فلسطيني ثم لاجئ ثم شاعر
عبد الرحمن القلق فتى ابن 17 عاما، فلسطيني لاجيء بمخيم اليرموك، رأى نفسه في محيط القضية والوطن والتراب. حلمه بسيط هو أن يجعل العالم أجمع يرى معاناة اللاجيء الفلسطيني خاصة والشعب الفسطيني عامة.
"الناس متفاوته بالقصائد، والذي يميز الكاتب أو الرسام عن الباقي أنه يمتلك شعوراً زائداً اتجاه قضية"، هكذا بدأ الشاب عبد الرحمن حديثه عن مشواره مع الشعر.
عبد الرحمن القلق، من مواليد مخيم اليرموك عام 1997، يقول: "نحن بالمخيم كشعب فلسطيني، هذا الشيء يؤهلك لتكون مثقفاً بحكم العادة، في المخيم تجد أصغر طفل وأكبر ختيار لاشعوريا مثقفين وطنياً بالقضية، بعيداً عن الشهادات الأكاديمية والقراءة والمطالعة، "تكون فلسطيني يعني تكون مثقف"، وتحفظ أبياتاً لمحمود درويش وتحفظ تواريخ وعد بلفور والنكبة والنكسة، لذا هذا المحيط كان مناسباً لتنمية موهبتي".
يستذكر عبد الرحمن بداية مشواره: "كل موهبة بتبلش صغيرة. بدأت بكتابة الشعر بعمر 11 سنة، حيث اكتشفت موهبتي بالكتابة في المدرسة خلال كتابتي لمواضع التعبير، لأن طريقتي بالكتابة كانت مختلفة عن باقي الطلاب. وحين شعرت بوجود اهتمام بما أكتب من خواطر، خصصت وقتا لأتفرغ لها أكثر".
ثم بدأ الأساتذة بتشجيعه وإعطائه كتباً لجميع المجالات، وبدأ بالقراءة للوطن والقضية، ولكن الداعم الرئيسي جاء من مركز البيادر الفلسطيني للتنمية والإبداع. ثم شارك الشاعر الشاب بعدة أمسيات في مراكز ثقافية في مخيم اليرموك ودمشق والعدوي. وتعرف على مركزالبيادر للتنمية والإبداع، "ومن كتاباتي رأوا أنني ممكن أن أكون شيئاً يوماً ما، كان لهم دور كبير في طريقي، وكانت أول أمسية لي في عام 2012".
ويشير عبد الرحمن إلى أن هذه الأمسية كانت نقطة تحول كبيرة بالنسبة له من حيث الجمهور، ويقول: "بصغري قمت بأمسيات شعرية في مخيم اليرموك، والحضور هم عائلتي وأقربائي وبعض المحبين وأساتذة المدرسة، هكذا كان مستوى الجمهور بالنسبة لعمري الصغير، ولكن الأمسية في مركز البيادر، كان الجمهور صحفيين ونقاداً وكتاباً على مستوى دمشق، وأيضاً كتاب من الضفة الغربية، حيث الالتقاء مع شخص ممكن أن ينتقدني، شخص همه أن يطورني وليس فقط أن يصفق لي، ويقول بعدها أحسنت يا عبد الرحمن".
هذه الأمسية وضعت الشاعر الشاب في موضع مسؤولية عن كل كلمة يكتبها من الآن فصاعداً، كما يقول: "بعد ذلك وضعت بموقف بأن عبد الرحمن لا يمكن أن يبقى الطفل الصغير، الذي يكتب وما زال بأول طريقه، لذا انطلقت للعالم، جعلت خلفي خلفية أدبية، ثقافية، فلسفية، حتى استطعت أن أعمل عبد الرحمن القلق الذي يخصني أنا، والحالة الشعرية التي تخصني، حيث إذا سمع شخص قصيدة يعرف حينها أنها لعبد الرحمن القلق، روحاً ومصطلحات وكتابة".
العمل تحت القصف
تمتاز كتابة عبد الرحمن بالطابع الإنساني، ويشرح ذلك قائلاً: "القصيدة، التي تخترق العالم لدي هي القصيدة، التي تأخذ المنحنى الإنساني ثم التراب والوطن". وهو يرجع ذلك إلى ظروف نشأته في مخيم اليرموك وقضيته، ويعتبر أن هذا سلط الضوء على قصيدته غير التقليدية. ويمتاز شعره بتناول القضية من منظار شبابي. وقد فاز عبد الرحمن بالمرتبة الثالثة بمسابقة أدبية نظمتها دولة الكويت كأصغر شاعر.
في 2013 أسس عبد الرحمن وعدة شباب جامعيين ملتقى أدبياً أسموه "بشغف" وعن هذا الملتقى يقول: "وصل عددنا إلى أكثر من 14 شخصاً وكنت أنا أصغرهم، أطلقنا الملتقى بأمسية شظايا. تم إطلاقه بالوقت الذي كانت فيه الأحداث بسوريا سيئة، واستطعنا أن نكسب جمهوراً كبيراً، وأصبح له صدى، والجميع يريد أن يعرف من هؤلاء الشباب، واستطعنا أن نوصل صوت المخيم والقضيه من منظار فلسطينيي سوريا". لكن الملتقى تفرق أيدي سبأ كما تفرق القائمون عليه في المنافي، في أوروبا والخليج، مع تدهور الوضع الأمني.
