"كل شيء ظلام، لا أرى أحدا ولا أشعر بأحد وأصوات هنا وهناك ولا أدري أين أنا وصحوت على كلمات علاء أبو قطيش وهو يقول: "أجا اليوم اللي أرفع فيه رجليك"، رغم إصابتي وإفاقتي من الغيبوبة إلا أنني بدأت بالضحك وكذلك زملائي المشاركين عندما سقطت مغشيا علي بعد أن تعرضت ساقي لإصابة فتحت فيه جرحا بطول 3 سم بعد أن ضربت قدمي بصخرة بارزة.
تألمت كثيرا ولم أهتم، إلا أنني بعد أن شعرت بأن شيئا ساخنا يسيل على قدمي أيقنت أنني جرحت. كنت أسير وحدي وانتظرت حتى حضر الرائع بلال مرعي وبرفقته رشا وآية، فسألته إن كان يحمل الإسعاف الأولي لأنني تعرضت لإصابة في قدمي. وعلى الفور بدأ في المعالجة وفي تنظيف الجرح أولا. كان الجرح عميقا. ومن ثم حضر ثائر وأعطاه اليود وما إن وضع اليود على الجرح حتى شعرت بنار اشتعلت بي وأفقدني الوعي ولم أفق إلا و انا ممدد على الشارع الترابي وكلي عرق وأشعر بغثيان، لكنني نجوت والحمد لله.

كل هذا حصل بعد أن قطعنا ثلثي المسافة في مسارنا من بلدة عقربا إلى عورتا. الجو كان مذهلا ورائعا بعد أن مررنا بأجواء باردة وماطرة أعادتنا إلى أجواء الشتاء والمربعانية وربيع تحول إلى أمطار غير متوقعة.
وصلنا عقربا تمام الساعة الثامنة صباحا بعد أن غادرنا رام الله وكنت آخر الراكبين. ورغم أن أخي سلام كان قد دعاني على الشعبونية في نابلس، إلا أنني فضلت أن أذهب للمسار الأسبوعي بعد انقطاع أسبوعين عن المشاركة، خصوصا وأن شهر رمضان على الأبواب.
شاركنا هذه المرة على حين غرة صديقي سلمان تركي وأخذت مكاني إلى جانبه وتحدثنا طوال الطريق عن الوضع الهندسي وهيئة المكاتب والشركات الهندسية وكيف أن العمل الهندسي في نزول وأن إجراءات النقابة الجديدة تهدف إلى تحسين العمل الهندسي وزيادة الجودة فيه. وكذلك الصديق أبو فراس (عكمان الشلبي) بعد غياب عن المسارات بسبب إصابة في قدمه. كما أنني دعوت صديقنا م. محمد رجوب للمشاركة. في هذه المرة حضر الجميع وغاب أبو العبد وأم العبد السلعوس.
مسارنا برفقة دليلنا الرائع سيمون جاسر بدأ في طريق ترابية سهلة وتحيط بها أشجار الزيتون واللوز على الجانبين وحقول خضراء تنتشر فيها زهور برية صفراء في لوحة رائعة جدا.

تابعنا مسيرنا حتى وصلنا لسياج معدني يطل على الأغوار وبلدة وخربة يانون والتي يقع بالقرب منها مغتصبة ايتمار الصهيونية والتي تحاول السيطرة عليها ولكن أهلها يقاومون ويزرعون ويتصدون لقطاع المستوطنين.
كانت المشاهد التي نمر فيها ونرى قرى بيتا وحوارة وجبال تعلوها الأشجار وسهول تنبت فيها النباتات البرية الرائعة في مناظر خلابة لم نعهدها من قبل نتيجة غزارة الموسم المطري هذا العام. وخلال طريقنا وجدنا زهرة السوسن والتي تنمو بغزارة في هذه المنطقة ولكن لونها أبيض بعكس سوسنة فقوعة ذات اللون البنفسجي.
أخذنا أكثر من استراحة لمشاهدة المناظر أمامنا حتى وصلنا لخربة عرمانة والمشهورة بآبار لتجميع المياه أسفلها ولها أكثر من باب وتعود للفترة الكنعانية وننزل في طريق ترابية محفورة في الصخر وننزل إلى أسفل الوادي ونصعد الجبل مرة أخرى حتى حصل الحادث معي.
وتابعت المسير برفقة الصديق ثائر لأنني لم أكن متزنا تماما بعد فقدان الوعي ومشينا حوالي 2كم حتى انضممنا لباقي المشاركين لتناول الفطور وكان لقاء الفريق بي عظيما، الكل يطمئن علي ويهنيني بالسلامة والكل يريد أن يقدم خدمة أو مساعدة ما وشعرت أنني وسط عائلة كبيرة هي "امشي" وكان في انتظاري سلمان ومحمد وحاتم وحيدر وعيسى وسيمون وجلست قربهم. لم أستطع تناول الفطور، لكني أخذت القليل لأنني كنت أشعر أنني ربما سأتقيأ الطعام ولكن حيدر أسعفني بكوب من الشاي أعاد لي جزءا من نشاطي.
كان يوسف وياسين منشغلين في إعداد قلاية البندورة وقلي الجبنة البيضاء ولكنني لم أتناول أيا منها لأن نفسي عافت الطعام.

تابعنا مسيرتنا نزولا أنا وسيمون وسلمان ومحمد الرجوب باتجاه قرية عورتا واكتشفت أن هذا المسار هو مسار سيدنا إبراهيم ومررنا بخط مياه، قمت بغسيل وجهي للشعور بشيء من النشاط، كنت أحاول أن أظل متماسكا رغم أنني كنت أشعر بالإرهاق الشديد تماما وأرغب بالنوم فورا وبقيت على هذا الحال حتى وصلنا لقلب قرية عورتا وانتظرت قرب دكان بانتظار حافلة عاهد.
وأخيرا حضر الجميع وقفلنا راجعين إلى رام الله ولم أشعر بالطريق، لأنني نمت كقتيل ورغم أن الموسيقى كانت صاخبة وكانت البهجة تعم الباص بأكمله.
ما إن وصلت البيت حتى أخذت دشا ساخنا بعد أن أخبرت زوجتي بما حصل لي ولبست ملابسي وتوجهنا لمجمع رام الله الطبي للمعالجة، حيث قاموا بخياطة الجرح ثلاث غرز بعد تنظيف الجرح ووضع بنج موضعي.
لا شك أن ما حصل معي كانت نتيجة عدم تلبية دعوة أمي لمشاركتها الشعبونية ولكنني لن أغفر لنفسي لأنني وعدتها أن آتي لزيارتها خلال الأسبوع القادم وهذا درس لنا جميعا رضى الأم أولاً وأخيراً ...وأنا آسف يا أمي ومهما عملت لن أوفيك حقك.
الكاتب: أحمد الزاغة
المحرر: عبد الرحمن عثمان
هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز