بنت جبيل محاصرة: معركة استنزاف لصورة تبحث عنها إسرائيل
تتواصل المعارك العنيفة في مدينة بنت جبيل مع توغل القوات الإسرائيلية داخل أحيائها بعد فرض حصار محكم عليها، وسط اشتباكات مباشرة.
بعدما حاولت قوات الجيش الإسرائيلي محاصرة بنت جبيل من كل الاتجاهات، لم تكن المعارك التي تشهدها المدينة حالياً قد وصلت بعد إلى نطاق نسيجها العمراني، لكن القصف الإسرائيلي اشتدّ ليل السبت – الأحد، وبدأ الاحتلال هجوماً من مختلف المحاور باتجاه البلدة. ومع هذا التصعيد، انتقلت المعركة إلى داخل أحياء بنت جبيل نفسها.
لم تعد المواجهة تدور عند تخوم البلدة أو في القرى المحيطة بها، بل باتت في قلب نسيجها العمراني. فبعد إحكام الطوق على المدينة وإغلاق معظم منافذها الرئيسية، بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي التوغل تدريجياً داخل أحيائها، ما حوّل الشوارع الضيقة والمباني السكنية إلى ساحات اشتباك مباشر.
تكتيك التوغل: نار كثيفة وجرافات متقدمة
المشهد الميداني يشير إلى معركة معقّدة لا تشبه التقدم التقليدي للجيوش. فقوات الإحتلال تدخل بحذر شديد، مستندة إلى كثافة نارية كبيرة، وإلى استخدام الجرافات المدرعة والمسيرة التي تتقدم أولاً لكشف مصادر النيران وفتح الطرق أمام الوحدات المقاتلة.
وفي هذا السياق، أقدمت هذه القوات على تفجير مبانٍ في داخل المدينة، من بينها مبنى يقع قرب بنك عودة، في محاولة لإزالة ما تعتبره نقاط تهديد أو أماكن يمكن أن تُستخدم كمواقع رصد أو كمائن.
لكن التقدم داخل بنت جبيل لا يجري من دون كلفة. فالاشتباكات داخل الأحياء تتسم بالعنف والمواجهة المباشرة من مسافة صفر بين الطرفين في الشوارع وبين الأبنية، ما يجعل كل حركة للقوات المتقدمة عرضة للاستهداف.
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن وتيرة الاشتباكات بقيت مرتفعة مع استمرار استهداف الآليات والقوات المتوغلة، الأمر الذي يبطئ عملية التقدم ويحوّل كل حي إلى جبهة قائمة بحد ذاتها.
مدينة بنت جبيل اليوم محاصرة، ومن بداخلها "مقاتلون مستعدون للدفاع عنها حتى الرمق الأخير". ويؤكد مصدر مطلع لـ"المدن" أن عدد "المجاهدين" داخل المدينة كبير جداً، وأن الحديث الذي يطرحه العدو حول إمكان الاستسلام "ليس موجوداً في قاموس المقاومة".
مدينة معزولة… ولكن
إغلاق المداخل الأساسية للمدينة منح قوات الجيش الإسرائيلي قدرة أكبر على التحكم بالمشهد العام للمعركة، إذ باتت حركة الدخول والخروج شبه معدومة. هذا الواقع جعل بنت جبيل تبدو كمدينة معزولة ميدانياً، فيما يتحول القتال داخلها إلى صراع على السيطرة التدريجية على الأحياء والنقاط الداخلية.
ومع ذلك، تشير المعطيات إلى وجود بعض المسارب الفرعية التي يعرفها أبناء المدينة جيداً، وهي مسالك لا تشبه الطرق الرئيسية التي تحدث عنها الاحتلال.
المعالم الرئيسية… الهدف التالي
ورغم الحصار، فإن المعالم الرئيسية في البلدة لم تصلها القوات الإسرائيلية المحتلة بعد. فالسوق القديم والملعب البلدي وبعض النقاط الرمزية الأخرى لا تزال خارج نطاق سيطرتها المباشرة، رغم أن مسار العمليات يوحي بأن التقدم باتجاهها يمثل أحد الأهداف الأساسية في المرحلة المقبلة.
