علي جازو: حياة شبحيّة وكتابة بصرية صامتة في برلين
تجربة الكاتب السوري الكردي علي جازو في برلين، حيث تحولت سنوات العزلة و"الحبسة الكتابية" إلى كتابة بصرية هادئة تعكس الهجرة والصمت والاغتراب بين سوريا ولبنان وألمانيا.
علي جازو شاعر وكاتب سوري كردي. ولد في العام 1975 بعامودا في أقصى شمال شرق سوريا. في دمشق أقام ودرس الحقوق في جامعتها، ثم أُُرغم على مغادرة بلاده إلى بيروت في العام 2014، ليهجرها إلى ألمانيا في العام 2018، ويقيم في برلين.
لا ينقطع جازو عن زيارة بيروت. وهو زارها بعد صدور مجموعتيه القصصيتين "قصص في حجم حبة كرز" و"تبغ الفجر" في نهاية العام المنصرم (2025)، فأجرت معه "المدن" حديثاً عن الكتابة والهجرة، عن أحوال الكرد السوريين في سوريا والمهاجر، وعن أثر كتاباتهم في اللغة العربية.
وبعد حلقة أولى عما استدخله الكّتاب الكرد في العربية، وثانية عن تنازع الهويات الثقافية وعذابات ازدواجها في سوريا، هذه حلقة ثالثة وأخيرة عن حياته الشبحيّة والحَبْسَة الكتابية التي أصابته في ألمانيا. وهنا نصُّ إجاباته متوالية بلسانه:
حَبْسَةٌ كتابية في برلين
أصابتني في السنوات الخمس الأولى من حياتي في برلين حبسة كتابية، فانقطعت عن الكتابة ظاناً أنني فقدت قدرتي عليها ولن أستعيدها. كنت أشعر باختناق، بانقطاع عن العالم الذي فصلني عنه حاجز نفسي أكثر منه لغويًا. لكنني لم أدرك أنني في الصمت والقطيعة والعجز كنت أراكم مشاهد بصرية صامتة لما عشته في تلك السنوات على طرف شمال برلين الشرقي المتاخم لمنطقة ريفية.
نعم، كانت ذاكرتي البصرية تسجل صوراً ومشاهد لأماكن وأشياء، للحظات ولقاءات، ولما أتبادله من كلمات وحركات قليلة عابرة مع جيران. كلمات مع جارتي المسنّة عن الطقس، عن مرضها، وعما فعلتْه وفعلتُه أنا في عطلة السبت والأحد... كأنما إلفة خفيّة، خفيفة وعابرة، كانت تتسلل بطيئًا إلى علاقتي بالمكان وأشخاصه، وبطيئاً بطيئاً تزيل ذاك الحاجز الذي كان يفصلني عن العالم ويمنعني من الإحساس به والتواصل معه، وتهيأ لي أخيراً أنه فجأة وسريعاً تهاوى واختفى.
لكنني في الحقيقة كنت في الصمت، وببطءٍ وهدوء وبلا وعي وإرادة مني، أسجلُ تلك المشاهد والصور الصامتة، كأنني أكتبها، قبل زوال ذاك الحاجز، وتدفق كتابتي الفعلية بسلاسة ممتعة، جدّّدت إحساسي باللغة العربية وكلماتها، فبدّدت حبستي الكتابية.
كتابة حرّة لمشاهد حقيقة متخيّلة
في نصوص كتبتها شذراتٍ بعدما تحرّرت من حبستي، حضرت المشاهد والأحاسيس المتراكمة بطيئاً بطيئاً، كأنها كانت مادة أحاديث (مونولوغ) مؤجّلة عن حياتي في برلين، ومع برلين، ومع كأس بيرة ألمانية في مقهى، وعن "سيدة لوّحت لي في صيف مضى، بيدها اليمنى من نافذة نصف مفتوحة في الطابق الثالث من المبنى الذي أسير قربه الآن".
في هذه النصوص، وقبلها في مجموعتي المنشورة بعنوان "قصص بحجم حبة كرز" والأخرى "تبغ الفجر"، وجدتني أميل إلى كتابة لحظات بصرية، وإلى صناعة مشاهد حقيقية متخيَّلة. وفي هذا النوع من النصوص-الشذرات هناك حكاية ما، قصة ما، لكنه سرد سرعان ما ينقطع بعد مقطع أول، لتنتقل الكتابة في المقطع الثاني إلى أسلوب المقالة. وعلى هذا المنوال يتشكل نص مرن أجدني أستمتع بكتابته الحرة، بمرونته السردية، وبمزيج أساليبه الكتابية.
في هذا النوع من الكتابة لا صخب، لا صوت مرتفعاً، لا قضية محددة مهيمنة أو مسيطرة، ولا من موضوع ناجز ومحدد. لماذا؟ قد يكون هذا ناجمًا عن حساسية بصرية صامتة في الكتابة، عن رضىً بالحياة، أليف وأليم، عن غياب أي دعوة، وعن حياتي الشبحية العديمة الوزن في ألمانيا طوال 5 سنوات، وربما المستمرة في شبحيتها، حتى بعد زوال حبستي الكتابية.
