كتاب دوز: "حياتي في الإعلام" لعارف حجاوي
يلخص الإعلامي الفلسطيني عارف حجاوي محطات حياته المهنية بين هيئة الإذاعة البريطانية وقناة الجزيرة وصحيفة الحياة الجديدة وغيرها من المؤسسات الإعلامية، وذلك في كتابه الجديد "حياتي في الإعلام".
كتاب جديد للإعلامي عارف حجاوي بعنوان "حياتي في الإعلام"، صدر عن مركز الجزيرة للدراسات 2015. يلخص الكتاب حياة حجاوي وكيف صبت تجاربه المتنوعة في خلق هذه الشخصية الإعلامية الفذة والمثقفة، وفي تشكيل حالة إعلامية نادرة في فلسطين.
وفي الكتاب، يروي حجاوي انطلاقته من نابلس، حيث برز حبه للكتب والتعلم الذاتي، بعيداً عن واجبات المدرسة والأكاديميا و"بأقل قدر من الإرشاد"، كما ذكر.
بسلاسة، وبلغة عارف حجاوي "العالية" وخفيفة الظل في آن، يأخذك الكتاب في جولة من التجارب بين فلسطين والكويت والأردن وألمانيا وبريطانيا وقطر، ليطلعك على العديد من المواقف المهنية والحياتية التي عاشها، والتي تخللتها مسحة إنسانية راقية. هي رحلة شيقة وقودها الثقافة والشغف باللغة العربية والتفاني في العمل.
تنقل حجاوي بين العمل كمترجم في هيئة الإذاعة البريطانية، ثم إلى إدارة البرامج في القسم العربي من الإذاعة، رغم تأكيده على أن الإدارة لم تكن العمل الذي يحب ممارسته. وتابع ليعمل رئيساً لتحرير جريدة الحياة الجديدة في فلسطين، إضافة لعمله في معهد الإعلام بجامعة بير زيت. وطيلة الوقت، رافقه حبه للمايكروفون والإذاعة، التي برزت فيها قدراته، رغم اعتقاد الكثيرين بأن صوته ليس جميلاً، إلا أن إتقانه للإلقاء وثقافته الواسعة كانا كفيلين باحترافه لفنون الإذاعة. وأما هاجسه الدائم، فقد كان تأليف عدد كبير من الكتب، وقد ألف حتى الآن ثلاثة كتب في النحو، ومعجماً للصحفيين وعدداً من الكتب في الشعر.
يعرج عارف حجاوي في كتابه على سيرة الإعلامي الأسكتلندي أندرو مار، ويبين شدة إعجابه به وتمنيه بأن يكون في الوطن العربي عدة صحفيين من نوعه. الحقيقة أن كل ما ورد في ذهني خلال قراءتي للكتاب أننا لسنا بحاجة لأندرو مار عربي بقدر حاجتنا لصحفيين من نوع عارف حجاوي، رغم ما أورده حجاوي من إنجازات رائعة لهذا الصحفي الأسكتلندي. لسنا فقط بحاجة لصحفيين من نوع عارف حجاوي فحسب، بل نحن بحاجة لأساتذة يرسخون هذه المدرسة في الإعلام.
مشروع العمر: شروحات لدرر الشعر
أكثر ما شدني في مدرسة عارف حجاوي، التي لم يورد من بحرها الكثير، هو حرصه على ربط العمل الإعلامي بالقصة. لا عجب، وهو الذي ترك دراسة التاريخ بألمانيا لعدم استساغته لدراسة حقائقه أكاديمياً، فالتاريخ بالنسبة إليه قصص. ولا يقتصر ذلك على التاريخ، فكافة العلوم التي تدرس في المناهج المدرسية والجامعية، يجب أن تبنى على أساس القصة، وكذلك هو الأمر بالنسبة للصحافة، يقول حجاوي.
الأمر الآخر الذي يضعه عارف حجاوي "حَلَقاً في أذنك" من بداية كتابه وحتى نهايته، هو أهمية أن يكون الإعلامي أو الصحفي مثقفاً. ليس مثقفاً بمكيال مئة أو مئتي كتاب، ولا بتغطيته لبضعة مؤتمرات "على مستوى". الثقافة التي يقدمها حجاوي تعني العطش الدائم للكتب والمعرفة، وتعني التجربة والاحتكاك بالثقافات والشعوب والبيئات المختلفة.
