حرة الشام البركانية الكبرى
تمتد حرة الشام البركانية الكبرى من جنوب سوريا مروراً بالأردن وصولاً إلى شمال السعودية وغرب العراق، وتشكل نطاقاً واسعاً من الصخور البازلتية الناتجة عن نشاط بركاني قديم.
والحرّة في اللغة العربية، هي أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت، وأصلها دفوق بركانية قاعدية فقاعية، كما يقول مجمع اللغة العربية.
والحرّة هي الصخور البركانية، هذا يعني أنها الكتلة الصخرية المتكونة من انفجار البركان. في الجيولوجيا يتم تسمية مصطلح الصخور النارية على الصخور المتكونة من تجمد الصهارة التي تخرج من باطن الأرض، فجوف الأرض تخرج منه مادة منصهرة ذائبة (لافا)، فإذا تجمّدت تلك المادة سميناها صخوراً نارية. ويوجد نوعان من الصخور النارية.. صخور جوفية وهي الصخور التي تجمدت في جوف الأرض (لم تتجمد على السطح)، فترى حجم المعادن فيها كبيراً لأن معادنها وجدت الوقت الكافي للتشكل والتبلور. وأما النوع الثاني من الصخور فهو الصخور البركانية التي يسميها العرب الحرّة وجمعها الحرّات، وهي الصخور التي تجمدت على سطح البسيطة بعد انفجار البركان. ومثلها في بلاد الشام تشكل ما يعرف بحرة الشام البركانية الكبرى.
تُطلق كلمة الحرّة (وجمعها حرّات) في اللسان العربي على المساحات المغطاة بالصخور البركانية السوداء، وهي في المنظور الجيولوجي كتل صخرية ناشئة عن الثورات البركانية.
أنواع الصخور النارية
علمياً، تُعرف هذه الصخور بـ"الصخور النارية"، وتتشكل عندما تبرد الصهارة المنبعثة من جوف الأرض وتتصلب. وتنقسم هذه الصخور إلى نوعين رئيسيين، أولها لصخور الجوفية، وهي الصهارة التي تجمّدت ببطء شديد في باطن الأرض دون أن تصل إلى السطح، مما أتاح لمعادنها وقتاً كافياً للتبلور والتشكّل، فظهرت بلوراتها بحجم كبير وواضح. وثانيها الصخور البركانية (الحرّات): وهي الصهارة (اللافا) التي تدفقت إلى سطح البسيطة إثر ثوران البركان، ثم بردت بسرعة تحت تأثير الهواء. ومثالها الحي في عالمنا العربي "حرة الشام"؛ تلك اللافا البركانية الكبرى الممتدة في بلاد الشام.
تبدو سوريا الطبيعية بصورة من الفضاء متشكلة بلطخات لونية واضحة، الأخضر و الأصفر والأزرق والأحمر، ولكل لون دلالة جغرافية وطبيعية تعكس تنوع البيئة والجيولوجيا والتربة فيها. ولكن النطاق الأسود الواسع الممتد من محيط دمشق والسويداء والجولان والذي يعبر الأردن ليصل إلى شمالي المملكة العربية السعودية ليس إلا امتداداً صخرياً صلباً يعكس نوع وتكوين هذه الجيولوجيا الصخرية البازلتية التي صنعتها آلاف السنين من النشاط البركاني في هذه المنطقة التي نشأت نتيجة تأثيرات التصادم الهائل للصفحيتين الإفريقية والآسيوية وتعاكسها مع صفيحة البحر الميت. يطلق الجيولوجيون على هذا النطاق الصخري تسمية الحرة الشامية الكبرى، أو حرة الشام البركانية الكبرى. وتمثل هذه الحرة أوسع المقاطعات البركانية في الصفيحة العربية لأنها ببساطة نطاق جغرافي يمتد من ريف حوض دمشق مروراً بجبل العرب ليعبر بادية الشام في الأردن لتصل شمال المملكة العربية السعودية لتضم في ثنايا صخورها الصلدة حقولاً بركانية أصغر، منها جبل العرب وتلول الصفا وهضبة الجولان والحرة الأردنية وحتى حقل كراع البركاني.
