إسرائيل تكشف: خطة جنوب لبنان أعدّت منذ أكثر من عام
بلدية نابلس: جدول توزيع المياه
أسعار صرف العملات
الطقس: ارتفاع تدريجي على درجات الحرارة
ثمن العلاج.. أمومة مؤجلة وطفولة مسلوبة في غزة
تسريبات الاتفاق المحتمل مع طهران تعمّق الانقسامات السياسية بواشنطن
كشف خلايا إيرانية تدربت في إسرائيل ومخطط لتفكيك طهران
باريس سان جيرمان يهزم أرسنال ويحتفظ بلقب دوري أبطال أوروبا
نتنياهو يدرس السيطرة على 70% من مساحة قطاع غزة
من يملأ فراغ رحيل قوات يونيفيل من لبنان؟
الجسر يعمل الأحد للحجاج القادمين فقط وعادي للمغادرين
اعتداءات للمستوطنين واقتحام كفر قدوم
7 فوائد تجعل الفجل من أكثر الخضروات المفيدة للصحة
إيران تستعد لإقامة جنازة كبرى للمرشد الأعلى علي خامنئي
رحيل إدغار موران عن 104 أعوام: فيلسوف الفكر المركّب
أشعر بالعار.. جندي إسرائيلي يكشف فظائع الجيش في غزة
ليفربول يقيل مدربه الهولندي آرني سلوت
فيديو: مستوطنون يهاجمون قرية دير أبو مشعل
فيديو: إصابتان بحادث سير لحافلة حجاج فلسطينيين
صعدت في السيارة العمومية (السرفيس) الذاهبة في طريق القدس.
كنت الراكب الثالث. وكان الصمت رابعنا. ثم أوقف السيارة واحد في أواخر الأربعينات يلبس جاكيتا، وله شعر وشارب مصبوغان كي يخفي الشيب. صعد بكيسين بلاستيكيين ممتلئين بالمشتريات. وضع واحدا منهما بيني وبينه. قلت له: كيف راح أنزل هيك أنا؟ رد علي: راح أدبرك أحلى نزله، ما يكون عندك هم. ثم نظر إليّ، إلى شعري الأبيض، وأضاف: باين عليك فنان، لأنه شكلك (متكتك). فهمت كلمة متكتك رغم أنني لم أسمع بها من قبل، وضحكت. فعندنا يقال عن الأشياء المضبوطة تماما (عالتكة). بالتالي، فشكلي أوحى له بأنني فنان مزبط عالتكة. سألني: شو بتشتغل حضرتك؟ قلت له كاتب. رد: مبين عليك. أضاف: طيب هسة بدي أسمعك فن حلو.
يبدو أنه قد وجدني. وجد من يعتقد أنه يقدر فنه. ثم سحب شبّابة معدنية من جاكيتته، وبدأ بالعزف. هكذا ببساطة ومن دون استئذان. تخيل مثلا أن شاعرا من طرازنا يصعد حافلة ثم يقول للركاب: اسمعوا هالقصيدة، ويبدأ بالإلقاء. بالطبع يمكنك أن تطلق النار على مثل هذا الشاعر كي يفعل هذا، لكنه لن يفعله. لم يعد بإمكان شاعر من طرازنا أن يفعل هذا. لقد انعزلنا عن الناس تماما. أما هو فقد فعله. سحب شبابته من جاكتته، وعزف. كان عزفه معقولا، فصفقنا له أنا والسائق. أما الآخران فلم يصفقا. وحين أنهى المعزوفة قرعهما: إذا السائق اللي موش لازم يصفق صفق، انتو ليش ما صفقتوا؟ زعلانين يعني؟ ضحك الآخران، وحاولا الاعتذار وتبرير موقفهما.
سألته: حضرتك من وين؟ أجاب: أنا من وادي النص في بيت لحم. قلت له: يسعدك، ويسعد وادي النيص كلها. وأضفت: كيف تعلمت العزف؟ رد: رعيت الغنم أربع سنوات، وتعلمت فيها العزف. سألت: ألم يعلمك أحد؟ قال: لا، سحبت هالماسورة، وبلشت أنفخ فيها حتى تعلمت.
بالطبع، كان الرجل إذا قارنته بالسائق والشخصين الآخرين (متكتك) جدا. لكنها (تكتكة) مختلفة عن تكتكتي. فتكتكته ذات طابع شعبي. تكتكة سمسار أراض أو بيوت. والسمة الأولى لهذه التكتكة هي الشارب المصبوغ الأسود بكثافة.
ثم قرر الرجل أن يعزف لنا موالا. عزف، وقلت أنا: الله! يجب أن اقولها وإلا خرب المشهد. يجب على أحد أن يقولها. وبما أن أحدا لم يقلها، فقد قلتها. واقترب مكان نزولي. لمست كتف السائق، وقلت له هامسا- لأن الرجل يعزف-: عالمفرق لو سمحت. أوقف السائق السيارة، وتهيأت للنزول. توقف الرجل عن العزف حين فهم حركتي، وقال: بدك تنزل؟ ما بيصير هيك. كان بوده أن أظل معه إلى (الرام) قرب القدس. لكنني لم أفعل. لو كان مزاجي رائقا لتابعت معه إلى الرام ثم عدت. المزاج لعبة سخيفة.
نزل، وأنزل معه كيسه، ونزلت وراءه. قلت له: يسعد وادي النيص وفنانينها. ومضيت.
لم تتهيأ لي الفرصة لتعلم العزف على الشبابة. كان جيلي هو الجيل الذي أخذ ينقطع عن التقاليد والفنون الشعبية. وكان العزف على الشبابة في أيامنا مرتبطا بالرعاة والرعي. أما نحن، فكنا أولاد مدارس، يريدون أن يكونوا شيئا آخر. شيئا حديثا كما يقال اليوم. ولم يكن عند أهلي أغنام كي أرعاها. لكن كان لي صديق عندهم شلية أغنام، وكان يأخذني معه للرعي. كان عنده فرس وكلب، وكنت أستمتع معه. لكنه لم يكن عازفا. لذا عرفت منه شيئا عن الرعي، لكنني لم أتعلم العزف. ولو أنني تعلمت، لكنت ربما ركبت الباص، وسحبت الشبابة من جيب جاكيتتي، وعزفت.
أما النيص الذي تنسب إليه قرية العازف فهو الدلدل، أو القنفذ الضخم. وهو حيوان جميل، له شوك ينفشه على جسمه حين يشعر بالخطر. ومن هذا الشوك الأبيض- الأسود كانوا يصنعون صواني للمائدة.
17-11-2016
الكاتب: زكريا محمد
المحرر: عبدالرحمن عثمان