هل تشتري طهران الوقت لتشغيل مفاعلات الأعماق الحصينة؟
وسط استمرار التوترات في الشرق الأوسط، يعود الملف النووي الإيراني إلى الواجهة مع تصاعد النقاش حول تداعيات الهدن وانعكاساتها على موازين القوى الإقليمية.
خلف سحب الدخان التي خلفتها المواجهات العسكرية الأخيرة، سيستيقظ المجتمع الدولي غداً على فخ استراتيجي فادح وقع فيه العالم إذا اعتقد أن صمت المدافع أو الدخول في هدن مؤقتة يعني توقف عجلة الطموح النووي الإيراني. القراءة المتعمقة للعقيدة السياسية والعسكرية في طهران تؤكد حقيقة واحدة مروعة: البرنامج النووي السري لم يتوقف لحظة واحدة، بل إن "الهدنة" في القاموس الإيراني ليست سوى تكتيك مرحلي مصمم بعناية لشراء الوقت، وإكمال الأمتار الأخيرة نحو امتلاك القنبلة.
مفاعلات الظلام
الرهان على أن الضربات الجوية الأخيرة قد شلت القدرات النووية الإيرانية، هو رهان يتجاهل الطبيعة المعقدة لهذا البرنامج. في الواقع، من المرجح جداً أن البرنامج في شقه السري يعمل الآن بوتيرة أسرع وأكثر شراسة مما كان عليه قبل الحرب، وذلك لعدة أسباب جوهرية:
مناعة الأعماق: لم تعد التكنولوجيا النووية الإيرانية مقتصرة على مبانٍ سطحية يسهل تدميرها. لقد نقلت طهران قلب برنامجها (خصوصاً أجهزة الطرد المركزي المتطورة من طراز IR-6) إلى شبكة من الأنفاق والمخابئ الجبلية شديدة العمق، والتي صُممت خصيصاً لامتصاص أقوى الصدمات الارتجاجية للقنابل الخارقة للتحصينات.
غياب الرقابة: الحرب وفرت الغطاء المثالي لطهران. فمع طرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتعطيل كاميرات المراقبة، أصبحت المنشآت السرية تعمل في "نقطة عمياء" دولية تامة، مما يسمح بتخصيب اليورانيوم دون حسيب أو رقيب.
دافع البقاء الوجودي: بعد أن تعرض النظام لضربات قاسية أضعفت قدراته التقليدية، أصبح الوصول إلى العتبة النووية العسكرية مسألة "حياة أو موت". لم تعد القنبلة مجرد طموح لتعزيز النفوذ، بل أصبحت طوق النجاة الوحيد لمنع سقوط النظام في أي مواجهة مستقبلية.
الهدنة كاستراتيجية لـ "حياكة السجاد"
في العقلية الاستراتيجية الإيرانية (التي تُشبه غالباً بصبر حائك السجاد الفارسي)، لا تعني الهدنة تغييراً في الأهداف، بل تغييراً في الأدوات. الدخول في مسارات التهدئة أو المفاوضات بعد الحرب الأخيرة يخدم هدفاً واحداً بامتياز: شراء الوقت للوصول إلى نسبة التخصيب العسكرية (90%).
سباق مع الزمن: تدرك طهران أن تحويل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% (والذي تمتلك منه كميات كبيرة بالفعل) إلى نسبة 90% يحتاج إلى أسابيع أو أشهر قليلة في بيئة غير خاضعة للرقابة. الهدنة توفر هذا الهامش الزمني الثمين بعيداً عن ضغط القصف اليومي.
تخفيف الضغط وتشتيت الانتباه: تستخدم إيران المفاوضات الدبلوماسية كمسكنات للمجتمع الدولي. بينما ينشغل الغرب بصياغة بنود وقف إطلاق النار وآليات المراقبة، تكون أجهزة الطرد المركزي في "فوردو" وغيرها من المواقع السرية تدور بأقصى طاقتها.
خلق الأمر الواقع: الهدف النهائي من شراء الوقت هو استغلال فترة الهدنة للإعلان المفاجئ (أو التسريب الاستخباراتي المقصود) بأن إيران قد تجاوزت بالفعل عتبة اللاعودة وأصبحت تمتلك المادة الانشطارية الكافية لصنع سلاح نووي. حينها، ستنقلب الطاولة، وسيتحول التفاوض من كيف نمنع إيران؟ إلى كيف نتعايش مع إيران النووية؟
المظلة النووية ونادي "صُناع القرار"
إذا نجحت خطة "شراء الوقت" الإيرانية عبر الهدن التكتيكية، واستيقظ العالم على حقيقة عبور طهران للعتبة النووية، فإننا لن نكون أمام مجرد أزمة انتشار تسلح جديدة، بل أمام انقلاب كامل في الهيكل الجيوسياسي للشرق الأوسط. السلاح النووي في العقيدة الإيرانية هو "درع وجودي" و"بوليصة تأمين" تمنح النظام الحاكم مناعة مطلقة، وتعيد تعريفه في القاموس الدولي.
إليك التفكيك الاستراتيجي لما يعنيه دخول إيران تحت هذه المظلة، وكيف سيؤدي ذلك إلى تغول مشروعها الإقليمي:
حجز مقعد دائم في "نادي الدول التي تقرر": أهم وأخطر ما ستحققه إيران بامتلاكها القنبلة هو تغيير تصنيفها الدولي. في العلاقات الدولية، الدول النووية لا تُعامل كدول مارقة يمكن الإطاحة بأنظمتها، بل كـ أقطاب أمر واقع يجب التفاوض معها واستيعابها.