الوصول إلى هذه المعالم لا يختصر فقط مسافة جغرافية داخل المدينة، بل يحمل أيضاً دلالة معنوية تتجاوز الميدان نفسه.
أحياء بنت جبيل… خريطة الاشتباك
الأحياء التي تدور المعارك في عدد منها، والتي من المتوقع أن تشهد جميعها اشتباكات، تشمل:
- صف الهوا (منطقة الـ17): ومن هذه المنطقة بدأ أحد محاور التقدم الرئيسية باتجاه البلدة ومربع التحرير.
- السوق (سوق بنت جبيل): المنطقة التجارية الأساسية في البلدة، وفيها المحال والأسواق القديمة. تقع في قلب بنت جبيل وتربط عدداً من الشوارع الرئيسية داخلها.
- حي الجبانة -محيط جبانة بنت جبيل: يقع في الجهة القريبة من مجمع موسى عباس، ويُعد جزءاً من النسيج العمراني للمدينة، ويُستخدم كمرجع جغرافي معروف بين الأهالي.
- حي المهنية: المنطقة المحيطة بالمدرسة المهنية الرسمية في بنت جبيل، وهي نقطة معروفة داخل البلدة وتشكل تقاطع طرق داخلي.
- حي المستشفى (محيط مستشفى صلاح غندور): يقع في الجهة الشرقية تقريباً من المدينة باتجاه عيناتا، ويُعد من المناطق المعروفة بسبب وجود المستشفى الجامعي. وأعلن جيش الإحتلال أنه رصد نشاطاً مسلحاً بداخلها وقضى على عشرين مسلحاً هناك "حسب ادعائه"
- حي الملعب البلدي: يقع في الجهة الجنوبية أو الجنوبية الغربية من البلدة نسبياً، ويُعد من أبرز معالم المدينة، ويُعتقد أنه أحد الأهداف الأساسية للتقدم.
- حي البركة: من الأحياء السكنية داخل المدينة ويقع ضمن الامتداد العمراني للبلدة.
- حي المدرسة (محيط المدارس مثل مدرسة الإشراق): من المناطق السكنية التي تتمحور حول المؤسسات التعليمية داخل البلدة.
ولهذا، تبدو المعركة داخل بنت جبيل مفتوحة على استنزاف متبادل. فالجيش الإسرائيلي يتقدم ببطء تحت غطاء ناري كثيف، فيما تعتمد المقاومة على القتال من داخل الأحياء، مستفيدة من طبيعة المدينة العمرانية.
وبين التوغل التدريجي ومحاولات الصمود، تتحول بنت جبيل مرة جديدة إلى ساحة مواجهة تختبر فيها إسرائيل قدرتها على تحقيق إنجاز واضح، في حين تسعى المقاومة إلى منع هذا الإنجاز أو على الأقل رفع كلفته إلى أقصى حد ممكن.
يكمن الطموح الرئيسي للاحتلال في صورة رمزية: وقوف مسؤول إسرائيلي كبير في ملعب مدينة بنت جبيل ليقول من هناك إن هذا هو المكان الذي وُصف فيه جيشه يوماً بأنه "أوهن من بيت العنكبوت"، وها هو اليوم يقف فيه. ولذلك يريد رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير أن يدخل إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قبل موعد الثلاثاء قائلاً: "هذه بنت جبيل باتت معنا".
لكن زامير "يعرف جيداً أن من بقي داخل المدينة لن يجعل الوصول إلى تلك الصورة نزهة، وأن المعركة هناك لن تنتهي بسهولة، لأن من يقاتلون فيها مستعدون للثبات حتى الرمق الأخير". تختم المصادر المطلعة على سير المواجهات عن قرب.
الكاتب: حسن فقيه/ المدن
2026-04-12 || 19:50