مسار مطلات البحر الميت
في أربعينات القرن الماضي عثر راعيان من بدو التعامرة على مخطوطات من العهد القديم في كهوف بوادي قمران، الذي اكتسب شهرة عالمية. مسار مطلات البحر الميت ووادي قمران أحد المسارات الشاقة نسبياً في فلسطين، لكنه غاية في الجمال.
البحر الميت صحى من غفوته مرحباً عندما لاقانا من فوق مطلته، هذا ما أحسست به عندما وصلنا تلك البقعة من الأرض الفلسطينية بعد مسير 18 كم في مسار صحراوي مروراً بوادي قمران الرائع. كل شيء كان هادئاً والجو صاف ولكنه بارد بعض الشيء وتلاشت برودته عندما وصلنا أريحا. عددنا كان كبيراً حوالي 75 مشائاً.
وغاب عن المسار دليلانا سيمون جاسر وعدنان شلبي لتعرضهما للإصابة في مسار خلال الأسبوع الماضي ولكننا كنا نسير مستمدين معنوياتنا وقوتنا منهما، مع تمنياتنا لهما بالسلامة.
كان مخططنا أن نمر بوادي المكليك الرائع ولكن دليلنا جميل أفاد بأننا لن نمر منه بسبب أمطار الأمس وأن صخوره مبلولة وقد تؤدي إلى الانزلاقات، لذا اختار لنا مساراً آخر ولكنه يؤدي إلى نفس النقطة.

نزلنا من الحافلة قرب مكان يسمى المطل وكان نهاية مسار سابق. ثم رحب أنور حمام بالمشاركين ذاكراً التعليمات لهم ورحب بدليلنا جميل الجهالين والذي رافقنا في الرحلة وبدأ كلامه بالحديث عن المكان وأهميته وتنوع بيئته.
بدأنا مشوارنا بالنزول أولاً ومن ثم الصعود في الجبال العارية والصعود والصعود، ولا تشاهد إلا أرضاً قفراء إلا من بعض أزهار البطم الصفراء والأقحوان المتناثرة هنا وهناك. في الحقيقة كنت أعتقد أن مسارنا ليس فيه شيء جميل إلا اسم دليلنا إلى أن وصلنا لمنطقة تغيرت تضاريسها فجأة إلى جبال صخرية منحوتة بشكل رائع تطل على وادٍ أسفلنا. بدأنا نزولاً صعباً بعض الشيء ولكن رغم صعوبته إلا أنك تتفاجأ بالفضاء الرحب أمامك والمحاط بتلك النحوت الجبلية.
صخور بيضاء ملساء منبسطة ومتدرجة ونبع ماء يهبط من أعلى الوادي ليمر منسابا إلى منتهاه في البحر الميت.
"هذا يسمى وادي قمران وهو معروف للسائحين الأجانب من كل دول العالم وسنأخذ فطورنا في هذا المكان"، كانت تلك كلمات دليلنا جميل. الواقع أنني انبهرت من روعة المكان وشعرت أنني خارج الشعور وأن الانطباع الذي كان في البداية انقلب رأساً على عقب وخصوصاً وأنت تتمتع في روعة المكان وجماله. أنهينا فطورنا وأخذنا صوراً تذكارية وبدأنا الصعود في الجبل نحو مطلات البحر الميت.

كنا نعلو وتزداد ضربات قلبي تسارعاً شوقاً إلى المشهد القادم. كنت في المقدمة مع جميل وشوكت وعبد الفتاح واعتدال بدران وآخرين. كنا نمشي ونستريح بانتظار باقي الفريق نظراً لكبر العدد. وأخيراً وصلنا لإحدى المطلات وأخذنا استراحة وذهلنا من المشهد. وتابعنا المسير حتى وصلنا لعريشة أعمدتها من الحجر وسقفها من الزينكو وكان مشهداً رائعاً جداً وأنت ترى صفحة البحر المتقلص تلمع مع أشعة الشمس وانعكاس صور الجبال في الضفة الشرقية للبحر مرسومة بانعكاسها على صفحة الماء. وأخاديد نبعات مياه الفشخة تشق طريقها إلى البحر باندماج مذهل بين الماء العذب والمياه المالحة للبحر.
التقينا في المكان بمجموعة جاؤوا للاستراحة والاستجمام وشوي اللحوم وتدخين الأرجيلة والاستمتاع بالمنظر الخلاب. كنت أرى الانبهار على وجوه المشاركين ولكنني أصبت بالحزن وأنا أرى كيف يتقلص هذا البحر نتيجة استغلاله وشح وقلة المياه المغذية له وكيف يعمل الاحتلال على سرقة المياه العذبة والمالحة والطين والمعادن الموجودة في هذا الإرث الأبدي.
بعد أن استرحنا في تلك الأجواء الساحرة بدأنا النزول في مسار واضح متوسط الصعوبة ولكنك وأنت تنزل وتنظر إلى المشهد أمامك تزداد متعة.
وصلنا أسفل الجبل إلى عيون الفشخة وكلنا متعة بالمسار وعندنا ثقة بأن فلسطين تستحق منا الكثير وأنه يجب الاهتمام بضرورة وصول الناس لهذه المناطق بحريّة وسهولة وأن يكون هناك اهتمام من الجهات المسؤولة في وزارة السياحة والآثار ووزارة البيئة وأن تعمل على تنظيم الرحل لهذه الأماكن.
الكاتب: أحمد الزاغة
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2019-02-26 || 08:11