في طريقها لتأدية امتحان التوجيهي يواجهها موقف مرّ به كل فلسطيني ينتقل من مكان لآخر: حاجز عسكري إسرائيلي. الطالبة سديل أبو ليلى في الصف العاشر ومن قرية قوصين تشارك بهذه القصة القصيرة في مسابقة كتابة القصة بمديرية التربية والتعليم نابلس.
كنتُ أتخيّلُ نفسي بعدَ عشرة أعوامٍ طبيبةً تعاني معهم وجعَ السفرِ في وطننا المجزّأ، وتساءلتُ: هل سأطيقُ هذا مع كلِّ صباحٍ؟! تقدّمت مركبةُ الأجرةِ التي استقلّيتها أمتارًا، ثمّ توقّفتْ فجأةً بعدَ سماعِ دويِّ صوتٍ عالٍ صادرٍ من مكانٍ قريبٍ.
لم أشعرْ أنَّ غيري قد ارتابَ من الأمرِ، فقد بدا أنّهم قد أَلِفوا هذهِ الحال، ولعلَّ هاجسَ القلقِ الذي ازدادَ عندي مبعثُهُ قلّةُ ترحالي بينَ المحافظاتِ في هذا الوقتِ الباكرِ، ولولا امتحانُ الثانويّة العامّة ما خرجتُ في مثل هذا الوقتِ من بلدتنا الصغيرةِ إلى نابلس، والظاهرُ أنّ المسافة بيني وبين مدرستي لم تكن في هذا الصباحِ المغاير ككلّ يومٍ، إذ تمادَت فَكنتُ معَ كلِّ مترٍ تتقدّمُهُ مركبةُ الأجرةِ نحو بوّابةِ الحاجزِ أَجدُني أبعدَ!
همَّ السائقُ بالالتفافِ، فطلبْتُ منهُ بجرأةٍ ليستْ معهودةً فيَّ: أنزلني هنا، فنزلتُ وتقدَّمتُ نحوَ بوّابةِ الحاجزِ غيرِ البعيدةِ وهنالكَ اعترضتني شابّةٌ تعملُ في الحاجزِ، تتقنُ شيئًا من العربيّةِ بلكنةٍ غربيّةٍ، فطلبتُ منها أنْ تُساعدَني في العبورِ فأبَتْ قائلةً: "ارجعي! الآن ممنوع!"، وكانتْ لهجتُها نابيةً غضبى، وَكنتُ بعدَ كلِّ محاولةٍ لإقناعها أتجمَّلُ بالصبرِ وقلبي يكادُ يسقطُ خشيةَ عدمِ وصولي في الوقت، كنتُ أنظرُ إليها وأفكاري تذهبُ وتجيءُ، وأنا بينَ عالَمَينِ. سديل أبو ليلى أتخيّل نفسي بعدَ الثانويّة العامّة متفوّقةً كما كنتُ دومًا، ثمّ يُهيمنُ كابوسُ عدم وصولي في الوقت المحدّد وخسارتي الفادحة وانهيارَ آمالي المعلّقةَ على عبورِ الحاجزِ!
مرَّ وقتٌ كثيرٌ حتَّى ضاقَتْ أنفاسي، وكدتُ اختنقُ، ولولا ما يَسّرََهُ لي والدايَ من تربيةٍ دينيّةٍ صالحةٍ لَخرجتُ عن طَوري وفقدتُ أعصابي، وقدْ جعلَ اللهُ لي بعدَ العُسرِ يُسرًا، فقدْ تلقّتْ تلكَ الشابّة أمرًا بالسماح لنا بالعبورِ فعبرتُ كمنْ خرجَتْ منَ ظُلمةِ الجحيمِ إلى نورِ النعيمِ..
ركبتُ مركبةً أخرى من الجانبِ الآخر، وفي وقتٍ قصيرٍ كنتُ قدْ نجحتُ في الوصولِ في اللحظة الأخيرة لاستقبال الطلبة، فقد دخل جميعهم قبلي وكنتُ الأخيرةَ.
