كيف أصبح البزق كردياً؟
البزق آلة موسيقية عابرة للثقافات والجغرافيا، تطوّرت عبر التاريخ حتى استقرّت في الموسيقى الكردية كرمزٍ للهوية والتجديد الفني.
البزق، آلةُ الغجر العابرين وسهرات السمر الريفية، التي راوغت الجغرافيا طويلاً، فغرّبت وشرّقت كرحّالٍ مجازف، وتحايلت على مناهج الموسيقى ومعاهدها، فلم تلتزم مقاييس صناعةٍ أو أسلبة عزفٍ. وظلّت، على مرّ تاريخها، تنتقل من الأستاذ إلى الدارس همساً، كما تُتوارث أساطير القرى. ورغم الخلاف الدائر حول أصل البزق في الأوساط الموسيقيّة الأكاديميّة، تمكّن من شقّ طريقه بعنادٍ إلى صفوف الآلات الرائجة اليوم، واستقرّ أخيراً في كنف الموسيقى الكرديّة، ولازمها حتى غدا مرآةً تعكس روح التراث الكردي وتقدّمه إلى العالم.
هنا، قد يخيَّل للبعض أن البزق كان، منذ بداياته، "آلةً كرديّة"، غير أن الوقائع التاريخية تحمل سرديّةً أخرى. فالبزق، بصيغته المعروفة اليوم، ليس إلاّ تطويراً حديثاً نسبياً، لم يترسّخ حضوره إلا في منتصف القرن العشرين، بالتوازي مع تبلور الموسيقى الكرديّة الحديثة بوصفها مجالاً أكاديمياً منظّماً، بعد قرونٍ من التداول الشفهي والغناء الشعبي غير المؤسّس. ضمن هذا الواقع، وحين بدأت ملامح هذا الإطار المؤسّسي تتكوّن، كان البزق حاضراً بوصفه الأداة الأقدر على تمثيل هذا التحوّل، والجسر الأنسب بين الذاكرة الشعبيّة ومتطلبات الحداثة الموسيقيّة.
من هذا التباين وبين قِدم التجربة وحداثة توثيقها، تتبدّى الحاجة إلى العودة نحو الجذور، فالحديث عن البزق في سياق الموسيقى الكرديّة لا يمكن أن يستهلّ من حاضرنا، ولا أن يُختزل في اسمٍ أو شكلٍ أو جغرافيا، بل يفرض، بطبيعته، الرجوع إلى زمنٍ سحيق، حيث تشكّلت أولى ملامح هذه الآلة، قبل أن تتشظّى مساراتها وتتكاثر التأويلات حولها. فالبزق، في جوهره، امتدادٌ لعائلة العود ذي العنق الطويل، وهي سلالةٌ موسيقيّة موغلةٌ في القدم، رافقت البشر منذ بزوغ الحضارات الأولى، حيث تشير النقوش المكتشفة في بلاد ما بين النهرين إلى وجود نماذج أولى لهذه الآلات قبل أكثر من خمسة آلاف عام.
عن تلك الصورة البدائيّة لهذه الآلات، تفرّعت آلاتٌ شتّى، كان من بينها الطنبور، ثم ما تفرّع عنه لاحقاً من أشكالٍ أقرب إلى ما نعرفه اليوم بالبزق. غير أنّ الولادة الحقيقيّة للبزق الحديث لم تزل مفتوحةً على تأويلات متعدّدةٍ، فبعض المؤرخين يعيد نسبه إلى بلاد فارس، ويرى فيه امتداداً لتقاليد موسيقيّة في الهضبة الإيرانيّة. فيما يذهب آخرون إلى اعتباره تطوّراً شرقياً لآلة البوزوكي اليونانية، نتج عن احتكاك ثقافيّ طويلٍ عبر المتوسط. في المقابل، يصرّ فريق ثالث على أنه ليس سوى تعديل للآلة التركيّة "الساز"، رغم تزامن ظهور التسميتين وتداخل استعمالهما في فتراتٍ تاريخيةٍ متقاربة ووصولاً الى وقتنا، كما ويرى بعض الباحثين أن كلمة "بزق" مشتقةٌ من لفظٍ كردي يشير إلى "البطن البارز"، في إحالةٍ مباشرةٍ إلى صندوقه المنتفخ، وكأنّ الشكل نفسه دخل في لعبة التأويل والهويّة.
ولا يشي هذا التباين في الروايات بضعف أكاديميٍّ أو قصورٍ ثقافي، بقدر ما يعكس مسار الآلة المتشعّب بين ثقافاتٍ متعددة، فقد ارتحلت مع القوافل والغجر، وتداولتها المجتمعات، فأعادت تسميتها وصياغتها بما يتلاءم وبيئاتها وثقافاتها المحليّة. ولم يظهر مصطلح "بزق" بوصفه توصيفاً واضحاً ومستقلاً إلا في أواخر القرن التاسع عشر، حين ورد في مخطوطةٍ إنكليزيّةٍ تعود إلى عام 1888، استُخدم فيها لوصف آلة الطنبور السوري، في واحدةٍ من أولى محاولات التوثيق الغربية لهذه العائلة الموسيقية.
استقرار البزق في الموسيقى الكردية
ومع مطلع القرن العشرين، استقرّت الآلة في فضاءات بلاد الشام والأناضول، وافتتحت مرحلةً جديدة في تاريخها. إذ لم تعد مجرّد أداة ترافق مواويل الغجر، بل تحوّلت إلى عنصر فني ديناميكي داخل الثقافات المحلية، وهكذا، عبر مسارٍ طويل يمتد من النقوش الحجريّة الأولى، إلى المخطوطات الأوروبيّة، مروراً بالأسواق والقرى والجبال، استقرّ البزق أخيراً في عمق الموسيقى الكرديّة.