ليست الحرة الشامية ولا جبل العرب ولا نطاقهما الواسع عبارة عن انفجار بركاني ظاهر المعالم مثل المتعارف عليه عالمياً، وإنما هي سلسلة تدفقات حممية متعاقبة خرجت من فوهات متعددة ومتباعدة، لذلك لا يمكننا رؤية مخروط بركاني واضح المعالم بشكله المخروطي الشهير في تلك المنطقة. هذه الانفجارات البركانية خرجت من سطح الأرض وسالت مع ميلانها دون أن نعرف اتجاهاً واضحاً لمسير الحمم، ولكن الكتلة البركانية تمتد باتجاه عام شمالي غربي- جنوبي شرقي. من جنوب سوريا ليعبر شمال الأردن ثم إلى شمال السعودية. ويمكن تقدير مساحة الحقل البركاني إلى نحو مئة الف كيلومتر مربع، وعرضه بحسب المعلومات يقارب خمسون كيلومتراً.
تتشكل البنية الصخرية للحرّة الشامية من صخر بازلتي أسود اللون، وهو صخر بركاني ينتج عادة من الحمم السائلة (اللافا)، والتي هي عبارة عن معادن وصخور منصهرة نتيجة الحرارة العالية جداً في باطن الأرض والتي تتأكسد بتفاعلها مع البيئة فوق الأرض. ونتيجة لطبيعتها السائلة انتشرت هذه الحمم على مسافة واسعة، مشكلة أرضاً ملساء وخشنة، ساهمت الطبيعة بتشكيل تفاصيلها حيث يمكننا مشاهدة المغاور والبرك المائية والمخاريط والفراغات الهوائية المشابهة للفقاعات وحتى مجاري مياه جافة وفقاعات غازية جافة لا تزال افظ على شكلها الأحفوري منذ زمن تيبسها.
امتداد حرة الشام الكبرى
تنقسم حرة الشام الكبرى إلى ثلاث مناطق كبرى، تبدأ الأولى من سوريا وتشمل جبل العرب وتلول الصفا وأجزاء واسعة من ريف دمشق وصولاً إلى قصر السايس والأديرة الثلاثة في البادية في شرق دمشق، ويتوزع الامتداد غرباً بشكل جزئي في سهل حوران وصولاً إلى كتل واضحة في هضبة الجولان الذي تدل الدراسات أنه تشكل جيولوجياً ومن ثم تمت تغطيته بطبقة بركانية عميقة، بينما لا يزال شمال الهضبة يحتوي صخوراً كلسية تنتمي لتشكيل جبل حرمون. وتمتد المنطقة الثانية في الأردن وخصوصاً في الشمال الشرقي، حيث تمتد الحرة في البادية الأردنية. أما الثالثة فتصل السعودية، حيث يتصل النظام البركاني بحقول الحرات العربية المنتشرة هناك.
يعتبر جبل العرب الاسم الجغرافي والاجتماعي الأكثر حضوراً في سوريا، أما جيولوجياً فهو الجزء الأبرز من الحرة الشامية، وهو يتألف من مائة وثمانية عشر بركاناً بازلتياً محلياً، بينما تشكل تل قني النقطة الأعلى فيه، لذلك يمكن وصفه على أنه مجموعة مخاريط وفوهات بركانية موزعة في المشهد الجبلي، يعرفها الأهالي بشكل جيد ومن أهم نقاطها تل خدا و تل شيحان وتل قليب وتل سليمان، إضافة إلى مخاريط محلية منتشرة بشكل عشوائي في المنطقة.
أما تلول الصفا، جنوب شرق دمشق. فهي من أكثر مناطق حرة الشام أهمية لأنها تحتفظ بملامحها البركانية الخشنة. والحديثة نسبياً بالمقارنة مع بقية الفوهات في الحرّة. ويذكر موقع ناسا أن حقل الصفا يضم فوهات نشطت خلال العصر الهولسيني. أي خلال آخر اثني عشر ألف سنة من عمر الأرض، بينما تسجل كتب التاريخ أن آخر نشاط بركاني لوحظ محلياً فكان سنة 1850، حينما سجل الأهالي ملاحظة بركة حمم تغلي في المنطقة. تعود رواية نشاط تلول الصفا سنة 1850 إلى وصف أورده فتسشتاين في رحلته إلى حوران والتراخونيتس، ثم فُهم لاحقًا على أنه حديث عن حمم سائلة. يضم حقل تلول الصفا ما لايقل عن ثمانية وثلاثين مخروطاً رمادي اللون.
