أكسيوس: لاريجاني كان يدفع باتجاه مفاوضات سلام مع واشنطن
مجلس الأمن القومي الإيراني ينعى رسمياً رئيسه علي لاريجاني بصحبة ابنه وشخص ثالث. وهو من الشخصيات البارزة التي تدير الدولة وتنسق بين الحرس الثوري والمؤسسة الدينية.
نقل موقع "أكسيوس" عن مصادر مطلعة، أن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني -الذي أعلنت إسرائيل اغتياله- كان ضمن تيار يدفع باتجاه بدء مفاوضات سلام مع واشنطن، في الوقت الذي كان يتجه فيه المعسكر المقابل بقيادة مؤيدي المرشد السابق علي خامنئي -مثل رئيس البرلمان وقائد الحرس الثوري– إلى استمرار الحرب.
"تراجع نفوذ لاريجاني"
ونقل أكسيوس عن مسؤول إسرائيلي، أن لاريجاني "كان أقرب المقربين من علي خامنئي وكان يجب قتله"، لكنه أضاف أن نفوذ لاريجاني تراجع منذ اختيار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً، إذ كان لاريجاني يدعم مرشحين آخرين لهذا المنصب.
كما نقل الموقع عن مسؤولين إسرائيليين أن لاريجاني كان يعد القائد الفعلي لإيران خلال الأيام الـ10 الأولى من الحرب الأميركية-الإسرائيلية على البلاد. وأضاف أن لاريجاني جرى استهدافه داخل شقة آمنة في طهران، كما تم استهداف قائد قوات التعبئة الشعبية في إيران (الباسيج) غلام رضا سليماني مع عدد من كبار مساعديه، داخل مقر مؤقت.
لاريجاني: من الظل إلى مركز القرار
ومع تصاعد المواجهة الإقليمية دخلت إيران مرحلة توتر غير مسبوقة، خصوصاً مع استهداف مواقع حساسة داخل أراضيها، ومقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في ضربة بتاريخ 28 شباط/ فبراير، ثم تعيين ابنه مجتبى خامنئي مرشداً جديداً بدعم من الحرس الثوري، في انتقال سريع ومغلق للسلطة داخل النظام.
وفي هذا السياق، تشير تقارير غربية إلى أن الضربات الإسرائيلية لم تستهدف القدرات العسكرية فقط، بل ركّزت على قلب البنية القيادية، ضمن مسار يهدف إلى إضعاف آليات اتخاذ القرار في طهران.
الضربة التي استهدفت رأس النظام لم تؤدِ إلى انهياره، بل إلى إعادة تشكيله بسرعة. وبحسب وكالة "رويترز"، حافظت بنية الحكم على تماسكها، مع بروز الحرس الثوري كفاعل مركزي، إلى جانب الدفع بشخصيات ذات خبرة مؤسساتية لإدارة المرحلة الانتقالية ومنع الفراغ السياسي.
وفي هذا السياق، برز علي لاريجاني بوصفه أحد أبرز الفاعلين داخل النظام، لا كقائد رسمي، بل كـ"صانع توازن"، وتشير تقارير "رويترز" إلى أنه تحوّل، بعد غياب خامنئي، إلى أحد أهم مراكز النفوذ، مع دور مباشر في تنسيق العلاقة بين الحرس الثوري والمؤسسة الدينية، وإدارة ملفات حساسة تشمل القرار السياسي والاتصالات الخارجية. بهذا المعنى، لم يكن لاريجاني في الواجهة، بل في موقع من يديرها.
تكوين مزدوج: الدين والأمن
ووُلد لاريجاني عام 1958 في النجف، ونشأ في عائلة دينية نافذة، قبل أن ينخرط في الحرس الثوري في بداياته. ومنحه هذا الجمع بين الخلفية الدينية والانخراط الأمني موقعاً نادراً داخل النظام، يجمع بين الشرعية الدينية والخبرة المؤسسية، ويتيح له التحرك بين مراكز القوة المختلفة.
وتُظهر تقارير أن لاريجاني كان من الدائرة القريبة للمرشد علي خامنئي، حيث لعب أدواراً وظيفية في إدارة ملفات حساسة، وكان جزءاً من شبكة القرار داخل النظام، هذا القرب لم يمنحه سلطة مستقلة، لكنه ثبّته كأحد أعمدة "النظام العميق"، القادرين على العمل عبر الأجنحة المختلفة.
