هآرتس: الحرب في القطاع "سقوط صورة الإنسان"
يناقش الكاتب نوعا ليمونا تحول المواقف في إسرائيل من شن الحرب واستمرارها. ففي بداية الحرب، اعتبرت إسرائيل الضحايا دافعًا ضروريًا للدفاع عن نفسها ضد تهديد وجودي. لكن مع تضعضع الإيمان بعدالة الحرب، تحول التركيز إلى الضحايا كسبب لتبرير استمرارها.
شن الحرب على غزة تم دعمه بإجماع وطني واسع. إزاء الهجوم الأكثر وحشية الذي عرفته إسرائيل، وإزاء ما ظهر وكأنه تهديد وجودي حقيقي فإن أحداً لم يحتج على ضرورة هذه الحرب. لكن كلما تضعضع الإيمان بعدالة الحرب على ضوء شعارات بنيامين نتنياهو ("الانتصار المطلق"، "القضاء على حماس")، وأنه تحركها مصالح غريبة، بالأساس حقيقة أن المخطوفين الإسرائيليين ما زالوا في غزة وبعضهم يموتون هناك، (رغم عملية التحرير أمس)، فإنه يتعزز الاهتمام بالضحايا الذين تقتضيهم الحرب.
العملية شملت عرضاً منطقياً متأرجحاً فيه يتغير التسلسل السببي: الافتراض الذي بحسبه الهدف النبيل يبرر التضحية، ينعكس، والضحايا يصبحون السبب لتبرير الحرب، لأنه إذا لم نستمر فيها فإن تضحيتهم ستذهب هباء، بالضبط كما قال نتنياهو رداً على طلب حماس وقف إطلاق النار ضمن صفقة إطلاق سراح المخطوفين. ("إذا وافقنا على ذلك سيكون جنودنا سقطوا هباء").
بعد قتل 21 جندياً في انهيار مبنى في غزة قال وزير الدفاع يوآف غالانت إن "سقوط المقاتلين هو أمر محتم لتحقيق أهداف الحرب". وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، قال "التزامنا هو أن سقوط الأبناء لن يذهب هباء".
الجمهور الإسرائيلي يقدم ضحايا كثيرين منذ شن الحرب: هناك جنود دفعوا وجنود يدفعون حياتهم وسلامة أجسادهم وأنفسهم ورفاه عائلاتهم، المخطوفون يدفعون حياتهم وعائلاتهم تعيش في جهنم فظيعة، الحكومة تقوم بإجازة ميزانية فضائحية وموديس تعلن عن تخفيض التصنيف الائتماني. هكذا، الجمهور يدفع من جيوبه ومن جودة حياته.
يوجد ثمن آخر، يغيب عن عيون الكثير من الإسرائيليين، وهو ضحية إنسانيتنا. اللامبالاة الجارفة في إسرائيل إزاء إبعاد الموت والدمار في غزة، والعدد الكبير من الأطفال القتلى والجرحى، والعائلات المهجرة التي لم يبقَ لديها أي مكان تهرب إليه، كل ذلك هو خطر واضح على فقدان الطابع الإنساني الجماعي.
كل هؤلاء الضحايا بدلاً من أن يثيروا نقاشاً مهماً حول وقف الحرب من ـجل تقليص الأضرار، فإنهم يصبحون أسباباً تبرر استمرار الحرب: الجنود القتلى يوصوننا بمواصلة القتال، المخطوفون، الذين في البداية إطلاق سراحهم تم عرضه كهدف من أهداف القتال، أصبحوا مؤخراً هدفاً لحملة تشهير وكأن نضال العائلات ليس فقط غير مبرر، بل هو تهديد وجودي حقيقي.
حسب آلة السم فإن هذه العائلات من كثرة الوقاحة هي ببساطة ترفض الاستيعاب بأن أعزاءها هم ضحايا ضروريون من أجل بقاء الدولة.
في نهاية المطاف الفشل الأخلاقي تجاه سكان غزة هو أيضاً مبرر بشكل معاكس: تمترس إسرائيل في موقف الضحية يحول العدوان إلى سبب مبرر.
وقد عبر عن هذا المزاج بشكل جيد رئيس الكنيست أمير أوحانا في الخطاب الذي ألقاه في الأمم المتحدة، حيث ربط فيه بين مذبحة كشنيف وأحداث 1929 والكارثة و7 أكتوبر من أجل تبرير حقنا في ضرب أعدائنا.
هاكم طريقة جيدة لمعرفة إذا كان استمرار الحرب مبرراً أم لا: كلما أكثروا في الحكومة من التأكيد على ضحايا الحرب وضرورتهم المستقبلية وكلما زاد استخدام التلاعب بمفهوم الضحية، عرفنا أن مبررات الحرب الحقيقية ضعيفة.
الكاتب: نوعا ليمونا/هآرتس
2024-02-14 || 14:04