أما هضبة الجولان فتشكل جزءاً من الامتداد الشمالي الغربي للحرة. وتتكون من سلاسل بركانية و مخاريط مرتبطة بفالق البحر الميت. أما الحرة في البادية الشمالية للأردن فينتشر فيها أيضاً مخاريط وفوهات وتدفقات بازلتية لا تزال ترى بالعين المجردة.
اليوم، تبدو حرة الشام ساكنة على السطح، من دون نشاط بركاني مرئي حممي أو غازي، يشكل أي تهديد على الحياة والطبيعة، فالمنطقة ومنذ مدة طويلة خالية من أي نشاط أو ثوران بركاني على السطح، ومع ذلك تنصح مراكز الزلازل بضرورة التعامل الحذر مع المنطقة عقب أي نشاط زلزالي مهما كانت درجته منخفضة. والذي من الممكن أن يولد انبعاثات غازية أو تشوهات أرضية تحت البنى الحضرية. بينما يرسم المختصون أسوأ الاحتمالات على أنها ستكون تدفقاً بازلتياً هادئاً مع تدفقات وحمم صغيرة تغطي الأراضي الزراعية مترافقة مع انبعاثات غازية محلية. أما الخطر الانفجاري الواسع فيبقى محدوداً قياساً إلى البراكين العنيفة، لأن بازلت الحرات العربية عادة أكثر سيولة وأقل لزوجة.
فوائد الحرة الشامية
على الرغم من قساوة التوصيف السابق إلا أن الحرة الشامية قدمت فوائد لا حصر لها للمنطقة، فعوامل النحت و التعرية والسيول و الأمطار فتت البازلت الذي غطى بدوره التربة وأعطاها لوناً هو عبارة عن عناصر معدنية متحللة، لهذا ارتبطت مناطق جبل العرب وسهل حوران والجولان بزراعة القمح والعنب والتفاح واللوز، كما أن الصخور البازلتية شكلت في أجزاء عديدة خزانات مياه سطحية وأحياناً جوفية حفظت مياه الأمطار من التبخر أو التسرب إلى عمق الأرض، وبكل تأكيد فإن الصخور البازلتية تحت الأرض شكلت نظاماً مائياً جوفياً مهماً جداً يسمح بتنقل المياه من خزانات صغيرة إلى أكبر وأعمق.
ومن فوائد الحرة كذلك هو دخول مادة عظيمة للبناء، شكلت هوية حضارية وعلامة فارقة في عموم المنطقة، هي عبارة عن الأحجار البازلتية السوداء الكتيمة التي انتشرت في عموم البيوت والأقواس والأبواب الحجرية والأساسات والأرضيات. وفي منطقة الصفا مثلاً شكلت هذه الصخور السوداء ألواحاً تاريخية للنقوش الكتابية التي أرخت لتاريخ الحرف و اللغة و الكتابة ومنها نقوش شمال-عربية قديمة، سجّل فيها الرعاة والمسافرون أسماءهم وأنسابهم وأدعيتهم وآثار عبورهم؛ ومنها نقش امرئ القيس المحفوظ في اللوفر، المنتمي إلى بيئة حوران البازلتية نفسها تقريباً، لكنه ليس صفائياً ولا ثمودياً، وإنما هو نقش جنائزي عربي مبكر مكتوب بالخط النبطي ومؤرخ بسنة 328 م. ومن الممكن استثمار هذه البيئة الجيولوجية عبر انشاء محمية خاصة تشرح التطورات الطبيعية ومرور البشر عبرها و تأثيرها عليهم و تأثيرهم عليها. مما ينشط السياحة في هذه المنطقة الثرية أصلاً.
الكاتب: فارس الذهبي/ المدن
2026-06-16 || 20:20