"أصحاب الأرض": محاولة تعويض التخاذل المصري تجاه الإبادة
تعكس دراما رمضان المصرية لعام 2026، عبر أعمال مثل "رأس الأفعى" و"أصحاب الأرض"، تداخل السياسة والثقافة في إعادة تشكيل السرد الرسمي والذاكرة الجماعية للمجتمع.
تتجاوز الدراما التلفزيونية المصرية في كل موسم رمضاني حدود الاستهلاك الثقافي لتغدو فضاءً لإنتاج المعنى وإعادة صوغ المخيال الوطني. فهي تعمل كجهاز رمزي يعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والسرد، بحيث تتكرّس الحكاية الرسمية داخل نسيج المتعة البصرية. في هذا السياق يقترب المشهد من مفهوم الهيمنة الثقافية، حيث تُمارس السلطة نفوذها عبر تشكيل الحسّ المشترك وصياغة أفق الإدراك الجمعي، فتغدو رؤيتها للعالم معياراً متداولاً داخل المجال الثقافي. ويتقاطع ذلك مع تصور مفهوم الذاكرة الجماعية بوصفها عملية بناء مستمر للماضي داخل الحاضر، وفق إحداثيات القوة والشرعية، ومن ثمّ تغدو الدراما الرمضانية ممارسة لإدارة الذاكرة وتفعيل السلطة الرمزية في آن.
من خلال متابعة الحلقات الأولى، نحاول تفكيك تجليات هذه الدينامية على الشاشة، عبر قراءة السردية الأمنية في "رأس الأفعى"، وتحليل تمثيل الموقف المصري من حرب الإبادة في غزة في "أصحاب الأرض"، ثم مساءلة سوسيولوجيا التلقي الجماهيري بوصفها حيزاً يتحدد فيه معنى النص بين إرادة الإنتاج وأفق التأويل، في ظل التحولات السياسية التي تعيد تشكيل الفضاء العربي الراهن.
"رأس الأفعى" والمتخيل الأمني
يُمثّل مسلسل "رأس الأفعى" لحظة تكثيف رمزي داخل مشروع الدراما الوطنية التي بدأت منذ سنوات كحلقة مُحكَمة في امتداد سردية "الإنقاذ" من أهل الشرّ، وامتداداً عضوياً لمُسلسل "الاختيار" بأجزائه الثلاثة التي تراكمت كأرشيف بصري للشرعية الوجودية لسُلطوية السيسي. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة العمل عبر تمثّلات "السلطة الرمزية" كون لديها قدرة بنيوية على تعريف ما يُعد واقعاً أصلاً، وتثبيت الرؤى عبر الاقتصاد الدقيق للغة والصورة. المسلسل، الذي يعيد تمثيل ملاحقة جهاز الأمن الوطني للقيادي الإخواني محمود عزت، لا يكتفي بتوزيع الأدوار بين "بطل أمني" (أمير كرارة) يجسد يقظة الدولة، و"خصم إرهابي" (شريف منير) يُكثّف المكر والتآمر؛ لكنها أيضا تؤسس عبر هذا التقابل بنية تصنيفية تُعيد ترتيب المجال الأخلاقي ذاته. هكذا تُلبس الدولة، من خلال استراتيجية التكرار، رداء الخير المطلق، بوصفه معطى بديهياً، فيما تُختزل المعارضة الإسلامية، وفي قلبها الإخوان المسلمين، في استعارة "رأس الأفعى" الدموية، في محاولة لبث التأثير الناعم الذي يعيد تشكيل الإدراك من الداخل، بحيث يتماهى المتلقي، حسب هدف السُلطوية، مع الرؤية المهيمنة دون أن يشعر بوطأة فرضها.
كما تنتقل الدراما إلى مستوى إعادة بناء الحدث ذاته، فواقعة القبض على محمود عزت سواء في الواقع (وهو سجين منذ سنوات) أو في المسلسل، تؤطّر ضمن "قالب سردي مخطط" يقوم على ثنائية انتصار النظام على الفوضى، والخير على الشرّ، وأيضا، تركيز العمل الدرامي على التفاصيل التقنية -الأجهزة الإلكترونية، البيانات المشفرة، آليات التتبع- يعدُّ برهاناً ضمنياً على عقلانية الدولة وكفاءتها المطلقة، أي دليل درامي يُحوّل القوة إلى معرفة، والمعرفة إلى حق في التعريف والتأويل. بهذا المعنى، تغدو الدراما المستندة إلى "وقائع حقيقية" آلية لإنتاج الحقيقة ذاتها؛ إذ تُقدَّم الرواية الرسمية باعتبارها التطابق الكامل مع التاريخ، فتُغلق إمكانات السرد البديل قبل أن تتشكل. من هنا، تتكرس الشرعية الرمزية، ويساعدها في هذا التكريس، كونها تُروى باعتبارها الشكل الوحيد المعقول للوقائع، فيتحول الصراع السياسي المركب إلى معادلة أخلاقية مبسطة يسهل تصديقها واستهلاكها.
