وفد ترامب: جئنا إلى إسرائيل لمنع نتنياهو من عرقلة خطة غزة
كتبت ليزا روزوفسكي في صحيفة هآرتس، مقالاً حول زيارة وفد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إسرائيل، ومهمته التي تمثلت في منع نتنياهو من عرقلة المرحلة الثانية من خطة ترامب في غـزة، وأبرزها فتح معبر رفح وإدخال لجنة غزة إلى القطاع.
لم يمر كل شيء كما خطط له الأمريكيون في احتفال التوقيع على ميثاق مجلس السلام الخميس الماضي في دافوس. إن كثرة زعماء دول الكتلة الشيوعية والاتحاد السوفييتي السابق، أفضت إلى نكت لاذعة على أنه لم يبق سوى فلاديمير بوتين ليعلن عن إعادة تأسيس الاتحاد السوفييتي. الحلم الرأسمالي ما بعد جهنم الذي طرحه جاريد كوشنر بخصوص قطاع غزة، مع ناطحات سحاب وتوظيف كامل وموانئ ومطارات داخل “محيط أمني” تسيطر عليه إسرائيل، لا يبدو حلماً مقنعاً. ولكن الاحتفالات انتهت الآن، وبدأ العمل الشاق، وهناك من يقولون – يستمر.
هدف مجلس السلام، بصورة أدق اللجنة التنفيذية لقطاع غزة وممثلها الأعلى نيكولاي ملادينوف، سيكون إزالة أكبر قدر ممكن من القيود التي تفرضها إسرائيل على إدخال المساعدات الإنسانية والمعدات اللازمة لإعادة الحياة الأساسية، وذلك بهدف تخفيف معاناة سكان غزة الذين يعانون البرد الشديد والرياح الشديدة، ويغرقون في مياه الفيضانات التي تغرق خيامهم، في أسرع وقت ممكن. وهناك أيضاً دافع سياسي وراء ذلك؛ فلجنة التكنوقراط الفلسطينية التي بدأت في قطاع غزة رغم أن أعضاءها لم يدخلوا إليه بعد، بحاجة إلى ثقة السكان هناك.
هم لا يستطيعون المجيء إلى قطاع غزة “بيد فارغة” وبدون تحقيق إنجازات ملموسة، التي أهمها فتح معبر رفح، ويبدو أن الأمور تسير باتجاه ذلك رغم التأخير والمماطلة من قبل نتنياهو. من جهة، يسود اعتقاد بأن نتنياهو لا يستطيع سياسياً وعلنياً فتح المعبر، وبالتالي إرسال إشارة واضحة لحماس والرأي العام في إسرائيل وشريكيه بن غفير وسموتريتش بأن هناك “عودة إلى الوضع الطبيعي” بعد سنتين من الحرب الدموية. ومن جهة أخرى، لا يمكنه رفض طلب الأمريكيين بعد الإعلان عن فتح المعبر بحضورهم وتحت رعايتهم. معقول الافتراض أن وصول كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف إلى إسرائيل مساء أمس بعد عودتهما مباشرة من المفاوضات مع الروس والأوكرانيين في أبو ظبي، ليس إلا زيارة خاطفة أخرى من أجل “حماية” الوضع، وقطع أي طريق للهرب قد يكون نتنياهو أعدها لنفسه.
معبر رفح بمجرد افتتاحة سيخصص لعبور الأشخاص فقط
لكن معبر رفح مع أهميته الرمزية والعملية هو جزء صغير في الصورة الكبيرة. ورغم أن المعبر أعدّ لدخول البضائع والمساعدات، فمجرد افتتاحه سيخصص لعبور الأشخاص فقط، ومن المرجح أنه سيقيد في الاتجاهين جداً؛ من الخارج وفقاً لسياسة مصر، ومن الداخل وفقاً لسياسة إسرائيل. والهدف الرئيسي الذي يواجه ملادينوف الذي سيزور مركز التنسيق المدني – العسكري في “كريات غات” للمرة الأولى هذا الأسبوع ويلتقي بممثلين عن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بقيادة منسق أعمال الحكومة في المناطق، هو توسيع نطاق المساعدات والمواد التي تدخل إلى قطاع غزة بدرجة كبيرة.
وتصمم المؤسسة الأمنية على تفتيش كل الشاحنات الداخلة إلى غزة بنفس مستوى الدقة. فعلى سبيل المثال، يتم الزعم بأن المعايير المطبقة على الخيام التي تجلبها منظمات الأمم المتحدة ودول مثل الإمارات ومصر، متشابهة، لكن ممثلي المجتمع الإنساني ومصادر أخرى مطلعة تحدثت لصحيفة “هـآرتس” شككوا في ذلك. لقد ألقى ملادينوف كلمة في احتفال إطلاق مجلس السلام في دافوس الأسبوع الماضي، وقال إن الهدف الرئيسي هو توسيع نطاق المساعدات والمعدات التي تدخل إلى قطاع غزة.
