هـآرتـس: تـخـفـيـض الـتـوتـر مصلحـة إيـرانـيـة
يُناقش الدبلوماسي الإسرائيلي السابق تسفي برئيل التوترات المتزايدة في الشرق الأوسط بعد الهجوم الإيراني على إسرائيل، ويُشير إلى احتمالية انضمام العراق إلى تحالف عسكري بقيادة الولايات المتحدة ضد إيران بعد أن كان الاتفاق على انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وتُحاول إيران إقناع جيرانها بأن الهجوم كان عملية "دفاعية" مشروعة رداً على غارة إسرائيلية على قنصليتها.
التقى رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، أمس (أول من أمس) مع الرئيس الأميركي جو بايدن. لكن إذا كان يعتقد أن أساس اللقاء سيتناول ترتيب الانسحاب الأميركي من العراق فان هجوم إيران على إسرائيل وفر لهما مادة جديدة للنقاش. حسب تقارير في وسائل الأعلام العربية فان العراق، الذي أبلغته إيران مسبقا عن نية الهجوم، أوضح لها بأنه يعارض اختراق مجاله الجوي وسيعتبره خرقا لسيادته. وكما هو متوقع فان إيران، التي تعتبر العراق (مثلما في سورية) جزءا من ساحة اللعب الخاصة لها في الشرق الأوسط، لم تتأثر حقا.
قواعد المواجه مع أمريكا يمكن أن تتغير
لا يوجد أي شك بأن قضية العراق شغلت متخذي القرارات في إيران، الذين انتظروا أسبوعين تقريبا قبل بدء الهجوم. أيضا الردود المتوقعة من بعض الدول العربية، لا سيما دول الخليج التي علاقاتها حظيت بالتحسن مع ايران، كانت جزءا من منظومة اعتبارات ايران، بدرجة لا تقل عن الخوف من الرد الإسرائيلي والأميركي المحتمل.
قائد قوة القدس إسماعيل قاءاني مثلا جاء الى بغداد في شهر شباط كي يعطي الأوامر للمليشيات الشيعية الموالية لإيران من اجل تجميد هجماتها على الأهداف الأميركية بعد أن ضربت في نهاية كانون الثاني قاعدة أميركية في الأردن. ردت الولايات المتحدة على ذلك بقصف قواعد لمليشيا حزب الله العراق، وفي الوقت نفسه أرسلت رسالة شديدة لإيران، وصلت الى درجة التهديد بالمس بأهداف في داخل ايران. في طهران أدركوا أن قواعد المواجهة مع الولايات المتحدة يمكن أن تتغير، والرد كان وفقا ذلك. بعد مهاجمة لأشهر كثيرة قواعد أميركية في الشرق الأوسط بالصواريخ والمسيرات أكثر من 180 مرة، فانه منذ 4 شباط الماضي لم تتم هناك مهاجمة أي هدف أميركي.
التهديد الأمريكي
أوضحت إيران والمليشيات في العراق ضبط النفس بأنها لا تريد المس بالمفاوضات التي تجري بين بغداد وواشنطن بصورة يمكن أن تؤخر انسحاب الـ 2000 جندي أميركي من العراق. وسواء كانت قضية الانسحاب الأميركي هي السبب الأساسي لوقف إطلاق النار، أو أن السبب هو التهديد الأميركي هو الذي اقنع إيران، فان هجوم إيران حطم الادعاء الرسمي والعلني الذي يقول إن إيران لا تملي على مبعوثيها كيفية العمل، وأن كل ذراع من أذرعها في الخارج، في اليمن والعراق ولبنان، يعمل بشكل مستقل حسب الظروف والفرص التي تسنح له في كل دولة من هذه الدول.
تحالف عسكري
حتى الآن من غير الواضح كيف سيؤثر هجوم إيران على قرارات الولايات المتحدة والعراق حول قضية الانسحاب الأميركي، حيث أن الأمر يتعلق أيضا بقرار سياسي عراقي داخلي. لكن عندما تطمح الولايات المتحدة الى إقامة تحالف عسكري كنوع من حلف الناتو في الشرق الأوسط، فربما أن العراق سيخرج عن موقفه المحايد وسينضم الى هذا التحالف إذا تم تشكيله.
إذا نجح الرئيس الأميركي في إقناع السوداني بالانضمام الى دول الخليج الأخرى الموالية لأميركا فان هذا يمكن أن يكون ضربة استراتيجية شديدة للنظام في إيران. من هنا تأتي حاجة إيران الى العودة في الوقت القريب الى استراتيجية "التشغيل عن بعد" لوكلائها، التي وفرت لها حتى الهجوم الأخير الحصانة من المس المباشر، ومن هنا تأتي رغبتها في أن تزيل عنها صورة التهديد الإقليمي.
عملية شرعية
من اجل ذلك فان إيران تعمل على إقناع بالأساس الدول الجارة العربية بأن الأمر يتعلق ليس فقط بحدث لمرة واحدة، والذي استمراره يرتبط الآن بإسرائيل، بل بالأساس بعملية شرعية تستند الى حقها في الدفاع عن نفسها بعد أن قامت إسرائيل بضرب القنصلية الإيرانية في دمشق، التي تعتبر أرضا سيادية إيرانية.
