وليد دقة: بائع التذاكر.. قصة شعب
صدر عن دار الآداب كتاب "بائع التذاكر" الذي يتناول سيرة الأسير الفلسطيني وليد دقة ومسيرته داخل السجون الإسرائيلية.
«أنا بائع التذاكر ذاك، على الرغم من أنني ما زلت قابعاً في كُشكي أمارس الوظيفة ذاتها من خلف شبّاك أوسع، أعترف أنني ما عدت أجيد قراءة الوجوه، ولا أعرف وجهة المسافرين وغايتهم، أنا في الحقيقة، لا أذكر شيئاً في الدنيا غير المسافرين».
إنه وليد دقة، الأسير المناضل، المثقف الشهيد، الذي صدر له سيرة ذاتية «بائع التذاكر- رياحين الشباب بين مفاصل صخر الدولة العبرية» (دار الآداب).
وكلمة حق لدارة الآداب التي ما زالت تنير دربنا، كفلسطينيين وعرب، بمنتجات الأسرى الأدبية، وهي تقود مغامرة وطنية بعيداً عن كل حسابات الربح والخسارة وما يطلبه السوق.
هذه السيرة، التي تلقفها عبد الرحيم الشيخ رويداً، رويداً، من أقبية سجون الاحتلال الإسرائيلي حتى أصبحت سيرة تتلى بين دفتي كتاب، أصدرتها الدار العريقة، دار الآداب.
في نهاية السيرة يوضح الشيخ، عملية جمع هذه المادة الحية، في سيرة، لأسير عاش في ثلاث جغرافيات على أرض فلسطين؛ الهامش المستعمري في قرية باقة الغربية التي نشأ فيها؛ والمركز الاستعماري في تل أبيب التي عمل فيها؛ والأسر الصهيوني.
نشأة وليد دقة
في باقة الغربية، نتعرف على وليد الفتي الفلسطيني الذي شاهد ظلم الصهيونية، وهي تستولي على الأرض، فجده كان فلاحاً، «جدي الذي ينكش الأرض من شروق الشمس حتى مغيبها ليمنحها وجهاً جديداً... كان يحاول أن يثبت ملكيته للأرض بعد أن فقدنا الوطن، فصار النكش لنا صناعة هوية».
في باقة الغربية، احتك بالصهيونية، شاهد الجرافة الإسرائيلية تدوس محصول البطيخ لجده... فكانت ردة فعله وهو فتى أن يبول على بركة مياه شلومو فرانك، المسيطر على الأرض، والذي أمر بدوس البطيخ...
والده نمر دقة، الذي عمل بحكم الواقع مع اليهودي مايير سايبر في التجارة، لم يجد هذا المحتل الصهيوني أحداً يأتمنه على زوجته وأطفاله وماله، إلا نمر والد وليد. ذهب سايبر ليقاتل في حرب 1973، وترك وصيته، وعاد بعد عام ونصف، ليتسلم كل شيء، وعندما أصبح سايبر في منصب مهم في التجارة في الحكومة، عرض على نمر، عقداً احتكارياً، رفض نمر عرضه «الآن بهذه الوكالة تحولني من نمر الإنسان إلى نمر المتعاون معكم».
كان الحدث المفصلي الذي حول وليد دقة إلى مناضل في صفوف الجبهة الشعبية، مجزرة صبرا وشاتيلا، وهو لم يتجاوز العشرين، فكانت حدثاً مؤسساً لهويته الوطنية «أنا لست مناضلاً أو سياسياً مع سبق الإصرار والترصد، بل أنا ببساطة كنت من الممكن أن أكمل حياتي ...إلى أن شاهدت ما شاهدت من فظائع حرب لبنان وما أعقبها من مذابح صبرا وشاتيلا... خلقت في نفسي ذهولاً وصدمة».
... لم يغتر بالعمل في تل أبيب، ولم تطحنه اللغة العبرية حيث كانت له زوجة الأب، بينما كانت العربية أمه، «لم تكن أقوى من الواقع، للحد الذي يجعلني أتبنى الرواية الصهيونية... فالرواية الفلسطينية تكتب كل يوم على جسدك، ويعاد تذكيرك بها، من خلال المواقف العنصرية التي تصادفها في الشارع، وحافلة المسافرين، وشاطئ البحر، وحتى إن أجدت لغتهم أكثر من المهاجرين الروس والأثيوبيين».
تعرفنا هذه السيرة على وليد دقة الإنسان، الذي يلتقي إنسانياً مع اليهود المهمشين... وفي السجن لم يتخل عن إنسانيته، التي أصبحت أكثر شفافية وكثافة... فلم تغيره قسوة السجان، والعزل الانفرادي، والجوع، والضرب... في كل قطعة من هذه السيرة معنى وطنياً، وإنسانياً وصدقاً، وشجاعة ....
وربما لن تسعفني بضع سطور للتعبير عما غيرته هذه السيرة في حدود معرفتنا، عن «الزمن الموازي»، للأسير في السجن «نحن الزمن الذي يتصارع مع المكان، وفي حالة تناقض داخلي معه... لقد أصبحنا وحدات زمننا... نحن نعرف كيف نحدد الساعة واليوم والتاريخ، وفقاً لوحداتكم الزمنية، لكنها وحدات غير مستخدمة، وإنما المستخدم هو أنه منذ كذا يوم جاء فلان أو قبل أو بعد تحرر فلان».
