الصحفي وأستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت عماد الأصفر من العارفين القلائل بتأريخ الغناء والموسيقى في العراق. أمضى سنوات من منفاه في بغداد، فعرف العراق كما يعرفه أهله، إضافة إلى حس الباحث العلمي في ثقافات الشعوب.
ذات مرة استطعت أن أغني في مكان ما، لكنهم انتظروني في الخارج وأشبعوني ضربًا بأعقاب المسدسات، وجعلوا دمائي تسيل على الأرض، عندها أيقنت أن لا مكان لي في العراق؛ لأنهم سيقتلونني في المرة القادمة.
هذا ما قاله الشيوعي فالح حسن بريج، بعد أن حرمه البعثيون من العمل في معهد الفنون الجميلة ببغداد، ومنعوه من الغناء حتى في الأماكن العامة، بل ومنعوه من مجرد دخول الإذاعة والتلفزيون الذي احتفى به قبل ذلك بأعوام، ومنحه اسمه الفني "فؤاد سالم".
غنى مع فرقة الطريق العراقية التي أسسها حميد البصري وزوجته الفنانة شوقية العطار والشاعر زهير الدجيلي، ولكن هذه الفرقة رحلت عن العراق بعد التضييق على أنشطتها.
ورحل هو أيضًا، حمل مسقط رأسه "التنومة" في قلبه وكانت غافية على ضفاف شط العرب، ومضى يغنى حب البصرة وبغداد في عواصم الخليج، إلى أن وجد مستقره الفني المؤقت في عدن عاصمة اليمن الجنوبي أيامها.
الفنان العراقي فؤاد سالم
غنت الفرقة العراقية اليسارية الكثير من الأغاني لفلسطين، على مسارح عدن ودمشق وبيروت والجزائر، قبل أن تواجه انشقاقات، وتتحول الى فرقة عائلية اسمها فرقة البصري، وتضم الأب حميد والأم شوقية والبنت بيدر، وأربعة أولاد يتوزعون على مواهب العزف والإخراج المسرحي والتصميم الفني، وتستقر الفرقة الآن في هولندا.
من ينظر إلى المسألة بعين مجردة سيرى أن "الطريق" الأممي، سار بالفرقة من البصرة مرورًا بعواصم ترتدي زيًا اشتراكيًا، وصولًا إلى هولندا، لتصير فرقة عائلة "البصري" لا البصرة ولا العراق ولا الأمة ولا الأممية ولا الطريق المفضي إلى أي واحدة منهن.
وانتقل هو إلى سوريا، فغنى كثيراً من الأغاني الجميلة مثل: صابرين، مشكورة، يا عشكنا، سوار الذهب، حجيك مطر صيف، ردي ردي، هنا يا الحادي، وأغنية موبدينه، والكثير من الأشعار التي أذيعت عبر إذاعات المعارضة العراقية.
زار العراق بعد سقوطه فغنى أنشودة لجيش العراق، وحصل على راتب تقاعدي، وعاد إلى دمشق ليموت هناك عام ٢٠١٣ عن ٦٨ عامًا وعشرات الأغاني وثلاثة دواوين شعر.
قبله مات في سوريا أيضًا الشاعر الغنائي سيف الدين ولائي، بعد أن كتب عشرات الأغاني الشهيرة المستقرة في وجدان العراقيين.
الشاعر الغنائي سيف الدين ولائي
ولد ولائي ببغداد 1915 لعائلة من الأكراد الفيلية، وطرد من المدرسة لأسباب سياسية، فعمل اسكافيًا مع والده في الكاظمية، ثم خياطًا في شارع النهر، وواظب على تنمية كتابة الشعر الغنائي، حتى غنى قصائده عشرات المطربين العرب كسميرة توفيق وفايزة أحمد والعراقيين كفاضل رشيد وفاضل عواد وياس خضر وزهور حسين ولميعة توفيق ورضا علي وسليمة مراد وعباس البصري ومائدة نزهت وعفيفة اسكندر وغيرهم.
سيف الدين ولائي
حاربه النظام السابق بحجب أغانيه تارة وبحجب اسمه عنها تارة أخرى، ساوموه على كتابة أغنية تمجد القائد فرفض. كان بعمر الخامسة والستين عندما رحلوه مع زوجته وأولاده الخمسة وبناته الست، عن بلده إلى إيران مع آخرين بحجة أنه ليس من أصول عراقية.
