دخان متصاعد يملأ المكان وكأن هناك حريقًا قد شبّ، أصوات أعواد الخشب تسمعها وكأنها سيمفونية، أبخرة يستنشقها الصغار والكبار والأطفال والمسنون وحتى الحيوانات، أكوام حطب وأخرى من القش، وبجانبها الفحم الجاهز للتعبئة وللبيع محليًا، رأيناها أثناء مرورنا بشارع برطعة - زبدة.
ليست الأرض سوداء وحدها بل إن اللون الحالك قد وصل السماء؛ عمالٌ أحياء بلباس الأموات يغطي ملابسهم السواد، حتى إن قطرات عرقهم المنحدّرة من على وجوههم كانت باللون نفسه، وكذلك الجبال وأشجار الزيتون المجاورة لم تسلم من الدخان، فتحولت من اللون الأخضر إلى ليل حالك.
محدثي محمد أبو بكر من بلدة يعبد كان يتخذ من جذع زيتون مقعدًا له، يد تمسك السيجارة وبالأخرى يمسح العرق الذي تجمع على وجهه بدأ بالحديث: "أعمل هنا منذ ما يقارب العشرين سنة. كنت حينها في المرحلة الثانوية ثم اندلعت الانتفاضة، وبعد هدوء الأوضاع اتجهت للعمل في المفاحم حتى هذا الوقت. وعملي هنا تجميع الحطب في حزم إضافة إلى مقدرتي على إعداد المفاحم من نقطة الصفر. كان العمل بالفحم يعتبر مصدر رزق للعمال قبل اكتساح الفحم المصري للأسواق الفلسطينية لزهد ثمنه، فأثر علينا ذلك بشكل كبير".
مناطق المشاحر "المفاحم" هي تابعة لشخص معين وليست مُلكًا لبلدية أو لشركة، وتحتوي المنطقة ما بين 40-50 ورشة، ولكل منها نظامها الخاص.
[caption id="attachment_31080" align="aligncenter" width="960"]

يوضع سلم ويداخله قرابة 200 كغم من الحطب من فتحة لمدة 15 يومًا حتى يتناقص حجم المشحرة للنصف[/caption]
مبدأ عمل المشحرة
وعن مبدأ عمل المفحمة استكمل أبو بكر حديثه: "بداية تكون (المشحرة) مليئة بالأتربة، فنقوم بتعزيلها بواسطة الجرار الزراعي لتصبح الأرض جاهزة منبسطة، ثم نقوم بوضع الحطب وترتيبه على شكل هرم، وبعد تجميع قرابة ثلاثة أطنان من الحطب يتم وضع القش عليه ثم تغطيته تمامًا، بعدئذ نقوم برشها بالتراب ويترك ثقب صغير بحجم غطاء البرميل ليتم وضع قليل من الحطب الجاف وإدخال النار منه".
يوميًا يتم وضع سلم وإدخال قرابة 200 كيلو غرام من الحطب من الفتحة العليا ولمدة 15 يومًا حتى يتناقص حجم المشحرة بنسبة 50% من حجمها الأصلي، ثم يتم إزالة القش والأوساخ منها ووضع ثوب من النايلون ورشها بالتراب لمدة ثلاثة أيام فيكون الفحم جاهزًا وباردًا.
تعتمد كمية المنتوج من الفحم من كل مشحرة على كمية الحطب المستخدم ونوعه؛ حيث إن كل 5 أطنان حطب حمضيات أو زيتون تنتج طناً واحداً من الفحم، وكل 7 أطنان حطب أفوكادو أو سرو تنتج طنًا واحدًا من الفحم وهكذا، علمًا بأن كل مشحرة يوضع فيها ما بين 30-50 طنًا من الحطب.