لم يكن الوصولُ سهلًا رغمَ سرعتهِ، فقدْ كبَّدني تفكيراً في سنواتٍ قادمةٍ كنتُ أتعجّلُ معرفةَ ما سأحقّقُ فيها وكيفيّةَ ذلكَ، إلّا أنّ قعودي فوق مقعدِي لتقديم الامتحان قد أوصدَ أمامي كلَّ ما كانَ! شرعتُ أقرأُ وأكتبُ بنهمٍ لم أعهدْهُ من قبلُ، فخرجتُ الأولى من البابِ الذي دخلتُ منهُ الأخيرةَ!
رفعتُ هامَتي، وخرجتُ من القاعةِ نحوَ الخارجِ أتنسّمُ هواءَ المدينةِ الأجمل، وكُلّي ثقةٌ بالنجاحِ، فأنا ابنةُ أبي وأُمّي، ولنْ يُضيّعَ اللهُ لي ما ادّخرتُهُ لهما من برٍّ طوالَ السنواتِ الماضيةِ.
ركبتُ مركبةَ أجرةٍ تُقلُّني نحوَ بلدتي برويَّةٍ، فأنا الآنَ مالكةٌ لكلِّ الوقتِ الذي في الكونِ، ولستُ في عجلٍ، وحينَ اقتربنا منَ الحاجزِ ذاتِهِ كنتُ أقولُ: "لن أطلبْ منها أن تساعدَني في العبورِ للجهةِ الثانيةِ كما فعلتُ في الصباحِ! لن أفعلها حتّى لو أعاقَتني عامًا كاملًا!".
دَخلتِ المركبةُ خلال ذلك الوقتِ إلى الحاجزِ وخرجتْ من الجانبِ الآخرِ دونَ أيِّ إعاقةٍ، فاستهجنتُ ثمَّ تناسيتُ وأطلَقتُ سراحَ أفكاري من حواجزِ الحاضرِ نحوَ المستقبلِ، فرأيتُ شهادةَ تخريجي أمامي مكتوبًا عليها بخطٍّ عريضٍ أحمر الدكتورة سلام بشير، ورأيتُ أبي وأمّي وهما في كاملِ سعادتهما معي، ثمّ تخيّلتُ عيادَتي وتفاصيلها كاملةً.
تداخَلَتِ الأفكارُ ولمْ يوقظني منها إلّا فرملةُ السائقِ القويّةُ المفاجئةُ، إذْ أوقفَ المركبةَ بعد الانتباهِ إلى حادثِ مرورٍ تصادمَتْ فيهِ مركبتانِ قادَتْ إحداهما فتاةٌ شكلُها ليسَ غريبًا!
اقتربنا قليلًا، وحينها تيّقنتُ أنّها الفتاةُ التي صدَّتني في الحاجزِ، فأسرَعتُ وخرجْتُ منَ المركبةِ وبادرتُها السؤالَ عن وضعها، فتذكَّرتني، وطلبت مني ماءً فَأسقَيتُها من عُبوَتي المائيّة التي عَبَّأتُها من عين القرية وأحسستُ بخجلٍ طوّقها بعدَ سؤالي وحرصي عليها، وحينَ تركتها بعدَ اطمئناني عليها، عُدتُ إلى بيتي وأنا فخورةٌ، إذ اجتزتُ اليوَم امتحانينِ كانَ الأكبرُ فيهما والأهمُّ هو نجاحي في الحفاظِ على أخلاقي وطيبَتي رغمَ كلِّ شيءٍ!
الكاتبة: سديل أبو ليلى - الصف العاشر - قوصين
2019-12-12 || 19:13
مختارات
أبو جيش: السوق المحلي يوفر 8 آلاف فرصة عمل فقط
وزارة النقل: تعليمات بخصوص مركبات العمومي
موقف وزارة الثقافة من منع "عشتار" بجامعة النجاح
بلدية نابلس تؤجل خطة إزالة التعديات في المخفية
تراجع تصنيف بلدية طولكرم إلى B
تراجع تصنيف بلدية نابلس إلى B
احتجاجات منددة بمنح هاندكه جائزة نوبل للأدب
"بيت القبطية".. رواية جديدة للكاتب المصري أشرف العشماوي
يكون الجو حاراً ومغبراً خلال ساعات النهار، ولا يطرأ تغير يذكر على درجات الحرارة وخلال ساعات الظهيرة تتأثر البلاد بحالة من عدم الاستقرار الجوي حيث يتوقع سقوط زخات من الأمطار فوق بعض المناطق قد تكون غزيرة ومصحوبة بعواصف رعدية.