في كل الحالات، يبدو أن الصبر إزاء قياس سمك قضبان الحديد التي تحمل الخيام سيكون قصيراً جداً في الجهاز التنفيذي لمجلس السلام مقارنة مع الصبر الذي أظهره الممثلون الأمريكيون حتى الآن في مركز التنسيق في “كريات غات”. هل سيتم تخفيف معايير منسق أعمال الحكومة في المناطق مع وصول ملادينوف إلى المدينة؟ الحديث لا يدور عن شخص جديد في الحي، بل عن شخص مطلع جيداً على الآليات الإسرائيلية وبحماسة، ومصمم على عدم السماح لأي طرف بالتلاعب به. إن ما هو موجود على المحك هو قدرة حكومة التكنوقراط على العمل في غزة، وهو شرط أساسي لإحراز تقدم في خطة ترامب.
يبحثون عن رجال شرطة
حتى لو نجح مجلس السلام في منع نتنياهو والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية من إيصال المساعدات والمواد إلى غزة، ما سيسمح للجنة التكنوقراط بالبدء في إعمار القطاع، فإن معضلة تشكيل قوة مسلحة بديلة لحماس تبقى على حالها.
قبل سنة ونصف، في إطار مساعي إدارة بايدن للبدء بشكل أحادي في “مرحلة ما بعد”، بدأ 2000 شرطي فلسطيني من الضفة الغربية في التدرب في الأردن تمهيداً لدخولهم إلى غزة للحفاظ على النظام. كانت الخطة تهدف إلى تجنيد 10 آلاف شرطي من الضفة الغربية، لكنها واجهت صعوبة، يبدو بسبب افتقار رجال الشرطة من الضفة الغربية إلى حافز المخاطرة بحياتهم في غزة. وما كان من المفروض أن يزيد من رغبتهم في الخدمة في القطاع وعددهم، هو الحصول على راتب كامل وليس على جزء منه، مثلما يحصل موظفو السلطة الفلسطينية منذ 2021 حسب معطيات الأمم المتحدة. التأخيرات والتخفيضات في رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، بما في ذلك ضباط الشرطة، تفاقمت في ظل سياسة وزير المالية سموتريتش منذ 7 تشرين الأول 2023، التي تتمثل في مصادرة أموال الضرائب.
موظف أمريكي سابق كان مشاركاً في عملية تجنيد واختيار رجال الشرطة الفلسطينيين، قال للصحيفة إن جميع رجال الشرطة الفلسطينية الذين أرسلوا للتدرب من أجل الخدمة في غزة، مروا بعملية غربلة مشددة، سواء من قبل جهاز الأمن الإسرائيلي أو من قبل الولايات المتحدة، ومن قبل الأردن أيضاً. وقال أيضاً بأنه حتى الآن، من غير المعروف إذا كان التمويل الذي كان سيضمن لرجال الشرطة هؤلاء راتباً كاملاً وامتيازات أخرى، قد تم توفيره. ويبدو أن السلطة الفلسطينية ما زالت عاجزة عن الدفع في ظل غياب ضمانات واضحة للتمويل من مصادر أخرى (مثل الدول الأعضاء في مجلس السلام).
في كل الحالات، يمثل الـ 2000 شرطي عُشر الهدف الذي حدده مجلس السلام: 20 ألف شرطي فلسطيني من المفروض أن يجند نصفهم تقريباً من غزة نفسها وحصلوا على التدريب خارجها ثم يعودون، ويأتي النصف الآخر من الضفة الغربية. وحسب مصدر مطلع على التنسيق الأمني، فإن شروط دخول رجال الشرطة هؤلاء إلى القطاع هي مرافقتهم لقوة الاستقرار الدولية. ومعروف أن هذه القوة لم يتم تشكيلها حتى الآن بسبب خوف الدول التي قد ترسل جنودها، على سلامتهم. إضافة إلى ذلك، هناك حق نقض إسرائيلي على دخول القوات التركية إلى القطاع. ومصر التي تحظى بثقة السكان وتعرف القطاع جيداً، لا تحظى أيضاً بثقة الطرف الإسرائيلي. فحسب هذا المصدر، يقدر أن إسرائيل ترى أن مصر قد غضت النظر لسنوات عن تهريب السلاح إلى حماس من شبه جزيرة سيناء.
كل ذلك يؤدي إلى وضع يبدو ظاهراً وكأنه طريق مسدود. سيتعين على لجنة التكنوقراط، بالتعاون مع ملادينوف وبمساعدة ضغط صغير من واشنطن، أن تثبت بأن هذه متاهة يمكن الخروج منها.
المصدر: هآرتس
2026-01-25 || 18:53