مسار واحد: من الإعلام إلى إدارة الأزمة
ولم تكن مسيرة لاريجاني متقطعة، بل جاءت متراكمة ومتصلة عبر مراحل مختلفة داخل بنية النظام، وتدرّج في هرم السلطة الإيرانية عبر مسار مؤسساتي واضح ومتصل، بدأه بعد الثورة من بوابة الحرس الثوري، قبل أن ينتقل إلى العمل الثقافي والإعلامي في الثمانينيات والتسعينيات. وفي عام 1994، تولى رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون، وهو منصب شغله لنحو عقد كامل، لعب خلاله دوراً محورياً في صياغة الخطاب الرسمي وتعزيز موقعه داخل الدائرة المقربة من المرشد.
وعُيّن أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي وكبير المفاوضين في الملف النووي، في عام 2005، حيث قاد جولات تفاوض حساسة مع الغرب قبل أن يستقيل عام 2007 على خلفية خلافات مع الرئيس محمود أحمدي نجاد.
لاحقاً، انتُخب رئيساً للبرلمان بين عامي 2008 و2020، وهي المرحلة التي رسخ خلالها موقعه كوسيط بين التيارات السياسية، وساهم في تمرير الاتفاق النووي داخل المؤسسة التشريعية. وبعد خروجه من رئاسة البرلمان، بقي حاضراً داخل بنية النظام عبر أدوار استشارية وغير معلنة، قبل أن يعود اسمه إلى الواجهة مع اندلاع الأزمة الأخيرة بوصفه أحد أبرز الفاعلين في إدارة التوازنات الداخلية.
هذه الخبرة المركبة والمتداخلة هي ما أهّلته، في لحظة الحرب، ليكون أقرب إلى "مدير أزمة النظام".
حلقة وصل مع الحرس الثوري
ورغم خلفيته داخل الحرس، لم يكن لاريجاني جزءاً من جناحه الأكثر تشدداً، بل شكّل نقطة تقاطع بينه وبين المؤسسات السياسية. هذا الموقع الوسيط جعله قادراً على التواصل مع القيادات الأمنية، وتمرير التفاهمات السياسية، واحتواء التوتر بين الأجنحة، وهو ما يفسر صعود دوره في لحظات الأزمة.
ولم يقتصر دور لاريجاني على الداخل، بل امتد إلى الخارج حيث شارك في إدارة علاقات إيران مع روسيا والصين، وانخرط في قنوات تواصل غير مباشرة مع الغرب، مما جعله أحد الوجوه التي يمكن للنظام استخدامها لإدارة الصراع، لا لتصعيده.
ولا ينتمي لاريجاني إلى التيار الإصلاحي، ولا إلى الخط المتشدد، بل يمثل التيار المحافظ البراغماتي، يدافع عن النظام لكنه يفضّل إدارته لا دفعه نحو التصعيد، هذا الموقع الوسطي جعله مقبولاً من أطراف متعددة، دون أن يكون ممثلاً حصرياً لأي منها.
الحرب: صعود الدور ثم الاستهداف
ومع اندلاع الحرب ومقتل خامنئي، توسّع دور لاريجاني، وبات من بين الشخصيات التي تدير الدولة فعلياً في ظل إعادة ترتيب مراكز القوة. لكن هذا الدور نفسه جعله هدفاً.
ففي أحدث التطورات، أعلنت إسرائيل مقتل علي لاريجاني، ضمن عمليات تستهدف قيادات داخل بنية النظام، فيما لم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي إيراني مستقل بشأن مقتله.
ولا يرتبط استهدافه بمنصب رسمي، بل بوظيفته داخل النظام، سيما أنه كان يربط بين الحرس والمؤسسة الدينية، ويدير قنوات التفاوض، وينسّق القرار السياسي في لحظة فراغ. بمعنى آخر لم يكن رجل سلطة… بل نقطة تماسكها.
حدود القوة: نفوذ بلا حماية
رغم موقعه داخل بنية النظام، ظلّ علي لاريجاني يفتقر إلى أدوات القوة الصلبة، فلم يمتلك قاعدة عسكرية خاصة، ولا حضوراً شعبياً واسعاً، واعتمد أساساً على قدرته في إدارة التوازنات بين مراكز النفوذ.
هذه الخصائص جعلته فاعلاً مؤثراً في الداخل، لكنها في الوقت ذاته أبقته في موقع هش أمام الاستهداف الخارجي. وفي هذا السياق، تكشف تجربته أن استمرارية النظام الإيراني لا تقوم فقط على القوة المباشرة، بل على شخصيات قادرة على ضبط التوازنات المعقدة بين أجنحته. ولم يكن لاريجاني منافساً على السلطة بقدر ما كان أداة لتنظيمها.
المصدر: المدن
2026-03-17 || 23:07