الفيتو الإقليمي: بامتلاكها الرادع الأقصى، تفرض إيران نفسها كدولة "مقررة" في أي ترتيبات أمنية أو سياسية في الشرق الأوسط. لن يجرؤ المجتمع الدولي على تمرير أي مشاريع استراتيجية في المنطقة (سواء خطوط غاز، أو تحالفات أمنية، أو اتفاقيات سلام) دون أخذ المصالح الإيرانية بعين الاعتبار، خوفاً من التصعيد المفتوح.
إسقاط خيار تغيير النظام: ستدرك واشنطن والعواصم الغربية أن التدخل العسكري المباشر لإسقاط النظام في طهران أصبح مستحيلاً، مما يعني التسليم ببقاء النظام الإيراني وتوسعه كحقيقة جيوسياسية لا يمكن شطبها.
إيران والميليشيات و"الحصانة المزدوجة"
تحت ظل المظلة النووية، ستتغير قواعد الاشتباك العسكري بشكل جذري. تاريخياً، كانت القاعدة الضمنية هي أن تجاوز ميليشيات إيران (في لبنان، اليمن والعراق) للخطوط الحمراء قد يؤدي إلى ضربات انتقامية ضد الداخل الإيراني. لكن القنبلة النووية ستخلق قواعد عمل جديدة:
شراسة غير مسبوقة: ستشعر طهران بحصانة تامة ضد أي هجوم عسكري مباشر على أراضيها. هذا الشعور بالمنعة سيُترجم فوراً إلى تفويض مفتوح لوكلائها للعمل بشراسة ووقاحة غير مسبوقة.
تغيير الخرائط: ستدفع إيران ميليشياتها لمتابعة مشروع اقتطاع أراضٍ جديدة، وإسقاط حكومات، واستهداف البنية التحتية العربية، وهي تعلم يقيناً أن الدول المتضررة (وحتى الولايات المتحدة) ستتردد ألف مرة قبل توجيه ضربة للرأس المدبر في طهران، خوفاً من الانزلاق إلى حرب إقليمية قد تتطور إلى مواجهة نووية. الميليشيات ستصبح جيوشاً لا يمكن ردع ممولها.
الابتزاز النووي ومقصلة الاقتصاد العالمي
لن تكتفي إيران باستخدام مظلتها النووية لحماية وكلائها، بل ستوظفها كأداة للابتزاز الجيواقتصادي، مستهدفة بذلك الدول العربية المجاورة والاقتصاد العالمي بأسره:
عسكرة الممرات المائية: السيطرة الإيرانية (المباشرة أو عبر الوكلاء الحوثيين) على مضيق هرمز ومضيق باب المندب ستأخذ طابعاً مرعباً. أي تعارض في المصالح بين طهران والدول العربية الساحلية، سيُقابل بتهديد إيراني مبطن بإغلاق المضائق.
تحييد الرد الدولي: في السابق، كان التهديد بإغلاق المضائق يستدعي تحركاً عسكرياً أمريكياً فورياً (كما حدث في حرب الناقلات في الثمانينيات). أما مع وجود إيران نووية، فإن الأساطيل الغربية ستكون مقيدة؛ لأن أي اشتباك تقليدي قد يتدحرج إلى كارثة نووية.
فرض الإتاوات السياسية: ستستخدم طهران هذا الرعب لفرض إرادتها السياسية على دول الجوار؛ فإما القبول بالهيمنة الإيرانية على أسواق الطاقة والسياسات الإقليمية، أو مواجهة فوضى أمنية واقتصادية لا يملك الغرب رفاهية التدخل العسكري لوقفها.
حتمية الردع العربي
في ضوء واقع المنطقة المستجد وامتلاك إيران وإسرائيل السلاح النووي، يصبح التعويل العربي على الضمانات الدولية أو المعاهدات الغربية ضرباً من الانتحار الجيوسياسي.
التاريخ يثبت أن توازن الرعب هي اللغة الوحيدة التي توقف الدول التوسعية. تماماً كما فعلت باكستان لتحييد الخطر الهندي، فإن امتلاك دول عربية مركزية لـ ردع نووي موازٍ أصبح ضرورة وجودية لعدة أسباب:
كسر الاحتكار وإعادة التوازن: امتلاك السلاح النووي العربي سيجرد طهران وتل ابيب من ميزة "الابتزاز الاستراتيجي"، وسيجبرهم على التعامل مع محيطهم بمنطق الند للند، وليس بمنطق الهيمنة.
2حييد الوكلاء: عندما تعلم طهران أن أي حماقة ترتكبها ميليشياتها في العمق العربي قد تشعل مواجهة نووية، فإنها ستجبر على لجم وكلائها والتخلي عن سياسة "تصدير الثورة".
الاستقلال الأمني: بناء قدرات ردع ذاتية يحرر القرار العربي من تقلبات السياسة الأميركية ويضمن حماية الأمن القومي لعقود مقبلة.
أخيراً... الوقت الذي تعتقد المنطقة أنها تكسبه عبر الهدن، هو ذات الوقت الذي تستخدمه طهران لتغليف قنبلتها. في هذا السباق الصامت نحو الهاوية، لم يعد خيار الردع العربي الموازي مجرد ورقة ضغط دبلوماسية، بل هو الجدار الأخير الذي يحمي المنطقة من الانزلاق تحت رحمة هيمنة نووية لا ترحم.
الكاتب: لؤي مريود/ المدن
2026-05-30 || 08:24