هـآرتـس: الــدخــول إلى رفـــح بأســرع وقــت ممـكــن
يُناقش المؤرخ الإسرائيلي داني أورباخ جدوى دخول الجيش الإسرائيلي إلى مدينة رفح في قطاع غزة، ويرى أنه على الرغم من المخاطر والانتقادات، إلا أن هذا الخيار هو الأمل الوحيد لتحرير المخطوفين الإسرائيليين ومنع سيطرة الحركة على القطاع مرة أخرى.
في هذه الأيام، في الوقت الذي فيه "كابنيت" الحرب متردد بين صفقة تبادل جديدة ودخول عسكري كثيف إلى رفح، فإن منتقدين كثيرين يقولون، إن اقتحام رفح هو خطوة ليس لها أي جدوى أو فائدة وستكلف الكثير من الضحايا وستتسبب بعزلة دولية وقطيعة مع الولايات المتحدة، ولن تفيد بأي شيء، خاصة عندما لا تضع الحكومة خطة لليوم التالي في غزة. ورغم أنني أشارك في انتقاد الحكومة فيما يتعلق بفشلها في التخطيط السياسي، إلا أنه يصعب عليّ أكثر الموافقة على الادعاءات حول عدم الجدوى العسكرية في دخول رفح. هذا بالطبع على فرض أننا ما زلنا معنيين بمنع إعادة إقامة دولة "حماس" في قطاع غزة.
الحجة الأولى التي يتم طرحها ضد دخول رفح هي أنها لا تساوي ثمنها، على فرض أننا دمرنا 18 كتيبة لـ"حماس" فما الذي سيتغير إذا قمنا بتدمير 4 كتائب أخرى؟ لأنه في ظل غياب خطة سياسية لـ"اليوم التالي" ستسارع هذه المنظمة الإرهابية إلى تنظيم نفسها من جديد في المناطق التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي. ولكن المنتقدين الذين يطرحون هذه الحجة يخطئون في عدم معرفة التجربة التاريخية. في الماضي، منظمات الإرهاب التي نجحت في أن تعيد تنظيم نفسها بعد هجوم ساحق فعلت ذلك تقريبا دائما عندما كانت لها "منطقة حرة" من اجل التمركز فيها. على الأغلب الحديث يدور عن منطقة توجد بجانب خط حدودي صديق، من هناك يمكن تلقي التموين والسلاح وربما أيضا الجنود، وبالأساس حصانة من الهجوم.
في حرب فيتنام مثلا، كان يمكن للفيتكونغ النهوض بعد الهجمات الأميركية بسبب مناطق اللجوء الآمنة "نسبيا" لهم التي توجد وراء الحدود في شمال فيتنام، وبفضل توفير السلاح والمعدات بشكل دائم من الصين والاتحاد السوفييتي سابقا. في أفغانستان، نجحت طالبان في إنهاك الأميركيين رغم قوتهم الزائدة لأنه كانت لهم ملاجئ آمنة في باكستان. و"داعش" عاد ونهض في العراق بفضل مناطق الحرام التي أوجدتها الحرب الأهلية في سورية. ولكن "حماس" لا توجد لها مناطق آمنة خلف الحدود، لكن يوجد لها مسار تهريب من مصر عبر محور فيلادلفيا. وإذا منحنا "حماس" مدينة لجوء في رفح فإن ذلك سيسهل عليها السيطرة مرة أخرى على القطاع بمساعدة الكتائب المنظمة التي بقيت لها. ولكن إذا قطعنا أنبوب تزويدها في معبر رفح وفي محور فيلادلفيا فهي ستجد صعوبة في جبي الضرائب على البضائع والسيطرة على المساعدات وتهريب السلاح، وبالتالي التمدد بكونها جهازا حاكما منظما إلى مناطق أخرى في القطاع.
الحجة الثانية التي يتم طرحها بشكل عام في هذا السياق هي أن الضغط العسكري على "حماس" لن يجعلها تقوم بإطلاق سراح المخطوفين، بل العكس، هي ستتشدد في طلباتها. ربما هنا أيضا الدلائل تظهر شيئا آخر. الصفقة السابقة مع "حماس" في 25 تشرين الثاني حتى 1 كانون الأول 2023 كانت في ذروة الضغط العسكري من قبل إسرائيل. في تلك الفترة كانت "حماس" مستعدة للتنازل عن طلبها الأساسي وهو وقف الحرب تماما، ووافقت على إطلاق سراح حوالي نصف المخطوفين مقابل هدنة مؤقتة لم تضر بأهداف الحرب لإسرائيل. منذ كانون الثاني، تضاءل الضغط العسكري بالتدريج إلى أن توقف بالفعل. والآن، في الأسبوع الأخير، منذ اللحظة التي تحول فيها تهديد إسرائيل باقتحام رفح إلى تهديد فوري وموثوق فإن خطوات "حماس" بدأت تشير إلى ضغط آخذ في التزايد.
