في السجن، وسمعنا خبرا مفرحا مفاده أن إيران ألقت القبض على مظفر النواب وسلمته للعراق. مصدر فرحنا كان أن مظفر بلا أدنى شك سيسجن معنا، وعندها سأشاهده واستمع لأشعاره وقد أسأله أن يستمع لبعض محاولاتي. جاء مظفر، وبعد طول تردد قرأت عليه بعضها، فقال لي: ليش ما تشوفلك شغلة ثانية غير الشعر!"
أصابني الاكتئاب لأيام، وبعد أسابيع طلب مني الرفاق إعداد قصيدة لإلقائها في إحدى الاحتفالات بالسجن، بدأت الإلقاء وعيني لا تريان إلا مظفر ورفيقه سعد، بعد مطلع القصيدة هتف مظفر بفرح: انت الآن شاعر، انت الآن شاعر، أكمل. ولكنني لم أستطع أن أكمل لشدة فرحتي. بعدها حفر مظفر نفقا تحت أرض السجن وهرب".
ظل عريان وفيا للنواب وأهداه قصيدة جميلة يقول فيها:
أعز من روحي أعزك / وأنت أعز مني يا حسبة عمر خاويتها من أصباي بطلت صفنتي وما بطلت مني أجس كلبي الفضي متعوب حد الويل / وأدعي للصبر عن لا يفشلني جسيت الليالي بمرود الحلوات / وليالي العمر بالشيب جسني أضحك للبكا حد شرهة المنكود / وأبجي ابكل مزنتي ابطور المغني لا زحت الحيا ولا ضيعت معروف / ولا خنت الوفا وربعي اجفلوا مني أكابر ع الشدايد حد مصب العين / واسكت لو دثو من الناس لاسني واسامح ما أبحر وين حد الغيض / وأزلف لو حوافي الزعل وازني وينشدني صديقي الما نشد عني / كَبل طبعك الونة وصاير تغني كبل عينك محطة وخاطرك مكسور / وهسة على الثجالى اتفوت متحني وأجاوبه ابكل برود / وضحكتي بسني استراحت مستحاتي وعاكستني / الريح لاني من الهموم ولا الهم مني اني ابن العاصيات ابن الليالي السود / ما ريد الكماري ولا هنّ يردني رضعتني امي بدمعها من عرفت الصوت / وغطتني ابحزنه من مشت عني خذت روحي أعلى ضيم وما شكيت الحال / ويمنوني اشتبي وما كلت متمني علمت البعض نكل الجدم عالكاع / وأول ما مشى بالزلك ذبني وأكول اتغيرت والناس ما هي الناس / رضاعة قواطي وخيبت ظني
عريان سيد خلف، رحل عن دنيانا نهاية عام 2018. وكان لمولده واسمه حكاية، حيث مات شقيقه الأول بعمر 6 شهور، ومات الثاني بعمر عام ونصف، ولما جاء هو، خافت أمه على حياته، بل يئست من بقائه على قيد الحياة، فقامت بلفّه بمجرد قطعة قماش وتركته عريانا بلا ملابس.
عريان سيد خلف
كبر ووصل إلى تمام عامه الأول، ولم يكن له اسم، وبقي عريانا طيلة هذه المدة، فآثر أبواه تسميته بـ"عريان" لهذا السبب. وكان ما كان من عمر شاعر، تنقل مع زوجته في 28 منزلا خلال عام واحد، بسبب الملاحقات الأمنية، وظلت كلماته تتردد على ألسنة أهل العراق، رغم أن أشعاره محظورة وتسبب الاعتقال لمن يتداولها.
78 عاما من عمر الشاعر لا تكفي لإصلاح ما أفسده الدهر، أشعار السيد ترسم عالما من الحواس الحميدة والقلوب الرحيمة والمعاني الجميلة، ولكن السجن يجبره على كتابة قصائده على ورقات دفتر البافرة، وأن يكتب آخر أبياتها على أرضية الزنزانة:
"هلي... كتبتلكم مكاتيبي على ورقات دفتر البافره وضمّيتهن لمن يصحّ الطارش اللي يوصلهن .. وما صحّ الطارش ومن المامش قضن وحدة ورا الاخرى دخان ترس صدري"
وعندما أنهى كل ورق البفرة كتب على أرض الزنزانة:
"هلي وآخر مكاتيبي... كتبتها الكم على القاع ابنكم باعته الدنيه.. ولا باع"
يقال إن بيت الشعر ظل على أرضية السجن لسنين طوال بتواطؤ من السجانين.
ميزات شعر عريان سيد خلف
يتميز شعره الثوري بالقدرة على التأثير في الجمهور وشحن مشاعره، وبحسن استخدامه للمفردة والمشاعر الشعبية، دون استخدام للمصطلحات السياسية والثورية والشيوعية، ودون تركيز على التاريخ، ولذلك ظلت الصور العميقة التي ترسمها قصائده راسخة ومستقرة في وجدان العراقيين.
كما تميز شعره العاطفي بحسن استخدام وتطويع المفردات الريفية، وما يصاحبها من أحاسيس، دون أي لجوء لاستيراد الكلمات المنمقة أو الأحاسيس المفتعلة. حتى صار مدرسة راسخة في الشعر الشعبي ومصدرا مهماً للأغاني.
أشعار هذا الرجل تحولت إلى مقولات تراثية يستعين بها العراقيون في دارجتهم للتعبير عن شأنهم اليومي الحياتي. استمعوا لمساجلاته مع رياض أحمد ولتسجيلات قصائده صياد الهموم، وحل حلال الخل، وتنيتك عود، وواضح، وعاذرك، وغيرها وغيرها من القصائد البديعة.
عريان سيد خلف ترك تراثا سيخلده إلى الأبد. سنظل عاجزين عن تفسير قدرة العراق على إنجاب الشعراء، وعاجزين أكثر أمام إيجاد تفسير لقدرة العامية العراقية على اجتراح ونحت المعنى وجعله رقراقا ينساب عبر الحناجر ويدخل الآذان بسهولة ليستقر في الفؤاد.
منذ استمعت إلى أول حوارية بين الشاعر الراحل مع الفنان رياض أحمد، وأنا منشدّ غاية الانشداد لأشعاره ودائم البحث في سيرته وتسجيلاته وفهم مفرداته. لم يكن العثور عليه صعبا، فأشعاره حاضرة على السنة أبرز مطربي عصره أمثال فؤاد سالم وقحطان العطار وسعدون جابر ورياض أحمد وأمل خضير وعبد فلك وغيرهم.
يكون الجو غائماً جزئياً إلى صافٍ، ومعتدلاً في المناطق الجبلية، وحاراً نسبياً في بقية المناطق، ولا يطرأ تغير على درجات الحرارة، وتتراوح في نابلس بين 27 نهاراً و16 ليلاً.