في هذا الزمن الموازي، الذي طغى على الزمن العادي، يلتقي وليد دقة بأسير في مركبة السجن، بمعتقل ممن يعرف أشقاءه، الذين يزورونه باستمرار، وعندما ذكر له أسماء أشقائه، آلمه أن أشقائه لم يذكروا له أن لديهم شقيقاً سابعاً في السجن... «في هذه اللحظة، أحسست أني غير موجود، وكأنني وهم كنت أتخيله... الحادثة نبهتني أن للذاكرة عمراً، وعمر سنوات سجني، أطول من قدرة الأهل على الاستيعاب».
وليد دقة: المثقف والمناضل داخل السجن
في السجن الذي أدخل إليه بتهمة خطف وقتل جندي إسرائيلي، يمارس دوره كمثقف ووطني أصيل على مدار 38 عاماً، عبر استقبال أجيال من المعتقلين، في نضال الحفاظ على الهوية الفلسطينية، والتثقيف السياسي، وتمثيل الأسرى في لجان الأسر لتحصيل حقوقهم، وتقديم التماسات قانونية للأسرى للمحاكم، وصولاً لجمع تبرعات لتوكيل محامين، والتخطيط لإضرابات عن الطعام، والكتابة... «مئات آلاف الأسرى مرّوا في السجون، وأنا وأقراني الذين لم يحالفهم الحظ... كنّا أشبه بمن كنت قد شبهتهم، بـ«بائع التذاكر» في محطة قطارات ضخمة، يأتي جيل، ويذهب جيل، وأنا أكرر الكلمات نفسها، أبيع التذكرة نفسها... إنه التكرار أو هي علكة بغل وطني عنيد، أو هي ربما تعلم البغلنة، بالصبر، لأن اليأس ظل رفاهية لا أملكها».
الأنثى في حياة وليد دقة، هي الأم، الزوجة، الابنة. فريدة، والدة وليد، التي ناضلت معه، عبر الزيارات المتكررة، للسجن لحاجيات لا تقتصر على وليد، بل على رفاقه في السجن أيضاً، وفي إحدى المرّات، وعلى حين غرّة، يتم نقله إلى سجن آخر عبر مركبة، يشاهد والدته، وهي على بوابة السجن وقد حملت معها الأغراض، يناديها... كان مشهداً ندم عليه، لكننا في هذا المشهد سنعيش مع امرأة «خلعت حذاءها وركضت بكل قوتها، وهي تحاول اللحاق بها ...فبدت كأنها لبوة خطفوا منها أشبالها، فاستشرست».
فريدة كما يصفها وليد على الدين الفطري، لا تميز في المعاملة بين المسلم والمسيحي، فوليد هو اسم شاب مسيحي صديق للعائلة، قبل أن يطلق هذا الاسم على ولدها تيمناً به. فريدة لعبت دوراً أساسياً في إضراب العام 1992 عبر نقل الرسائل إلى الجهات المختلفة تحضيراً لإضراب جماعي في كل السجون، مهما كانت الرحلة طويلة ومتعبة.
سناء التي ارتبطت به، وهو أسير محكوم بالسجن المؤبد، فهي كما نساء الأسرى «البطلات وعملاقات الصبر الحقيقيات هنّ زوجات الأسرى وليس الأسرى، وسناء في نظري، ونظر الكثيرين بطلة مرتين، مرة حين اختارت أسيراً ومرة بصبرها، أكثر من ربع قرن وهي تنتظر عند بوابات السجون».
قصة عقد القران، لا تقل غرابة، عن رغبة سناء بالزواج به، فقد تم نقله إلى عزل انفرادي إلى سجن آخر، في فجر يوم عقد القران...
ميلاد بعد سنوات طويلة من الأسر
قرروا الإنجاب، وتم تقديم طلب للخلوة الشرعية، لكن طلبهم رفض لسنوات طويلة، «قررنا أن نستعين بتكنولوجيا زراعة النطف... استغرقني بعض الوقت لإدرك أنني سأصبح أباً بعد ثلاثة وعشرين عاماً من زواجي، وبعد أن أمضيت أربعاً وثلاثين عاماً في الأسر».
ليس في ثنايا هذه السيرة، إلا معاني الصمود، والحقيقة الشفافة والإنسانية، والمسؤولية، ابتداء من العائلة، والأسرى، والوطن، والمجتمع، وحتى السلطة وتخليها عن الأسرى...
ولدت ابنته «ميلاد»، وولد الأمل لديه، لكنه أمل يراه الصهاينة خطيراً، في رسالة وطنية لكل معاني الصمود والأمل، في ختام سيرته مع «ميلاد» «هم يصنعون الموت وأنا أصنع الحياة»... وفي حقيقة واجهتها وعبَّرت عنها ميلاد بلسان الطفلة، في ثنايا كلمات وليد «إن في هذه الحياة خطراً يهدد أمن الدولة... ملفي في الشاباك، وجاء فيه، أن التقاء زمن أمي بزمن أبي الموازي مؤامرة تهدد أمن دولة العرق واستقرارها، وأنهم يحذرون من هذا اللقاء»....
ولدت ميلاد، وغادر وليد بعد أربع سنوات، في يوم أحد 7 نيسان (أبريل) 2024 داخل مستشفى آساف هروفيه الإسرائيلي إثر تدهور حالته الصحية. وجاء استشهاده قبل قرابة سنة من موعد انتهاء محكوميته الأخيرة.
«لأنني صنعت لي نفقاً من الكلمات، أو قبواً هربت منه خمر سنوات عمري معتَّقاً بالتجربة، فهم يخشون الجملة التي قد شحذتها سنوات السجن حتى صارت سيفاً، أو كتاباً، إن أمة الكتاب تخشى الكتاب».
المصدر: الأخبار
2026-06-19 || 20:10