إذا لم تكن هذه إبادة جماعية.. فماذا تكون؟
كتب جدعون ليفي مقالاً في صحيفة هآرتس العبرية انتقد فيه فريق الدفاع الإسرائيلي في محكمة لاهاي، وتساءل عن أهمية تسمية ما يحدث بالإبادة وماذا سيغير من الواقع الذي يعيشه 2.3 مليون فلسطيني في القطاع.
لنفترض أن موقف إسرائيل كما تم عرضه في لاهاي كان صحيحا ومحقا، وأنها لم تقم بأي إبادة جماعية أو أي شيء آخر قريب من ذلك. فما الذي حدث هناك؟ بأي اسم يمكن تسمية القتل الجماعي الذي يستمر أيضا أثناء كتابة هذه السطور، دون تمييز وبشكل منفلت العقال وبأبعاد يصعب تخيلها؟
كيف يمكن تسمية وضع يحتضر فيه الأطفال على الأرض في المستشفيات، حيث لم يبق لكثيرين منهم أي أحد في العالم – كبار السن الذين تم تجويعهم يهربون طلبا للنجاة من رعب القصف الذي لا يتوقف في أي مكان؟ هل الـ 2.3 مليون إنسان، الذين معظمهم من المهجرين المعوزين والذين لا ينوون أي شيء وجائعين وعطشى ومحبوسين ومرضى ومعاقين ومصابين، مهم لهم إذا كان ما حدث لهم سمي إبادة جماعية أم لا؟ هل هذا التعريف القانوني سيغير مصيرهم؟ في إسرائيل سيتنفسون الصعداء إذا رفضت المحكمة هذه الدعوى، وبالنسبة لها إذا كان هذا لا يعتبر إبادة جماعية فإن ضمائرنا سترتاح مرة أخرى. إذا قالوا في لاهاي، إن هذه ليست إبادة جماعية فمرة أخرى سنصبح الأكثر أخلاقية في العالم.
وسائل الإعلام الإسرائيلية والشبكات الاجتماعية تفجرت في نهاية الأسبوع بالإعجاب والأقوال الطيبة للطاقم القانوني الذي مثلنا في لاهاي. ما هذه اللغة الانجليزية الفاخرة والادعاءات المقنعة. في وسائل الإعلام قللوا من النشر قبل يوم من ذلك عن موقف جنوب أفريقيا، الذي تم عرضه بلغة إنجليزية أفضل حتى من إنجليزية الإسرائيليين، والتي كانت مطعمة بحقائق أكثر وبدعاية أقل، بذلك، مرة أخرى اظهروا بأنه في هذه الحرب تدهورت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى حضيض غير مسبوق. دورها في نظر نفسها هو أن تساعد موقف إسرائيل وأن تلغي موقف "الذراع القانونية لـ(حماس)". انظروا إلى كمية الاحترام التي جلبها لنا هؤلاء القانونيون.
لنترك جانبا موضوع الاحترام عندما يدور الحديث عن دولة يتم تقديمها للمحاكمة بسبب الجرائم الأكثر خطورة في القانون الدولي. من يرتدون العباءات السوداء والباروكات البيضاء والآخرون، جميعهم عرضوا ورقة الرسائل الإسرائيلية الثابتة، جزء منها محق، مثل مشاهد الرعب في 7 تشرين الأول، ولسماع الجزء الآخر كان يصعب معرفة هل يجب علينا الضحك أو البكاء. مثلا، عند سماع الادعاء بأن "حماس" وحدها هي المدانة بالوضع في قطاع غزة وأنه لا يوجد لإسرائيل أي دور أو جزء في ذلك. وأن تقول هذا لمؤسسة دولية رفيعة جدا يعني التشكيك في ذكاء القضاة فيها وإهانتهم.
ما الذي يمكن فعله بأقوال رئيس طاقم الدفاع الإسرائيلي، البروفيسور مالكولم شو: "أعمال إسرائيل متزنة وهي موجهة فقط ضد قوات مسلحة"؟، ربما حقيقة أن شو ليس إسرائيليا هي المصدر لهذا الاستنتاج؛ وربما هكذا قالوا له في مكتب المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، لكن الحقيقة هي ماذا سيكون بشأنها؟. التناسب مع مثل هذا الدمار؟ إذا كان هذا هو التناسب فكيف سيبدو عدم الاتزان؟ هيروشيما؟ "فقط ضد المسلحين"، تقريبا 10 آلاف طفل قتيل؟ ما الذي يتكلم عنه؟ "يجرون مكالمة هاتفية من إجل إخلاء غير المشاركين"، من الذي ما زال يوجد لديه هاتف يعمل في غزة وإلى أين بالضبط يجب عليه الذهاب في جهنم التي لم يعد فيها أي مكان واحد آمنا؟ والذروة: "حتى لو كان هناك جنود خرقوا قوانين الحرب فإن جهاز القضاء في إسرائيل سيناقش ذلك".
يبدو أن شو لم يسمع عن جهاز القضاء في إسرائيل، وسمع أيضا أقل من ذلك عن "جهاز القضاء" العسكري. هو لم يسمع بأنه بعد عملية "الرصاص المصبوب" فقط أربعة جنود تم تقديمهم للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم جنائية، فقط واحد منهم تم إرساله إلى السجن بتهمة سرقة بطاقة ائتمان (!). أما الآخرون الذين القوا القنابل والصواريخ على الأبرياء لم يتم تقديمهم أبدا للمحاكمة. وأقوال غليت رجوان، اكتشاف نهاية الأسبوع، التي سيتم انتخابها بالتأكيد لحمل الشعلة في جبل هرتسل "الجيش الإسرائيلي ينقل المستشفيات إلى مكان أكثر أمنا". هل مستشفى الشفاء تم نقله إلى مستشفى شيبا؟ ومستشفى الرنتيسي تم نقله إلى مستشفى سوروكا؟ عن أي مكان آمن في غزة هي تتحدث. وعن أي مستشفيات سارع الجيش الإسرائيلي إلى "نقلها"
بالطبع ليس في كل ذلك ما يثبت بأن إسرائيل قامت بمذبحة جماعية. هذا الأمر سيقرره قضاة المحكمة. ولكن هل نحن يجب علينا الشعور بوضع أفضل بفضل ادعاءات دفاع كهذه؟ والشعور بأن الوضع جيد بعد لاهاي؟ والشعور أفضل بعد غزة؟.
الكاتب: جدعون ليفي/ هآرتس
2024-01-15 || 12:24