لم يكن التبني الكردي للبزق إرثاً جاهزاً، بل اختيار واع وعنيد، نابع من رغبة في التواصل موسيقياً مع الذات والعالم. ولم يكن استقراراً جغرافياً، بل تعبيراً ثقافياً عميقاً، تسلل الى عمق النسيج المجتمعي في القرى الجبلية، وفي المدن الصغيرة، وبين المجالس الشعبيّة والمناسبات الاجتماعية، ولم يدخل في بادئ الأمر من بوابة المؤسسات، بل عبر العازفين الجوّالين، والحفلات العائليّة، والمقاهي، والأعراس، ومواسم الحصاد.
ومع الزمن، تعدى البزق كونه مجرّد آلة مرافقة للغناء، وبات محوراً للتعبير الموسيقي، وقائداً للّحن، وصوتاً مستقلاً يحمل الشخصية الكردية في نبرته وإيقاعه. أعاد العازفون صياغة تقنياته، وكيّفوا أساليبه مع الذائقة المحلية، فأصبح عزفه أكثر حدّة، وأكثر ميلًا إلى الارتجال، وأكثر التصاقاً بالحالة الشعورية للأغنية الكردية. لم يعد نسخةً من الساز التركي، ولا ظلّاً للبوزوكي اليوناني، ولا امتدادًا للطنبور، بل كياناً مستقلاً، له لغته الخاصة. ثم ومع بروز جيل من الموسيقيين المحترفين في النصف الثاني من القرن العشرين، خرج البزق من الإطار الشعبي الضيّق إلى فضاءات أوسع: الإذاعات، والمسارح، والأستوديوهات، والمهرجانات، فاكتسب شرعيةً فنيةً، وكان لروّادٍ أمثال سعيد يوسف دورٌ حاسم في هذا المسار، حين أسّسوا، في ستينيات القرن الماضي، علاقة عضوية بين البزق والموسيقى الكردية المعاصرة.
أما اليوم، فقد أغوت مرونة البزق ودلالاته الثقافيّة شريحةً واسعةً من الجيل المحدث من الموسيقيّين الأكراد أمثال شفان برور و وهوشنك حبش، وهم يعيدون تقديمه خارج القوالب التقليديّة، منفتحين على التجريب والحوار مع أنماط موسيقية معاصرة، دون التفريط بجوهره الوجداني وعمقه الثقافي. في تجارب هؤلاء، لا يعود البزق مجرّد آلة عزف، بل يتحوّل إلى مساحة للبحث في الهوية، وإلى لغة موسيقية قادرة على ملامسة الحاضر، من دون أن تقطع صلتها بالماضي.
لماذا البزق بالتحديد؟
جاء تبني الأكراد للبزق سريعاً وسلسًا، لأن الأرضية كانت مهيّأة له مسبقاً نتيجة عدة عوامل. فالموسيقى الكردية عرفت، منذ زمن طويل، أشكالًا متعددة من الطنبور، تتقاطع مع البزق في البنية والشكل، وإن اختلفت عنه في المواد الخام، وعدد الأوتار، وطبقة الصوت. لم يكن البزق غريباً تماماً، بل بدا امتدادًا طبيعيًا لتقاليد موسيقية قائمة. كما أن تعدّد دساتينه واحتواءه أرباع الصوت جعلاه قادرًا على أداء المقامات الشرقية المركّبة، التي تقوم عليها الموسيقى الكردية، والتي لا تنسجم مع السلم الغربي التقليدي. وفي الوقت نفسه، بدا البزق آلةً مثاليةً للأكراد، خاصةً وأنه لا تنتمي إلى نظام صارم أو مدرسة مغلقة، فهو مساحة مفتوحة على الارتجال، عصيّة على التدجين، وقادرة على احتضان تناقضات الروح الكرديّة.
أمّا على الصعيد العام فقد لعبت التحوّلات الاجتماعية والسياسية دوراً حاسماً في ترسيخ هذا الاستقرار. ففي ظل التهجير، والمنفى، والانقسام الجغرافي، أصبحت الموسيقى إحدى الوسائل القليلة لحفظ الهوية. ومعها، تحوّل البزق إلى أداة مقاومة صاخبة، تحفظ اللهجة، والمقام، وتعيد إنتاج الانتماء الى الهوية. ففي ظل غياب الدولة الجامعة، وتشتّت الجغرافيا، وجد الأكراد في الموسيقى وطناً بديلًا، وفي البزق لغةً جامعةً تعبّر عن الذات الممزّقة دون وساطة.
هكذا وما بين غجري مرتحلٍ وعازف محدثٍ محترف، صار البزق "كرديًا"، آلةٌ ذات خصوصية تجمع شتات الصوت والهوية. وهو اليوم، بعد رحلة امتدّت قروناً، لم يعد حبيس المقامات الكلاسيكية والمواويل الفلكلورية، بل دخل فضاءات جديدة، وفتح نفسه على التجريب خاصة في زمننا المعلوم موسيقياً، حيث يلتقي الجاز الغربي، والإيقاعات اللاتينية، والموسيقى المعاصرة، مع ربع الصوت الشرقي، دون أن يفقد جوهره.
المصدر: نور رجب/ المدن
2026-04-02 || 22:32