أشعث أغبر وبجواره إبريق شايٍ غادره اللون الفضي إلى غير رجعة، ليستقر لونٌ أسود مكانه وقد تغيرت الألوان الأصلية في المكان وحلّ محلها الاسوداد؛ فالكرسيّ والأشجار والأرض والملابس والسماء تبدلت، فترى الأرض غير الأرض، هذا ملخص حال محمد أبي بكر؛ فرغم شظف العيش وصعوبته، فإن أبا بكرٍ مسرورٌ بعمله ويحصل على راتب يعادل راتب موظف حكومي، ويعيل أسرة من خمسة أفراد. أحب عمله وتكيف معه ولم يعانِ من أي مرض، على حد قوله، حتى إنه يعاني من الاكتئاب إذا انقطع عن عمله.
يتابع محدثي كلامه: "مؤسسة الرؤية العالمية أحضروا ملابس خاصة وأحذية ضد النيران، لكننا لم نستمر على ارتدائها، لإن الطبع غلب التطبع". وأضاف: "النشاط الاقتصادي لا ينعكس فقط على صاحب المشحرة وعماله بل وعلى موردّي القش والحطب والنايلون والماء".
[caption id="attachment_31081" align="aligncenter" width="960"]

تراجعت أرباح الفحم المحلي كثيراً بعد انتشار الفحم المصري لرخص ثمنه[/caption]
صعوبات ومعيقات
وحول المعيقات التي تواجههم هناك، أضاف أبو بكر: "أحيانًا يقوم الجانب الإسرائيلي بمنع إدخال الحطب ومصادرة واحتجاز الشاحنات التي تجلبه بحجة أن الأدخنة والأبخرة الضارة تصل إلى مدينتي الخضيرة ونتانيا. وهناك احتمال قيام الكنيست الإسرائيلي باستصدار قرار يجرّم استيراد الحطب من إسرائيل للمفاحم". ويتم تسويق الفحم في الضفة الغربية وإسرائيل، لكنه قلّ بنسبة 90% بسبب استيراد الفحم المصري الرخيص الثمن، وكان يصل قطاع غزة قبل فرض الحصار، ما دفع أهل غزة إلى إحضار الفحم المصري أيضًا لقربه منهم.
لكل مفحمة أو مشحرة طقوسها الخاصة بها؛ فنرى العمال يمارسون عملهم على أنغام موسيقى خاصة، فبعضهم يتفاعل مع أغان فلكلورية وبعضهم على نغمات أغان عصرية شبابية. العامل محمد جوابرة عشريني العمر متخصص في تعبئة الفحم داخل أكياس؛ وكان يعمل قبل القدوم إلى يعبد في الداخل المحتل، لكنه قرر المجيء إلى المفاحم للراحة وحيث لا يوجد هنا ذل المعابر.
عاملٌ آخر ليس زنجيًا بأصله، لكن آثار العمل بتلك المفاحم جعلته كالزنوج لونًا، ولا زلتُ أذكر ابتسامته بظهور أسنانه البيضاء من خلال جسمه النحيل الأسمر. قال لي إنه فَرِحٌ في عمله هنا ولمدة عشر سنوات متواصلة، أبديتُ استغرابي عندما رأيته لا يرتدي الزي الملائم للعمل والتقيد بلبس خاص، لأنه يعتبر ذلك معقدًا وملبسه المتمثل بالسروال القصير يشعره بالراحة.
[caption id="attachment_31085" align="aligncenter" width="960"]

استصدر مجلس الوزراء الفلسطيني قراراً لتشكيل لجنة برئاسة الحكم المحلي لمتابعة أمور المفاحم[/caption]
وللتكيف مع طبيعة العمل الصعبة تجد بعض العمال وقد وضع منديلًا على عنقه، فتراهم مشغولين بمسح عرقهم من على وجناتهم، الذي أسالته حرارة جو لا تطاق.
