أنا أحلق في السماء مع الغيوم، أنا أرى الكون كله أمامي، منظر خلاب ورائع عندما ترى سحب الضباب أسفل منك أو وهي تتصاعد لتعانق السماء. بحر من الضباب ملتف حولك وأينما تنظر بزواية كاملة 360 درجة، أنت لا ترى فقط بل أنت تحلق عالياً وكأنك في طائرة وترى كل فلسطين أسفل منك.
مشهد بديع حقاً يأخذك لتشاهد جبال فلسطين وسهولها ووديانها ولا تصدق أنك هنا، نعم هنا في فلسطين، جمال يخرج عن المألوف، إنه ليس مجرد جمال إنه لوحة مرسومة وممزوجة بألوان وأشكال بشكل متقن وأنت تكون جزءاً من هذه اللوحة.
هذا شعوري وشعور الآخرين من المشاركين في مجموعة "امشي تعرف على بلدك" عندما وصلنا قمة جبل الركبة والذي يعلو 900 متر فوق مستوى سطح البحر في قرية جوريش.
معنى جوريشجُورِيش قرية فلسطينية تتبع محافظة نابلس شمال الضفة الغربية. بلغ عدد سكانها حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حوالي 1,541 نسمة حسب التعداد العام للسكان الذي أجري عام 2017. أما عن سبب التسمية، فيحتمل أن جوريش جاءت من الجرجاشيِّين من أنسال الكنعانيينالذيناستوطنوا المنطقة، فهم فلاحوا الأرض وسكانها الأصليين الناطقين بالعربية. فالجرجاشيون هم أحد الأقوام الكنعانية السبعة التي كانت تعيش في كنعان قبل التسلل العبراني. ويقال إن سبب التسمية جاء من جَرْشِ العنب وتحويله إلى عصير والذي يعزز هذا الرأي كثرة المعاصر المعمولة بدقة وإتقان في أماكن مختلفة من القرية. ويحتمل أيضا أن تكون سميت باسم رجل سكنها هو وأهله عرف بجُرش أو الجرشي أو القرشي ومع تقادم الزمن تحولت للاسم الحالي، أو أنَّ الاسم مأخوذ من جرش الشحف وتحويله إلى دقيق ناعم تزيَّن به الجرار والأباريق.
يحيط بها من الشرق قرية تل الخشبة، ومن الشمال بلدة عقربا، ومن الغرب قرية تلفيت، ومن الشمال الغربي بلدة قبلان، أما من الجنوب فيحدها قصرة ومجدل بني فاضل (من موسوعة ويكيبيديا).
وصلنا جوريش حوالي السابعة صباحاً بعد ان غادرنا رام الله متوجهين شمالاً في مسار جديد على المجموعة وبرفقة المجموعة الرائعة من "امشي" بعد أن انتظرت الحافلة على دوار فلسطين قرب محطة الهدى للمحروقات في المدخل الشمالي لمدينة البيرة.
وبعد انتظار نصف ساعة التقيت بالرفيق الرائع حيدر مخو. ولم يطل انتظارنا حتى حضرت الحافلة بقيادة عاهد السميرات، و للأسف لم يشاركنا سعادة المشي الأصدقاء حاتم النجار وبلال مرعي لانشغالهما.
جلست إلى جانب ريمون عواد "أبو كرم" وتحدثنا عن موسم الزيتون هذا العام وأنه سيكون وفيراً، لكن الجميع ينتقد وزارة الزراعة على قرار استيراد 3 طن زيتون من "إسرائيل" لأحد المصانع المحلية، التي تعمل المخللات وأن هذا القرار سيكون ضاراً بمصلحة المزارعين.
الزيتون الإسرائيليالمسار كان خرافياً بصحبة دليلنا نبيل دويكات. وبعد أن توقفت الحافلة تجولنا في شارع القرية ومن ثم سلكنا طريقاً ترابية وبدأنا نصعد في الجبل مرورا بأشجار الزيتون المتدلية ثمارها كقناديل بانتظار قطافها. صوت بلابل تصدح هنا وهناك وشمس الضحى بدأت تلوح وغيوم الضباب تتصاعد شيئا فشيئا.
