عباس محمود العقاد في تل أبيب
"يافا لن تقوى على هذا الصراع العنيف على انفراد"، كأن العقاد حين كتب هذا الكلام كان يستنهض العرب على نجدة يافا قبل فوات الأوان وبعد أن شخّصَ جيداً قدرات الطرف الآخر متمثلاً بتل أبيب.
زار المفكر المصري عباس محمود العقاد فلسطين صيف عام 1945، وسجل عدة أحاديث في دار الإذاعة الفلسطينية وطاف في القدس ورام الله ويافا وغيرها، وكان مما لمحه أن فلسطين على صغر مساحتها تعادل قارة من ناحية التعدد المناخي، فساعة أو أقل كافية للانتقال من المصيف إلى المشتى.
حتى أن هذه المفارقة دفعت قائداً عسكرياً بريطانياً إلى كتابة البرقية التالية عن أحد أيام الحرب: "إلى اللورد اللنبي في وزارة الدفاع البريطانية حلقت طائراتنا هذا الصباح تحت سطح البحر الأبيض المتوسط بستمئة قدم ولاحقت العدو في أريحا من هذا الارتفاع!".
ورأى العقاد في كتابه "حياة قلم"، أن الفلسطيني وسطٌ بين المصري والسوري واللبناني، غير أن سلطان البادية ظاهر في تقاليد الأسرة الفلسطينية سواء الإسلامية أو المسيحية وكذلك هو ظاهر في الحياة السياسية. وقال إن بين فلسطين ومصر جوار أكثر من الجوار، ففي مصر تجد الغزي والرملي والعكاوي، وفي فلسطين تجد الانشاصي والبلبيسي والطنطاوي، ولقد أكلت الملوخية في بيت أبي خضرة فوجدتها كما هي على أفخر موائدنا.

وقال عن يافا: "كانت الإسكندرية جنيناً في الغيب بينما كان شعراء اليونان يتغنون بجمال يافا، ولا أظن مدينة في الشرق الأدنى قد عرض لها من السعود والنحوس ما عرض ليافا عبر التاريخ، فقد عمرت وخربت مراراً على أيدي البشر والجوائح الطبيعية وصمدت في المعارك وها هي تخوض اليوم أعجب صراع في تاريخ البشرية مع مدينة مجاورة هي تل أبيب".
ويضيف: "كانت يافا علماً مشهوراً في التاريخ قبل نيف وثلاثين قرناً من الزمان، وها هي اليوم تتماسك على مضض، وعلى صبر أليم، فإلى جانب هذه "الشيخة" الصبور هناك فتاة ماكرة لعوب تتيه عليها بدلال الفتنة وجمال الشباب، تلك تل أبيب لم تتجاوز الثانية والعشرين إذا ما نظرنا لقيامها الصحيح بعد الحرب أو الستة والثلاثين عاماً إذا ما نظرنا لنشأتها أيام الدولة العثمانية وكان وقتها متنزهاً لا مدينة ولذلك سميت بداية تل الربيع".
ويختم العقاد حديثه عن يافا وتل أبيب بالقول: "يا له من صراع عجيب بين شيخة الأمس وفتاة اليوم، ويا له من صراع ظالم، لأن يافا تقف وحدها هناك، أما تل أبيب فوراءها أمة موزعة في شتى أرجاء العالم تعينها بالمال والمخترعات وأقوى ما تسيطر عليه الساسة من الخدع والأحاييل، يافا لن تقوى على هذا الصراع العنيف على انفراد، ولا بد لها من عون سريع كالعون الذي ترجع إليه غريمتها".
الكاتب: عماد الأصفر
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2019-11-13 || 22:22