الدخان المتصاعد من المفاحم لا يقتصر تأثيره وضرره على العاملين وحدهم، بل يتعدى ذلك إلى السكان المحيطين بتلك الورش. ذهبتٌ لزيارة عائلة تسكن على مقربة من منطقة المفاحم، ولفت انتباهي أنها تقتني الكثير من الحيوانات الداجنة. يصطف الأحفاد في بيت جدهم، وقد استقبلوني أحسن استقبال بعد إساءة رامبو لي - المذكور هو أحد كلاب الحراسة لديهم ويميّز الغرباء ويزعجهم بنباحه، وهكذا كان نصيبي. وفي حديثها عن تأثير المشاحر، قالت الحاجة أم أشرف، وهي خمسينية العمر، "إن الأدخنة المنبعثة من تلك المفاحم تفوح رائحتها في أرجاء البيت وتبقيه متسخًا طوال الوقت، حتى أننا نبقي النوافذ مغلقة دائمًا".
أكثر فترة يكون الهواء مؤذيًا وضارًا فيها لسكان المنطقة هي في الليل والصباح. ليلًا عندما تهدأ النيران وتبدأ الرياح بنقلها للجهة الشرقية، أما صباحًا وبعد استقرار الأوضاع وذهاب الرياح، تصبح السماء وكأن الليل قد حلّ من جديد.
وأثناء التنقل بين أرجاء البلدة أثارت انتباهي امرأة تضع قطعة قماش على أنفها لإنها مصابة بالربو وتتحسس من الروائح؛ تدعى أم أكرم وصوتها يكاد يخرج من رئتيها، قالت: "والله إننا نعاني، فأنا مريضة بضيق التنفس والحساسية، أيضًا حفيدتي يوميًا تأخذ إبرة وذلك لتحسسها من الدخان. حتى الغسيل على الحبل يكون متسخًا؛ ولا شيء يحتفظ بلونه الطبيعي إلا ويترك اللونُ الأسودُ بصمتَه عليه".
[caption id="attachment_31080" align="aligncenter" width="960"]

أشجار الزيتون في المنطقة أصبح إنتاجها قليلًا وزادت نسبة الحموضة في الزيت،ما يجعله ضاراً بالصحة[/caption]
بينما تبدي أم صبحي رضاها عن هذه الورش، وعند سؤالي عن السبب قالت: "إن زوجي وأولادي ومعظم أفراد العائلة يعملون هناك ونعتاش منها، فهي مصدر رزق للجميع".
أحمد عمارنة مدير دائرة الصحة والبيئة في بلدية يعبد قال لنا بخصوص هذا الموضوع: "أصحاب المفاحم يبررون أنهم لا يعانون من أي أضرار صحية، ويتم أخذ عينات من دمهم لفحصها باستمرار، لكن لا أحد يعرف النتيجة". وتابع عمارنة حديثه: "يدافع أصحاب المفاحم عن أنفسهم ويقولون، إن مكب نفايات زهرة الفنجان يلوّث البيئة أكثر من هذه المفاحم، فلماذا تسليط الضوء والانتقاد ينصبّ عليهم دون غيرهم؟".
أصحاب المفاحم ليس عندهم مشكلة بشرط إيحاد بديل في المكان وفي الطريقة، لكن المطروح لا يفي بالغرض، فقد أجرت "الرؤية العالمية" قبل عام تجربة الحرق ضمن خزانات، بحيث يتم صناعة فرن يتسع لطن واحد من الحطب يوضع بداخله صندوق مكسوّ بغطاء حديدي ويدخلون الحطب فيه. إلا أن إنتاج هذه الطريقة قليل ومكلف ونوعية الفحم رديئة ولا تصلح للتصدير، حسب تعبير أصحاب المفاحم، الذين يعتبرون أن الطريقة الصحيحة لإنتاج فحم جيد هي الطريقة المكشوفة، المعمول بها حالياً.