بدانا في الصعود في طريق ترابية حتى وصلنا لجبل الركبة وكان المشهد بديعاً، فكلما كنا نصعد كنا نسابق الضباب ويزداد المشهد روعة. وكان يرافقني م. محمد الرجوب وغدير أخت زوجته كما عرفني بها وكنا قد ترافقنا في رحلة إلى أراضي 48 قبل 20 عاماً وكنا نقول إنها ستكون آخر رحلة إلى الداخل وبعدها كانت انتفاضة الأقصى وما رافقها من منع كلي على الفلسطينيين من الدخول إلا بتصريح.
وطوال مسيرنا تحدثنا عن قطاف الزيتون وعن وفرته هذا العام ولكننا نرى أن هناك إهمالاً من الجيل الحالي في جد الزيتون وأن من يهتم به فقط الآباء والأجداد وأن هذا المنتوج الفلسطيني قد لا يجد من يجمعه مستقبلاً. وتحدثنا عن استيراد الزيتون من " إسرائيل" فإن كان هو محصول أبناء شعبنا فلا مانع من دعمهم، أما إن كان من إنتاج المستوطنين، فهذا ممنوع ويبقى في دائرة الحرام وخراب البيوت.
تابعنا المسير مرورا بمنزل بني على قمة جبل الركبة ويتمتع بإطلالة عظيمة ومبني من خلفية الحجر الطبيعي والناتج عن قص الوجه الخارجي للصخرة لتعطيه القدم والجمال. وخلال صعودنا لاحظنا أن المنطقة محروقة في الموسم الصيفي وأن هناك أشجار زيتون محروقة أيضاً نتيجة لشبوب نيران أتت عليها كلها.
قلاية بندورةوصلنا القمة وكان المشهد رائعا ومطلاً على كل فلسطين. وبعد أن أخذنا الصور الجماعية بدأنا النزول إلى أن وصلنا لمنطقة محاطة بأشجار السروفقررناالاستراحة وأخذ الفطور فيها.
أبو كرم بدأ بإيقاد النار. وحنان وأبو العبد السلعوس وأنا بدأنا في تقطيع البندورة تمهيداً لعمل القلاية، المكان يتمتع بإطلالة خلابة على قرى قبلان وحوارة وعوريف وعقربا وغيرها. وحيدر أعد لنا الشاي والقهوة ، جلست إلى جانب الرفيق محمد الرجوب وغدير وتناولنا فطورنا وبعد أن استمتعنا بالفطور وأخذ الصور التذكارية للمجموعة بدأنا النزول باتجاه قبلان في طريق ترابية ومررنا بنبع ماء ضعيف وتابعنا المسير بمرافقة شباب من قبلان نزولاً باتجاه البئر(بئر الجياب)، الذي ألقي فيه النبي يوسف من قبل إخوته و الذي وصلناه بعد أن قطعنا 11 كم.
وكان واضحاً أن هناك اهتماماً في المكان من قبل المجلس والأهالي في المنطقة بحيث تم إحاطته بتصوينة حجرية حول فتحة دائرته والتي يبلغ قطرها 3 أمتار وينبت من ثنايا حجارته شجرة تين عظيمة ولا زالت أوراقها خضراء. وكان السكان سابقاً يشربون من البئر، لكن ونظرا لإلقاء الزجاجات البلاستيكية والنفايات الأخرى فيها من الرعاة والمتجولين اصبحت غير صالحة للشرب وأتصور أنه إذا اهتم المجلس والأهالي بتنظيفها من تلك النفايات ربما تعود صالحة للشرب.
وخلال نزولنا تعثر عم عبير زيادة والذي يشاركنا لأول مرة وكسر إظفرها في محاولة إنقاذه وكانت إصابة بسيطة وتمنينا لهما السلامة.
لقد كان مساراً خرافيا بكل معنى الكلمة قطعنا فيه 12 كم ولم نشعر بطول المسافة نظرا لاستمتاعنا بالمناظر الخلابة. وغادرنا المكان عائدين إلى رام الله ومستبشرين بمسار رائع قادم وحلوة يا بلدي.
الكاتب: أحمد الزاغة
المحرر: عبد الرحمن عثمان