صرخة لاريسا بِندر ضد الجهل والتجاهل الألمانيين
تقريباً كل ما هو "إيجابي" عن فلسطين والشرق الأوسط وشمال إفريقيا أصبح غير مرغوب فيه في ألمانيا وخاصة منذ 7 أكتوبر. ليس السياسة وقضية الحرب في غزة فقط، بل الفنون والأدب أيضاً. هذا ما يشعر به كثيرون وهذا هو ما "يُحبط" المترجمة لاريسا بندر والتي أغنت المكتبة الألمانية بترجمة العديد من أهم وأفضل الروايات العربية.
"لم يسبق لي أن اعتبرت عملي كمترجمة للأدب العربي دون معنى كما هو الحال في هذه الأيام أو الشهور".
بهذه الكلمات الحزينة والمحزنة افتتحت المترجمة الألمانية الشهيرة لاريسا بندر منشوراً فيسبوكيّاً يوم الثلاثاء 23.04.2024.
وفي المنشور المذكور عبرت لاريسا عن إحباطها الشديد من أن جهودها في الترجمة وبناء الجسور بين الثقافتين العربية والألمانية لم تأت بنتيجةٍ، أو لم تأتِ بالنتيجة المرجوة. وأشارت، من ناحيةٍ أولى، إلى تراجع الاهتمام بأدب من سمّتهم "جيراننا المباشرين"، لدرجة امتناع وسائل الإعلام الألمانية الكبرى أو الأساسية عن تناول ترجمات لاريسا وغيرها من المترجمات والمترجمين من العربية إلى الألمانية.
التجاهل واللا مبالاة موجوان عند دور النشر
ولا يقع اللوم على وسائل الإعلام الألمانية وحدها. فهذا التجاهل وتلك اللامبالاة موجودان حتى عند دور النشر التي تنشر النصوص العربية المترجمة إلى الألمانية. فقد سبق لجونتر أورت، المترجم الألماني المشهور أيضاً، أن عبر عن استيائه الشديد من دار النشر التي نشرت ترجمته لكتاب ياسين الحاج صالح "الفظيع وتمثيله: مداولات في شكل سوريا المخرَّب وتشكلها العسير". ففي منشورٍ فيسبوكيٍّ، رأى أن تلك الدار تحاول إخفاء الكتاب المذكور قدر الإمكان، مع الامتناع عن الإعلان عنه أو تنظيم حفل إطلاقٍ أو قراءةٍ له، وبالتالي ليس هناك أي مراجعاتٍ أو حركةٍ في خصوصه. لاريسا، نفسها، أشارت في تعليقها على منشور جونتر، إلى وجود تجاهلٍ عامٍّ، في ألمانيا، للأدب العربي عموماً هذه الأيام.
وضربت مثالا على ذلك الرواية الأخيرة التي ترجمتها (رواية "لا ماء يرويها" لنجاة عبد الصمد)، إذ لم تتم مراجعتها ومناقشتها حتى الآن إلا من قبل عدد قليل من المدونات التي تهتم بالكتب. ورأت في ذلك تطوراً خطيراً؛ لأنه يعبر عن التوجه أو الرغبة لا في تجاهل الأدب العربي فحسب، بل في تجاهل كل ما يتعلق بالثقافة العربية أيضًا، بحيث يتم تفضيل إهمال وجهات نظر الآخرين المختلفة، لاسيما عندما يتعلق الأمر بما يحصل في غزة.
جهل تام بالوضع في العالم العربي
"صرخة لاريسا بندر" لا تتعلق بمجرد تراجع الاهتمام بالأدب العربي أو تجاهله في ألمانيا عموماً، بل تتعلق، أيضًا وخصوصاً، بالجهل التام بالوضع في العالم العربي الذي يظهر في المنشورات والتعليقات الفيسبوكية الألمانية خلال الأشهر الستة الماضية، والتي صدرت عن أشخاصٍ لم يسبق لهم أن تعاملوا مع ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط يلقون جملاً من مستوى صحيفة بيلد. فتلك المنشورات والتعليقات تنضح بلا إنسانية فظيعة وتعبِّر عن توحش مريع في المشاعر. وهذا يثير الخوف والفزع بالتأكيد.
لم مواصلة الترجمة؟
وتربط لاريسا بندر بين المسألتين، بين هذا الجهل المعرفي المقترن باللاإنسانية الأخلاقية من جهةٍ، وذلك التجاهل العام والممنهج واللامبالاة المؤسساتية المنتظمة، من جهةٍ أخرى، لتخلص إلى أن كل ذلك يمثل دليلًا على أن النصوص المترجمة لم تُقرأ أو لم تُفهم، أو لم تترك أي أثرٍ، أو لم يكن لها أي جدوى. وتطرح، في نهاية منشورها، سؤالًا يبدو أقرب إلى أن يكون خطابيًّا/ بلاغيًّا من كونه استفهاميًّا فعلًا: لمَ مواصلة الترجمة، في مثل هذه الأوضاع، لا سيما أن المردود الاقتصادي من الترجمة من اللغة العربية ضئيلٌ لدرجة أنه لا يسمح بأن يكون مورد رزقٍ للعيش منه؟
ردود الفعل على منشور لاريسا
ردود الفعل الواسعة على منشور لاريسا، والتي كان من بينها لمترجمات ومترجمين بين اللغتين الألمانية والعربية، تضمنت عموماً تفهماً لشعورها بالإحباط، واتفاقاً معها في خصوص توصيفها للواقع وتقييمه عموماً، وتأييداً لها في التنديد به وبأسبابه، لكن كان هنا توجهٌ عامٌّ بوجوب عدم الوقوع في هاوية اليأس والاستسلام للواقع الراهن. وكان هناك تشديد على الآثار الإيجابية للترجمات التي قدمتها لاريسا الحائزة عن جدارة واستحقاقٍ على وسام الاستحقاق من الرئيس الألماني شتاينماير عام 2018، والتي كُرِّمت بوصفها مترجمة مع 29 شخصية ثقافية ألمانية أخرى.
الكاتب: حسام الدين درويش/ سوريا
2024-04-29 || 17:16