إضافة الى ذلك وزير الخارجية الإيراني قال إن دولته أبلغت مسبقا، وأوضح بأنها ستعمل بشكل محسوب بحيث لا تجر المنطقة الى حرب شاملة. أيضا جهات في النظام وفي الجيش وفي حرس الثورة أكدت في هذا الأسبوع في الاحاطات بأن إيران استخدمت فقط جزءا صغيرا من منظومة الصواريخ والمسيرات لديها، وأنه تم توجيهها بشكل دقيق الى أهداف عسكرية. وأضافت الجهات بأنه إذا عملت إسرائيل ضد إيران مرة أخرى فمن المحتمل أن تتعرض لرد أقوى بكثير.
معضلة السعودية وأتحاد الإمارات
إيران أبلغت السعودية واتحاد الأمارات وعدد من الدول الجارة الأخرى بنيتها وعن حجم العملية المتوقعة. وحسب "وول ستريت جورنال" فان هذه الدول وافقت على أرسال معلومات حيوية عن استعداد إيران حتى قبل أن تبلغ هي نفسها. وبذلك فقد ساعدت على أعداد تنسيق للعمليات العسكرية التي أفشلت جزءا كبيرا من الهجوم. لكن من الجدير الانتباه الى أنه، حسب الصحيفة، كانت حاجة الى ضغط أميركي على هؤلاء الحلفاء قبل موافقتهم على إعطاء المعلومات والانضمام للجهود الحربية، التي شملت ضمن أمور أخرى فتح مجالاتها الجوية أمام الطائرات الأميركية وربما الإسرائيلية أيضا.
معضلة السعودية واتحاد الأمارات غير سهلة. توجد للدولتين علاقات وثيقة مع إيران، وقد تبنت في السنوات الأخيرة استراتيجية جديدة تفضل من خلالها وجود علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع إيران بدلا من المواجهة. إضافة الى ذلك هذه الدول، رغم علاقاتها الجديدة الرسمية وغير الرسمية مع إسرائيل، لا تريد أن تعتبر كمن ساعدت إسرائيل في الوقت الذي تدير فيه الأخيرة معركة وحشية جدا ضد الفلسطينيين. لكن مشكوك فيه إذا كانت مصالح إسرائيل هي التي وجهت قرارات هذه الدول، أو أنه فقط علاقاتها الجيدة مع واشنطن هي التي رجحت الكفة.
إيران كدولة وحيدة
يوجد لهاتين الدولتين تاريخ قريب من المواجهة القاسية مع إيران، وهي تقلق من أن "استراتيجية الاحتضان" مع طهران يمكن ألا تكون كافية لمنع هجوم مشابه عليهما. في الوقت نفسه إيران التي تعمل على الدفع قدما بعلاقاتها مع جيرانها وضعت تحسين علاقات الجيرة مع الدول العربية على رأس سلم أولوياتها السياسي، إلا أنها كما يبدو لم تقدر بشكل كامل تأثير الهجوم على علاقاتها الخارجية. ربما هي توقعت أن التضامن العربي المتمثل في وحدة الصف الى جانب الفلسطينيين سيقف الى جانبها كدولة وحيدة تجرأت على استخدام السلاح ضد إسرائيل.
تبرير السعودية لإيران
يبدو أن إيران أنشأت سوار بين دعمها لـ "محور المقاومة"، الذي هدف الى توفير مظلة لحماس، والحساب "الخاص" لها مع إسرائيل، أيضا الدول العربية رسمت حدود تضامنها. هذا لا يعني أن هذه الدول ستنضم على الفور الى التحالف العسكري الأميركي (والإسرائيلي) المناهض لإيران، وأيضا من غير المتوقع أن تقطع علاقاتها مع إيران أو أن الأخيرة ستبادر الى هذا القطع رغم المساعدة الكبيرة التي قدمتها هذه الدول من اجل نجاح إحباط الهجوم. الدليل على ذلك توفره الجهود الدبلوماسية لوزير الخارجية الإيراني في محادثاته في هذا الأسبوع مع نظرائه في دول الخليج، بما في ذلك وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، التي تهدف الى التهدئة والتوضيح بأن الأمر يتعلق بعملية لا ترتبط بـ "محور المقاومة"، بل الدفاع عن سيادة إيران. وزير الخارجية الإيراني عبد الهيان بالتأكيد ذكر لابن فرحان بأن هجوم الجمهور الإيراني على السفارة السعودية في طهران في 2016 هو الذي أدى الى قطع العلاقات بين الدولتين والذي استمر لسبع سنوات؛ ومثلما أن السعودية لم تتمكن من المرور مر الكرام على ذلك الهجوم فان إيران هي أيضا كانت مضطرة للرد على هجوم إسرائيل على قنصليتها في دمشق.
رؤية استراتيجية
تدل هذه الجهود على أن هدف إيران سيواصل كونه الحفاظ على وتطوير العلاقات مع دول المنطقة كرؤية استراتيجية. والسؤال هو هل من اجل تطبيق ذلك، الذي سيقتضي تهدئة الدول الجارة من اجل منع إقامة تحالف عسكري مناهض لإيران، ستقرر إخضاع سلوك مبعوثيها لمصالح إيران، وأن توقف هجمات الحوثيين وأن تدفع قدما بحل سياسي في لبنان.
الكاتب: تسفي برئيل/ هآرتس
2024-04-17 || 11:43