وأضاف عمارنة: "أشجار الزيتون في المنطقة أصبح إنتاجها قليلًا وزادت نسبة الحموضة في الزيت؛ وكما هو معلوم فإن زيادة نسبة الحموضة تجعل الزيت ضاراً بالصحة". وختم ضيفي حديثه: "إذا أردنا مواجهة أصحاب المشاحر بالأضرار، فلا نملك نحن التقارير الموثقة لتبيان أن جيران المفاحم المرضى يعانون فعلًا من وجود المفاحم وليسوا مصابين بمرض مزمن".
[caption id="attachment_31084" align="aligncenter" width="960"]

يتضرر الإنسان من استنشاق هذه الغازات، التي تسبب أمراضاً في الجهاز التنفسي[/caption]
متابعة البلدية
وعند لقاء رئيس بلدية يعبد الدكتور الصيدلاني سامر أبو بكر قال: "أنا في منصب رئاسة البلدية منذ سنتين، ومنذ استلامي للمنصب لم تصلني أية شكوى رسمية بخصوص المفاحم أو الدخان الناتج عنها، لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد مشكلة، فنحن نستشعر أن هناك روائح ودخاناً وأضراراً".
تم استصدار قرار من مجلس الوزراء الفلسطيني لتشكيل لجنة برئاسة الحكم المحلي لمتابعة أمور المفاحم؛ فقررت اللجنة توفير قطعة أرض بديلة عن المنطقة الموجودة، بعيدة عن أقرب منزل مسافة ألف متر. المنطقة تقع جنوب غرب يعبد عند (خربة مريحة) وتابعة للبلدة. تبلغ مساحتها 50 دونمًا، وقامت البلدية بإعطاء اللجنة معلومات عن قربها وبعدها عن المستوطنات وارتفاعها عن مستوى سطح البحر، ويجري متابعة الأمر مع محافظ محافظة جنين.
يتابع أبو بكر حديثه: "كثير من السكان يستفيدون من صناعة الفحم، التي تدرّ ملايين الشواقل لصالح بلدة يعبد، وتم نقل الورش من قبل الاحتلال الإسرائيلي من منطقة السهل لأسباب أمنية. وهذه المشكلة ليست سهلة، فعلى الجميع التعاون لحلها، لأنها قائمة منذ زمن طويل".
تقع منطقة الملول أو المشاحر في مناطق سي، أي تحت السيطرة الإسرائيلية، لكن من واجب البلدية إيصال الماء والكهرباء والطرق إليها، ولا يتطلب إقامة مفحمة الحصول على تراخيص أو رسوم. ويستكمل رئيس البلدية: "لا أرى أنه من المعقول أن أحاسب أصحاب تلك الورش في ظل الحصار والجدار والمستوطنات وقلة الوظائف وعدم قيام الحكومة بواجباتها تجاههم، لتوفير قوت أبنائهم في ظل هذه الظروف الصعبة".
وختم أبو بكر حديثه قائلًا: "هذه المنطقة موجودة ضمن المخطط الاسترشادي الهيكلي، فعندما تنتقل مناطق سي إلى سيطرة السلطة الفلسطينية يكون الحل أسهل لاتخاذ التدابير اللازمة، ولو تم حل هذه القضية سيكون شيئاً مهماً لبلدة يعبد وإنجازاً يسجل للبلدية".
الطبيب العام أبو أدهم قال: "ينجم عن عملية احتراق الحطب وتحويله إلى فحم انطلاق كمية كبيرة من الغازات أهمها هو أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت".
وتابع قائلاً: "يتضرر الإنسان من استنشاقه المستمر لهذه الغازات، التي تسبب له الكثير من أمراض الجهاز التنفسي كالتهاب القصبات الهوائية وسرطان الرئة والصداع والغثيان والفشل التنفسي واضطرابات في النوم وفي السلوك وضعف الذاكرة. وإذا تفاقم الوضع، فربما يؤدي إلى الشلل الارتخائي وفقدان الوعي ثم الوفاة".
الكاتبة: إباء صعبي
المحرر: عبد الرحمن عثمان