وإذا كان التصنيف يعيد ترتيب المعاني، فإن المكان يعيد تثبيتها. فإصرار صناع العمل على التصوير في فضاءات واقعية واستخدام أسماء ومقاطع مصورة حقيقية بمثابة استراتيجية لـتثبيت السردية الرسمية داخل الجغرافيا اليومية للمواطن، فيما تتقاطع الدراما مع فضاءات الذاكرة الجماعية والمكان؛ إذ إن الذاكرة لا تعيش في الفراغ، بل تتجذر في الشوارع والساحات التي تمنحها هيئة ملموسة، فحين يرى المشاهد الدلتا والقاهرة وسيناء، بوصفهم مسرحاً لبطولات أمنية، فإنه لا يشاهد قصة فحسب، لكنه يعيد ترميز فضائه اليومي باعتباره فضاءً محروساً ومُنقذاً. ومن ثمّ، يتأسس رابط خفي بين المكان والسلطة، رابط يمنح الرواية الرسمية استمرارية تتجاوز زمن العرض. بهذا المعنى، تهدف السردية الدرامية لإعادة هندسة الحسّ السياسي، ومن خلاله، يُنتج ذاتاً ممتنة للسلطة، ومقتنعة بأن البديل عنها ليس اختلافاً سياسياً، بل سقوطاً حتمياً في قبضة الفوضى والإرهاب التي جرى تجسيدهما في صورة الأفعى، مرشد الإخوان المسلمين.
السردية السُلطوية لـ"أصحاب الأرض"
من خلال مسلسل أصحاب الأرض ينزاح الخطاب الدرامي نحو أفق إقليمي يستحضر مأساة غزة وصمود سكانها تحت حرب الإبادة، منذ 7 أكتوبر 2023، في لحظة تاريخية مكثفة أعادت ترتيب أولويات الوعي العربي. هنا، تغادر الدراما_وإن كان من المبكر خروج دراما تتناول إبادة لم تتوقف إلى الآن_، موقع الحارس الأمني لتتقمص دور المؤرخ القومي والشاهد الأخلاقي، فتضطلع بوظيفة تأطير الحدث وإعادة إدراجه داخل سردية كلية، وبلغة عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس، تمارس إدارة الذاكرة الجماعية عبر نسج خيط دلالي يصل الماضي الفلسطيني بحاضره، ويؤطر الموقف المصري ضمن متوالية تاريخية متصلة تُكسبه عمقاً وشرعية.
العمل، الذي يجمع الطبيبة المصرية سلمى (منة شلبي) بالفلسطيني ناصر (إياد نصار)، يتجاوز بناء التعاطف الإنساني العابر إلى صياغة رواية فنية تنازع الروايات الزائفة للاحتلال الإسرائيلي، جاعلاً من الشاشة وسيطاً توثيقياً يحفظ الحق الفلسطيني من التبديد الرمزي ويعيد تثبيته في المخيال الجمعي. بذلك، يتشكل أفق لـ"نحن" جمعية، تخص العرب، تتخطى الحدود الجغرافية الوطنية، حيث تتوحد الحساسية الأخلاقية فوق دوي القذائف، وتُستعاد الهوية الوطنية والقومية بوصفها درعاً رمزياً، دون أي إشارة للمقاومة المسلحة، في مواجهة التهديد الإسرائيلي.
فلسفياً، ينهض العمل بوظيفة إعادة تأطير الصراع من جذوره الأنطولوجية؛ فالعنوان ذاته، أصحاب الأرض، يلامس سؤال الشرعية الوجودية، ويستدعي طبقات من المعنى تتصل بفكرة الامتلاك الرمزي والتاريخي للمكان. هذا الاختيار الدلالي أثار ارتباكاً في دوائر إعلامية إسرائيلية رأت فيه مساساً بسرديتها الصهيونية، غير أن تمثيل الألم لا يُقدَّم بوصفه معطى إنسانياً مجرداً أو صورة تعاطفية منفصلة عن سياقها، بل يُدرج داخل إطار سياسي يبرز الدور المصري في تعطيل مخططات التهجير، فيغدو العمل ممارسة لقوة ناعمة قد يتجاوز أثرها أثر البيانات الرسمية والخطابات الدبلوماسية، كما أن التركيز على تفاصيل الصمود اليومي- في سعي ناصر وغيره لحماية عائلاتهم وسط الركام- يضطلع بوظيفة تكوينية تُرسّخ في وعي الأجيال قيم الثبات والتمسك بالأرض، باعتبارهما جوهر الذاكرة التي تنقل معاني الهوية والعدالة عبر الزمن، وتحوّل التجربة الفردية إلى علامة جماعية.