وعن أهدافه وأحلامه بعد التهجير من مخيم اليرموك يقول: "هدفي هو أن أوصل ألم الانسان بعيداً عن ديانته، وعن اتجاهه السياسي، وعن خلفيته الثقافية". وهذا ما تلخصه إحدى آخر قصائده بعنوان "توبة البلاد"، والتي يقول عنها: " قصيدتي تحكي عن النكبة الثانية، التي عاشها الفلسطينيون في مخيم اليرموك، وهدفي هو إيصال صوت شخص دفن وهو غير قادر على أن يوصل صوته. هدفي أن أحكي عن شهداء العالم لا يعرف عنهم إلا أرقاماً بالآلاف، عن عالم ماتت وهي عطشانة، وعالم ماتت وهي غرقانة بالماء، يعني التناقض بين الحصار في مخيم اليرموك والناس اللي غرقت بالمتوسط".
قصيدة توبة البلاد
توبة البلاد
حينما رحلوا
ورحلت عن وجوههم مأساةُ الشهيدِ
اقتفوا أثرَ القذيفةِ
حتى اختلفوا
بأيِّ جهةٍ وبأيِّ شظيّةٍ
يموتُ الحنين
حيثما كانوا
ذبحوا الحنين،
مرّوا بُرهةً في تيهِ الصورِ
وأعادوهُ مشوّها،
رتّلوا توبةَ البلادِ
والبلادُ موتاً
من رحيلهم تابت
وحينما سقطَ أحدنا
مغماً عليهِ من رمادِ الحربِ
تنفّسَ شيئاً من زُرقةِ السماء
حتى استفاقَ أسطولُ بنفسجٍ
مابينَ كفّيه،
و صارَ يستيقظُ باكراً
من نومه
يتفقّدُ أحلامهُ صباحاً
لربما تكاثرت سراً
بعد مجزرةٍ
أقامها أمسُ في ظلّ يأسه،
ينتظرُ ليلةً أخرى
ويذوبُ حسرةً للمرةِ الثانية
كانَ بردٌ خريفيٌّ يمرُّ بنا
كهذا الليلِ،
لو لم نأمن حينها
عباءةَ المخيمِ
لما التهمتنا العواصمُ علانية
لو لم نصلّي للخيامِ
لو لم نؤمن بالرحيلِ حينما كفرت بنا الأرضُ
لبانتْ شراهةُ الموتِ
و افترسنا الفصلَ الذي نشاء
لاقتنينا الترابَ دهراً
عمّرنا ومتنا بهِ كشجرِ الحديقةِ القديم
لَكابدتْ فينا الحدودُ وابتسمتْ
أن أزحنا ضلعَ السنونو
ورتّبنا أشياءنا القديمةَ
فوقَ جناحهِ المكسور
لأطلقنا عليهِ وطن
لكابدتْ فينا الحدودُ وابتسمتْ
لَبكتْ غيمةٌ على مرآنا
أجّجتْ نارَ البعدِ ما بيننا
ورسمت أوابداً
لنبيٍّ أغلقَ البابَ وأخفانا
ثُمَّ
لمّعت أبوابَ السماءِ
تنادينا، ونأتي
نمدُّ أيدينا للذاهبينَ
نحصي الألماسَ في أكُفّهم
ونكتشفُ المُقامرة
نصيحُ:
أكانتِ السماءُ شريكةً فينا؟!
نمضي سريعاً
نصتفُّ كأغنيةٍ
يذهبُ أحدنا
و قربَ المارقِ يكملُ المغامرة
يقتربُ منهُ عشيقاً
يُحصي قاتليهِ
ويعاودُ الرحيلَ إلى منفاهُ
مغمىً عليه
و يدعوهُ مخيم
يتجاهل قُنوتَ الدمِ
فوقَ الإسفلتِ
لينقضّ على آخر زهرةٍ فوق الرصيفِ
يفاوضُ القدر بها
بشهيدٍ أو قصيدتين
لمسنا ضبابَ السياج
قُبالةَ القصرِ وما فترنا
شهدنا من شُرفةِ الريح
سقوطَ الأواني
بقينا نرقبُ زفيرَ القدرِ بها
و ما اكتفينا
شاركنا السماءَ أقدارها في الحُلمِ
كما شاركتنا
وقلنا لمن ظلّ منا واقفاً تحتها:
لإن علّقتَ أمنيةً
على طرفِ هذا المدى الليلكي
لن تسقطَ السماءَ
فارصف أمانيكَ
ماشئتَ بينَ النجومِ
تأمّل كيف تنسلُّ عيونُ المدنِ إليها
انسى أسماءها
وسكانها،
لكنتها إن شئتَ
وأوراقها
اكمل أحلامك الصّباحية
ابتسم،
وابتكر نحوها الطريق
الكاتبة: مجد حسين
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2015-07-03 || 19:43