إسرائيل نقلت قوات من حدود لبنان إلى الضفة: مأزق تعدد الجبهات
في ظلّ تصاعد المواجهة مع الحزب اللبناني وتفاقم العنف في الضفّة الغربيّة، يعكس تحويل القوّات العسكريّة ضغطاً متزايداً على القيادة في إدارة جبهاتٍ متزامنة.
في تطوّرٍ لافتٍ خلال الحرب، أعلن الجيش الإسرائيليّ أنّه حوّل جزءاً من قوّاته من الجبهة اللّبنانيّة، حيث يخوض عمليّةً عسكريّةً ضدّ "حزب الله"، إلى الضّفّة الغربيّة، في خطوةٍ تعكس حساسيّة توزيع القوّات في ظلّ تعدّد الجبهات والضّغوط الميدانيّة المتزامنة.
ويعدّ هذا القرار سابقةً بارزةً، إذ جاء في خضمّ معركةٍ توصف بالحاسمة على الجبهة الشّماليّة، ما يظهر حجم الضّغط العمليّاتيّ الّذي يواجهه الجيش الإسرائيليّ، واضطراره إلى إعادة توزيع موارده، رغم بقاء جبهة لبنان في صدارة الأولويّات الاستراتيجيّة.
وبحسب مصادر عسكريّةٍ، جاء هذا التّحرّك نتيجة تصاعدٍ غير مسبوقٍ في أعمال العنف الّتي ينفّذها يهودٌ ضدّ الفلسطينيّين في الضّفّة الغربيّة، إلى حدٍّ دفع قيادة المنطقة الوسطى إلى طلب تعزيزاتٍ عاجلة. وقد استلزم القرار موافقةً خاصّةً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعد ضغوطٍ مارسها قادةٌ ميدانيّون اعتبروا أنّ الوضع بات خارج السّيطرة.
ويسلّط تحويل القوّات من جبهة "حزب الله" الضّوء على تعقيد المواجهة في الشّمال، الّتي تتطلّب جهداً عسكريّاً كبيراً من حيث الانتشار والجهوزيّة. ومع ذلك، اضطرّ الجيش إلى تقليص بعض موارده هناك، في إشارةٍ إلى أنّ القيادة العسكريّة باتت تدير حرباً متعدّدة الجبهات، لا تقتصر على المواجهة مع "حزب الله"، بل تمتدّ أيضاً إلى الدّاخل الإسرائيليّ والضّفّة الغربيّة.
وفي السّياق السّياسيّ، لم يدل نتنياهو بأيّ موقفٍ علنيٍّ حيال تصاعد العنف في الضّفّة الغربيّة، كما لم يسجّلْ له، خلال ولايته الحاليّة، تحرّكٌ فاعلٌ للحدّ منه إلّا تحت ضغطٍ خارجيّ، ولا سيّما من الإدارات الأميركيّة المتعاقبة. وفي المقابل، التزم وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس صمتاً نسبيّاً، خلافاً لما درج عليه مسؤولون سابقون في إدانة مثل هذه الحوادث.
ورغم نشر قوّاتٍ استباقيّاً في نقاط التّوتّر، سجّلت عشرات الاعتداءات خلال الأيّام الماضية، ما دفع الجيش إلى الإقرار بعجزه عن منعها. وتشير التّقديرات إلى أنّ ما بين 200 و300 عنصرٍ يقفون وراء هذه الهجمات، فيما تبقى السّيطرة عليهم محدودة. وأكّدت مصادر عسكريّةٌ أنّ التّعامل مع هذه الظّاهرة يتجاوز قدرات الجيش وحده، ويتطلّب تدخّلًا من الشّرطة وجهاز "الشّاباك" والقضاء.
وفي هذا الإطار، حذّر رئيس الأركان إيال زامير من أنّ "أقلّيّةً متطرّفةً من الدّاخل" باتت تشكّل تهديداً أمنيّاً، في وقتٍ تشهد فيه الجبهات الأخرى، وعلى رأسها جبهة "حزب الله"، تصعيداً عسكريّاً مستمرّاً. وشدّد على أنّ هذه الأعمال لا تمثّل المستوطنين، بل تلحق ضررًا بالاستقرار الأمنيّ وتقوّض جهود الجيش في الحرب، داعياً السّلطات إلى تحرّكٍ سريعٍ لاحتواء الظّاهرة.
في الموازاة، تواجه المؤسّسة العسكريّة قيودًا قانونيّةً تحدّ من قدرتها على التّعامل مع العنف الدّاخليّ، فيما وجّه مسؤولون سابقون انتقاداتٍ إلى وزير الأمن القوميّ إيتمار بن غفير، متّهمين إيّاه بإضعاف عمل الشّرطة في هذا الملفّ. كما طال الانتقاد قرار كاتس وقف الاعتقال الإداريّ بحقّ العناصر اليهوديّة المتطرّفة، باعتباره ساهم في تفاقم الوضع.
ورغم اعتماد وسائل مثل أوامر الإبعاد والمراقبة الإلكترونيّة، لا تزال فاعليّتها محدودةً، كما وجّهت انتقاداتٌ إلى القضاء بسبب ما وصف بالتّساهل في التّعامل مع المتورّطين، الأمر الّذي يضعف الرّدع ويزيد من صعوبة الاحتواء.
وفي الخلاصة، يعكس تحويل القوّات من جبهة "حزب الله" إلى الضّفّة الغربيّة حجم التّعقيد الّذي يواجهه الجيش الإسرائيليّ في إدارة حربٍ متعدّدة الجبهات، حيث تتداخل التّحدّيات العسكريّة مع الأزمات الأمنيّة الدّاخليّة، ما يفرض على القيادة موازنةً دقيقةً بين أولويّاتٍ متعارضة.
المصدر: المدن
2026-03-26 || 19:59