غير أن هذا التحول يكشف توتراً بنيوياً بين التمثيل والواقع؛ إذ يزاوج المسلسل بين توثيق العنف وتمثيل الدولة المصرية كفاعل إقليمي قوي ومسؤول ومبادر، بينما تُستبعد من السرد وقائع تُربك هذه الصورة، كاتهامات بفرض رسوم باهظة، آلاف الدولارات، على خروج بعض الغزيين من معبر رفح عبر وسطاء، وعلى رأسهم العرجاني ومنظومته، أو التضييق واعتقال وترحيل ناشطين سعوا إلى الوصول لمعبر رفح للضغط على إسرائيل من أجل كسر الحصار، ومنع أي صوت مصري بالقمع من التضامن والمناداة بالحق الفلسطيني. هكذا تتقدم أولوية تثبيت القيمة الإنسانية والسياسية لمصر داخل النص، في مقابل إبراز الهمجية الإسرائيلية ومعاناة أهل غزة، والضفة الغربية من بعدها، بما يعكس انتقائية الذاكرة حين تُدار ضمن رهانات الشرعية والتمثيل. وفي هذا التوتر تحديداً تتكشف طبيعة الدراما بوصفها ساحة صراع على المعنى، حيث يتداخل التوثيق بالمخيلة، ويغدو السرد أداة لإعادة ترتيب الواقع أكثر منه مرآة شفافة له.
تلقي الجمهور في ظل الوصاية الدرامية
تتمدّد سيادة الدولة من احتكار العنف المشروع إلى احتكار إنتاج المعنى وكتابة التاريخ القريب، بحيث يغدو السرد ذاته مجالاً للضبط وإعادة الترتيب. فالحكم، ضمن هذا الأفق، يُمارَس عبر الأجهزة القمعية كالعسكر والشرطة، وبالقدر نفسه عبر الأجهزة الأيديولوجية كالإعلام والفن، من خلال آليتي الإقناع والرضا اللتين تُحوّلان الامتثال إلى اختيار متخيَّل يتخفّى في هيئة اقتناع ذاتي. يتجسد هذا المنطق في إنفاق باذخ، مئات الملايين من الجنيهات، لإنتاج مسلسلات تُعيد تثبيت السردية الرسمية رغم وطأة الأزمات الاقتصادية وتقلّص المجال الاجتماعي، يُطرح سؤال حول هذا الاستثمار، هل هو فعلا دليل على إعلان ثقة بمتانة الهيمنة أم علامة قلق من قابلية تصدّعها؟ كما يتماهى جزء من الجمهور مع صور البطولة القومية بوصفها رواية "إنقاذ" تُرمّم الإحباط اليومي بإحساس الفخر والانتماء، فيما يقابلها جزء آخر ببرود ساخر، موظفاً أدوات الفضاء الرقمي لإعادة تأويل النص وتفكيك خطابه، ولو بالسخرية، وكشف الفجوة بين الصورة الدرامية المترفة والواقع المعيشي المتعثر.
وأيضاً، تتعمق الإشكالية مع ما يُسمّى وصايا الدراما النظيفة وتدخلات اللجان والجهات السيادية لفرض منظومة قيم محددة- من تجريم المخدرات والطلاق إلى تمجيد المؤسسات- بوصفها سعياً إلى صياغة "ميثاق أخلاقي- سياسي" جامع، ومُتداخل بين "صراع مواقع" يُدار داخل المجال الثقافي لتثبيت البنية الرمزية للنظام. غير أن مفارقة الهيمنة تكمن في أن الإفراط في التوجيه قد يقوّض غايته؛ فعندما يُختزل الفن في نشرات إرشادية أو خطب وعظية يفقد توتره الجمالي ويتحوّل إلى دعاية مكشوفة تفتقر إلى كثافة الإبداع، ومع اتساع المنصات الرقمية يطوّر الجمهور المصري أنماط تلقي متباينة.
هكذا، يغدو موسم دراما رمضان هذا العام، كعادته منذ سنوات، ساحة لإدارة صراع مركب حول المعنى والذاكرة. عبر مسلسلي رأس الأفعى وأصحاب الأرض، بشكل أساسي، تُقدَّم رؤية متماسكة للداخل والخارج، ترتكز إلى تفعيل السلطة الرمزية وإعادة تنظيم الذاكرة الجماعية لترسيخ شرعية تتمحور حول ثيمتي الخلاص والالتزام الإنساني والقومي معاً. مع ذلك يظل رسوخ الهيمنة رهناً بقدرة الدراما على ملامسة الألم المعيش وتجاوز القوالب الجاهزة؛ وهذا ما ستكتشفه، في الحلقات القادمة، فالفن الذي يتحاشى مناطق الظل يفقد طاقته النقدية، وحين تتقدّم الوصاية على الحوار تتآكل إمكانات تشكّل وعي وطني حيّ، فإدارة الذاكرة فعل تفاوض مستمر بين نص يُنتج المعنى وجمهور يعيد صياغته، فتغدو الشاشة فضاء اشتباك دائم يمتد أثره في تشكيل الحس الإنساني لسنوات لاحقة.
الكاتب: أحمد عبد الحليم/ المدن
2026-02-26 || 22:36