ستون شاعراً
إن قرأت هذا الكتاب سيرد على خاطرك شعوران، أولهما الفرح: تفرح لما يظهره هذا الإعلامي الرائع من تجدد وطاقة وغنى. وأكثر ما أفرحني هو المشروع الذي يسعى لإنجازه، والذي يقوم على "انتخاب درر كل شاعر وشرحها شرحاً سهلاً لقارئ معاصر". وسأترك لكم الشرح كما ذكره الكاتب: "حددت ستين شاعراً من الجاهلية إلى خمسينات القرن العشرين رأيت أنهم سادة الشعر وعبيده، امتلكوا ناصية القصيد امتلاكاً وانقادوا لربة الشعر انقياداً. وقلت أؤلف عن كل شاعر منهم كتاباً. ومن بين هؤلاء الستين أنجزت كتباً عن اثني عشر شاعراً: كتابان نشرتهما وحبسهما الناشر في مخازنه، وعشرة كتب حبستها أنا في حاسوبي إلى أن يتيسر لي النشر إن بسط الله في العمر".
الشعور الثاني، الذي أتمنى لأجله أن يقرأ الكتاب أكبر عدد من الصحفيين، هو الغبطة من هذه العبقرية والثقافة الواسعة. الحقيقة أنني أتأثر بالنموذج أكثر كلما شعرت بقربه، سواء جغرافياً أم ثقافياً، وعارف حجاوي تخطى ذلك بقربه من القارئ أيضاً، بأسلوبه الشيق القريب للأذن وللقلب. وفي نهاية الكتاب، ستكتشف أنك لم تقرأ سيرة إعلامي نابغ فحسب، بل علّامة.
اقتباسات من الكتاب
- كنا على أعتاب امتحان التوجيهية، ختام المدرسة، وسألني جدي: ماذا ستدرس في الجامعة؟ فقلت له: لا أريد الذهاب إلى الجامعة. قال: لماذا؟ قلت: لأنني أريد أن أتعلم.
- لم أكن، ولن أكون، حلس أخبار. وحتى يوم الناس هذا فأنا أفضل قراءة جريدة الأمس. أقرأ التاريخ بنهم، ولا أتابع الأخبار. هذا أنا، هكذا خلقت.
- القصة هي الزمن، هي السبب والنتيجة. وليس لأي قصة نهاية سعيدة، لأن النهاية هي الموت. وليس لأي قصة نهاية حزينة، لأنه بعد الموت تأتي حياة جيل جديد.
- الضوابط يضعها الإعلاميون ويقيدون أنفسهم بها، يقهرون ميلهم الطبيعي للتحدث بلسان المصلحة الوقتية.
- الانضباع هو أن تركض خلف القوي المسيطر وأنت فاقد السيطرة على روحك. أن تجري وراء الضبع كي تفترسك. أن تقول للضبع: يا أبي يا أبي.
- وقيل لي إن هذه الكرتونة المختومة بختم أحمر ما زالت بحاجة إلى تصديق من مكتب رئيس الجامعة. ذهبت إلى مكتب الرئيس، ومن جيب سروالي الخلفي أخرجت الكرتونة ونشرتها بعد إذ كانت مطوية أربع طيات، فصكت مديرة مكتب الرئيس صدرها وشهقت، لعلها لم تشهد في عمرها طالباً يحترم تلك الكرتونة هذا الاحترام.
- لغتك الأم تكتسبها ليس بالتعلم، وليس بالعقل، بل تأتيك معجونة بالمواقف التي تعيشها، تأتي الكلمة والعبارة ملتصقتين بالشعور الذي يهزك وينغرس في أعماقك.
- المذيع الجيد يشرح لك النص شرحاً دون أن يضيف إليه كلمة، إنه يقرأُه قراءة فاهم، ويلقيه إليك إلقاءً فيه قليل من الدراما يجعلك تستمع إليه وتتابعه.
الكاتبة: سارة أبو الرب
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2015-06-14 || 13:41