على سبيل المثال، "حماس" قامت بنشر أفلام لمخطوفين، وأيضا قامت بإرسال نائب يحيى السنوار، خليل الحية، من اجل إجراء مقابلة مع وسائل الإعلام الغربية والتظاهر بأن "حماس" مستعدة للاعتراف بحل الدولتين ونزع سلاحها بعد إقامة الدولة الفلسطينية. أيضا الوسطاء المصريون بدأوا في زيادة الضغط على "حماس" من اجل التوصل إلى الصفقة. إذا كان هذا هو الوضع قبل دخول رفح فما الذي سيحدث بعد دخولنا والبدء في تدمير أنفاق التهريب المهمة لـ"حماس" وقطع أنبوب الأكسجين عنها من الحدود؟
إذا كانت "حماس" تعمل الآن بشكل مختلف فإن هذا يعتبر إشارة على أن تهديدا موثوقا بضغط عسكري بالذات يؤثر عليها. والدخول إلى المدينة في جنوب القطاع سيعرض للخطر وبحق المخطوفين، لكن للمفارقة، هو الأمل الوحيد لتحرير على الأقل عدد منهم دون الحاجة إلى دفع الثمن باستئناف حكم "حماس" في كل القطاع.
وحسب الحجة الثالثة، نحن سندفع ثمنا دوليا باهظا، وستتم إدانتنا من قبل المجتمع الدولي إذا تجرأنا على دخول رفح. ولكن الضرر الأساسي لنا كان بسبب مجرد الحرب في غزة، وليس بسبب دخول منطقة معينة. وبصفتي مؤرخا عسكريا يمكنني القول، إن الحروب الكثيفة تؤدي دائما تقريبا إلى الدمار والقتل الجماعي للسكان المحليين. هكذا الأمر أيضا في غزة رغم وسائل الحذر غير المسبوقة التي يتخذها الجيش الإسرائيلي. وتكفي الإشارة إلى أنه بعد الغزو النورمندي تسببت جيوش الحلفاء بآلاف الخسائر في أوساط مواطني فرنسا، حلفائهم، لا توجد حاجة لقول أعدائهم الألمان، وهكذا كان الأمر أيضا في الحروب في كوريا وفي فيتنام وفي أفغانستان وفي العراق. أيضا لو دققنا أكثر في قوانين الحرب والطابع الحضري للمعركة في غزة واستخدام "حماس" لمنشآت مدنية والحاجة إلى القتال ضد الأنفاق، فإن كل ذلك بالضرورة سينعكس بعدد لا نهائي من الصور الفظيعة في الشبكات الاجتماعية.
ضرورة دخول رفح
لا يمكن المحاربة في غزة بدون دفع ثمن دولي، سواء قمنا باقتحام رفح أم لا. لكن إذا امتنعنا عن فعل ذلك وسمحنا لـ"حماس" بأن تنهض فسيتبين أننا دفعنا هذا الثمن عبثا. سنأكل السمك المتعفن المتمثل بالعزل وأيضا سيتم طردنا من المدينة ومن كل القطاع.
بسبب كل ذلك فإن إسرائيل يجب أن تدخل إلى رفح في أسرع وقت ممكن، وأن تقطع أنبوب تزويد "حماس" من مصر، وتدمر أنفاق التهريب الاستراتيجية التي توجد تحت محور فيلادلفينا وتقوم بتحرير المخطوفين إذا استطاعت. في الوقت نفسه، يجب مواصلة الاتصالات من اجل عقد صفقة، لكن من موقف قوة، الذي فقط الضغط العسكري الحقيقي يمكن أن يعطينا إياه. بالأساس نحن بحاجة إلى الصبر وطول النفس كما يوجد لأعدائنا. وبدون ذلك يصعب علينا العيش في منطقة الشرق الأوسط.
الكاتب: داني أورباخ/ هآرتس
2024-05-02 || 11:40