الصحفي وأستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت عماد الأصفر من العارفين القلائل بتأريخ الغناء والموسيقى في العراق. أمضى سنوات من منفاه في بغداد، فعرف العراق كما يعرفه أهله، إضافة إلى حس الباحث العلمي في ثقافات الشعوب.
لاريب أن هذه المدينة جوهرة، لكن يجب أن لا ننسى أن المدن تشبه البشر. فهي تولد، وتمر بمرحلتي الطفولة والمراهقة، ثم تشيخ، وفي النهاية تموت. وأظن أن بغداد قد بلغت الآن أواخر شبابها. إذ لم نعد أثرياء كما كنا في عهد الخليفة هارون الرشيد، لكن بالرغم من ذلك، يحق لنا أن نـفـتخر بأننا لا نزال مركز التجارة والحرف والشعر. لكن من يعرف كيف سيكون حال المدينة بعد ألف سنة؟ فقد يختلف كل شيء".
هذا ما قاله القاضي عن بغداد في رواية أليف شافاق "قواعد العشق الأربعون"، وفي ذات الرواية رد شمس التبريزي على القاضي: "لا يجادل أحد في أن بغداد مدينة رائعة، لكن لا يوجد جمال على وجه الأرض يدوم إلى الأبد. إذ إن المدن تنتصب فوق أعمدة روحية، كالمرايا العملاقة، وهي تعكس قلوب سكانها، فإذا أظلمت هذه القلوب، وفقدت إيمانها، فإنها ستفقد بريقها وبهاءها. لقد حدث ذلك لمدن كثيرة، وهو يحدث دائماً" .
بغداد، أية طفولة وأية مراهقة وشيخوخة تعيشين الآن؟ ومتى ستولدين من جديد؟
شمس التبريزي
بغداد أفق يتسع ولا يضيق، في كل درب ألف طريق وطريق، وعند كل زاوية ألف صديق وصديق، وفي كل نفس ألف ليلة وليلة، وفي كل ليلة ألف حكاية وألف عشيق، بغداد خشنة وناعمة، قاسية وحنونة، مع كل قطرة من دمها تزهر حنونة، بغداد الحزينة حين تفرح تكون أفراحها مجنونة.
بغداد لا تعرف النمط، بغداد تعلو على اللغط، بغداد تسير دوماً نحو سجيتها الأولى. في كل لحظة عراقية يختلط الماضي بالمستقبل، في كل كلمة عراقية يختلط طين الأهوار بنخل السماوة وماء دجلة والفرات بقطرات من دم الحسين، ورنة استكان الشاي بدمعة عين، وهلهولة البصرة بنسائم أم الربيعين، وهوسة الناصرية بدبكة السليمانية ونفط خانقين، وشربت الزبيب والرمان بعرق بعشيقة وحناء الفاو. في رسمة كل حرف يلتقي نصب الشهيد ببرج كنيسة وهلال مأذنة، فيبتسم الجندي المجهول وتطرب تماثيل الشعراء.
العراق لا يستورد الكلام، العراق يخلق الحروف ويصنع الكلام، العراق لا يقبل العطايا، العراق يوزع على الكون الهدايا، شعراً ونثراً، رسماً ونحتاً، موسيقى وغناء.
العراق يلفظ عن نفسه كل ما عداه، ولن يكون العراق إلا عراقياً خالصاً من ألفه إلى منتهاه. وكما كان النغم عراقياً وكما كان الحزن عراقياً سيكون الفرح عراقياً أيضاً بهمة الثوار.
ستفتح شهرزاد أذنيها على عزف منفرد على العود، تمد أيديها فتلمس رمل صحراء الرمادي، تفتح أعينها فتشاهد أطياف رجال يلعبون الجوبي، تشم رائحة طين ممزوج بقصب الأهوار، تسير في زحام شارع السعدون وتهرب إلى هدوء ووناسة شقيقه أبو النواس، تجلس إلى مقاهيه وباراته الغافية على حافة دجلة، ترقب قوارب الصيادين متهادية بحملها، الذي سيصبح سمكاً مسكوفاً يصحبه طرشي النجف، يتلوه شاي بالإستكانة. سيصيح سندباد:
إن باعدتنا حدود بحب الوطن نلتم / إن فرقتنا حدود وحدتنا وحدة دم جيناك يا بغداد والله الهوى نسم / فجرك علينا عاد حتى الوطن يسلم وتظلي ديما فوق منصورة يا بغداد / ونشوفك بعز دوم منصورة يا بغداد منصورة يا بغداد منصورة يا بغداد منصورة يا بغداد منصورة يا بغداد
ربما يتذكر البعض ذلك اليوم من أواسط ثمانينيات القرن الماضي حين كتب الشاعر زهير الدجيلي هذه الأغنية وطاف مع ملحنها طالب القرة غولي على مقرات اتحادات الطلبة العرب في حي الوزيرية، (فلسطين والأردن ولبنان والسودان واليمن وتونس وغيرها) طالباً من كل اتحاد انتداب مجاميع من طلبته ليرتدوا أزياءهم الشعبية ويشاركوا في تسجيل هذه الأغنية على المسرح، كان نشيداً عظيماً في يوم عظيم.
يكون الجو حاراً ومغبراً خلال ساعات النهار، ولا يطرأ تغير يذكر على درجات الحرارة وخلال ساعات الظهيرة تتأثر البلاد بحالة من عدم الاستقرار الجوي حيث يتوقع سقوط زخات من الأمطار فوق بعض المناطق قد تكون غزيرة ومصحوبة بعواصف رعدية.