تقول ابنته فريال: جمع والدي أفراد العائلة وأخذ معه شهادات الميلاد والهويات وذهب بنا إلى مركز أمن المنصور تلبية لاستدعاء أمني، فسحبوا الهويات، وسفرونا إلى مندلي وهناك وضعونا على الحدود العراقية الإيرانية، أدخلنا حرس الحدود الإيرانيون، ووضعونا في خيمة بأحد المعسكرات.
وبعد ثلاثة أسابيع ذهبنا إلى وزارة الداخلية الإيرانية بطهران، وبعد البحث عن أي مستمسك يثبت علاقتنا بإيران، لم يتم العثور على أي شيء، قال لنا أحد المسؤولين في تلك الوزارة: أنتم عراقيون عرب، ليست لكم أية علاقة بإيران.
عانى الأمرين مع عائلته في بلد لا يمت له ولا للغته ولا لناسه بأية علاقة، تقول فريال: بقينا في إيران عشرة أشهر، ثم طلبنا المغادرة إلى سوريا، فمنحونا وثيقة مرور، بعد أن تعهدنا بعدم العودة إلى إيران.
غادر إيران إلى سوريا ولكن بعد أن صمتت حنجرته وجف قلمه، تضيف فريال: في سوريا، سكنا في بيت متواضع، في حي السيدة زينب عليها السلام، وبدأنا نعمل جميعًا، إذ لم يبق معنا شيء من المال، بدأت صحة والدي ووالدتي تتدهور، ماتت أولًا ولحقها بعد أربعة أشهر. مات بعد 4 سنوات على إبعاده ودفن في مقبرة الغرباء مع من سبقوه من العراقيين للموت في سوريا.
حين زارته مذيعة عراقية من إحدى إذاعات المعارضة، في الثمانينيات، وحاولت استدراجه لحديث إذاعي رفض، ولاذ بصمته المطبق ولم يرد عليها بشيء، وحين سألته عما يريد، لم يُجب، وحين ألحت عليه نطق بثلاث كلمات لا غير، قال لها: أعيديني إلى العراق.
لوحة الزقاق للفنان مصطفى كريم علوان
من بين العشرات من أغانيه أعرف هذه الأغاني وأعتقد أن كثيرين من خارج العراق يعرفونها. وللغرابة، فأنا أجد في مطالعها ما يجسد قصته رغم أنها كتبت قبل ترحيله بثلاثة عقود أو أكثر:
الله الله من عيونك / غنتها أحلام وهبي وبعدها شذى حسون ادلل علي ادلل / غناها العراقي رضا علي وبعده اللبنانية نهاوند هذا الحلو كاتلني يا عمة / غنتها لميعة توفيق وبعدها مكادي نحاس وساجدة عبيد وماجد المهندس خالة شكو شنهو الخبر / غنتها زهور حسين وبعدها حميد منصور وماجد المهندس وساجدة عبيد ومكادي نحاس على الميعاد أجيتك / غنتها امل خضير وبعدها رضا علي وقحطان العطار وملحم زين وصباح اللامي ما أقدر أقلك مع السلام روح / غنتها سميرة توفيق وبعدها أمل خضير وسهير عودة حركت الروح لمن فاركتهم / غنتها عفيفة اسكندر وبعدها حسام الرسام وساجدة عبيد غريبة من بعد عينج يايمه / غنتها زهور حسين وبعدها ياس خضر وسعاد عبد الله يا غريب أذكر هلك / غناها فؤاد سالم وبعده بيدر البصري على بالي ماجان فركاك / غنتها وحيدة خليل وبعدها سعدي البياتي شدعي عليك يللي حركت كلبي / غنتها نرجس شوقي وبعدها حسام الرسام
يكون الجو حاراً ومغبراً خلال ساعات النهار، ولا يطرأ تغير يذكر على درجات الحرارة وخلال ساعات الظهيرة تتأثر البلاد بحالة من عدم الاستقرار الجوي حيث يتوقع سقوط زخات من الأمطار فوق بعض المناطق قد تكون غزيرة ومصحوبة بعواصف رعدية.