لا، لم تكن حياتي الشبحية في برلين ناجمة عن خوف أو رهبة، بل عن شعوري الطبيعي بفردية صامتة تمتلئ بمشاهد وأفكار صامتة بدورها، وبمصاعب ووعود ونجاحات ولقاءات عابرة. والحياة الشبحيّة قد تمنحكَ حماية ما أحياناً، لكنها تشعرك بأنك كائن غير موجود، بلا حضور، ولا أثر، فيما أنتَ تُرى وتَرى وتتحرك في المكان وتعيش.
أما زوال حبستي الكتابية وشروعي بالكتابة، فلم تزيلا شعوري بحياتي الشبحيّة، بل مكنتني من رؤيتها أكثر وبوضوح، لكن من خارجها. كأنما الشبح صار يراقب شبحًا آخر، يتأمله ويصفه، يمنحه كيانًا، ويتعرف عليه. وكأنما الكتابة في هذه الحال عرّفتني على نفسي، وضاعفت تفتّح حواسي ومعرفتي بالعالم من حوالي، وأقامت حوارًا بيني وبينه.
هل كانت سنوات حبستي الكتابية الخمس وحياتي الشبحية في برلين، تبعدانني عن ماضيّ، عن سوريا وبيروت اللتين غادرتهما، أم أنهما ناجمتان عن ابتعادي وانقطاعي عن حياتي السابقة؟ لا بد أن يكون هذان السؤالان وجهان لسؤال واحد ومسألة واحدة: تغيّر أشكال العلاقة بالذات، بالواقع، بالزمن، بالذاكرة، وبالكتابة تاليًا.
أنا أصلاً أحب الصوت الخفيض، والنبرة الخفيضة، وحضور حاسة البصر أو الحساسية البصرية الصامتة حضوراً راجحاً، في الكتابة التي أسميها بصرية. وقد تكون حياتي الشبحيّة في برلين ضاعفت ميلي هذا ومكّنتني منه. وأنا أظن أن الكتابة مصدرها أصلًا ما نراه ونبصره. وما نراه ونبصره صامت. وفي داخل هذا الصمت تتفاعل التجارب، القراءات، والأفكار التي نحصّلها في الحياة. وأظن أن الأدب منبعه البصر الصامت أصلًا.
كتابة وكلام عموميان صاخبان
ربما كان شعوري بالاختناق والانقطاع والعجز في سنواتي البرلينية الخمس الأولى، استكمالاً لاختناقي وللاختناق العام في سوريا ودمشق وبيروت، حيث لا يمكن للعيش أن يساعد على كتابة بصرية صامتة. فالعيش في سوريا لا يساعد على الكلام أصلاً، ولا على التواصل العلني الصريح والمباشر.
كنا نحكي كثيراً في سوريا، لكنه كلام متكرّر أجوف، وأقرب إلى اجترار الكلام، لملء الصمتَ. صمتنا الفعلي العميق، الناجم عن امتناع مزمن، عنيف وقاسِ، للكلام الذي تعّودنا اجتراره بصخب يكاد لا يقول شيئاً، ويشبه حياتنا الفعلية أو الحقيقية الخاوية القاسية، وظلت حقيقتها وقسوتها صامتتان وخارج العبارة والتعبير عنهما.
نعم، كنا في سوريا نتكلم كثيراً، لكن في أشياء وأمور عمومية وشبه مجرّدة، تفتقد الصوت الفردي الخاص والمعايشة الحقيقية.
في دمشق وبيروت أنشأتُ علاقات وصداقات أليفة، لكنها إلفة سِمتُها التكرار والرتابة والكلام العمومي، وأحياناً الوعظي، والتجريدي الأخلاقي. وفي المدينتين إياهما عليك إما أن تقبل كلام الآخر على مضض ثم تصفّق له، أو تجابهه، أو تصمت ولا تجيبه في شيء. ويمكنك أيضاً أن تسنح عن كلامه وتجاريه فيه بلا قناعتك الفعلية بكلامه.
وأظن أن هذا ناجم عن فقدان وسطٍ حرٍّ للكلام ومستقل عن المتكلمين. فالكلام أصلًا ليس بين شخصين أو أشخاص، بل هو الفضاء الوسطي المستقل الذي يتكلم الأشخاص فيه ويتبادلون أفكارهم وتجاربهم بحرية عامة وحرية ضمير فردي أو شخصي. والفضاء هذا هو ما نحن محرومون منه في دمشق وبيروت وسائر العواصم العربية. قد يتوافر هذا الوسط، لكنه شكلي، بلا حيوية، ويكاد أن يكون في حال من الموت السريري. نعم هناك صحف ومقاهٍ ولقاءات ووسائط تواصل افتراضي في بلادنا، لكنها مليئة بصخب كلام مجوّف ينطوي على خوف يخنق الكلام والرأي والرغبات والأصوات الحقيقية الخاصة.
ويشمل هذا الوضع الكتابة العربية على وجه الإجمال. وهي كتابة صاخبة غالبًا، وعالية النبرة. والكتابة الصاخبة والنبرة العالية في التعبير الأدبي، يغلب فيها وعليها الصوت العمومي، الشبيه بصوت الحشود، إن لم تكن صوتها بالتمام والكمال. والكاتب في هذه الحال هو صوت جماعة، حشد، عصبية، أو حزب. وفي سوريا ودمشق التي عشت فيها 10 سنوات ودرستُ الحقوق في جامعتها، وعملت في صحافتها وراسلت صحفاً في بيروت، لم أكن أستسيغ الكتابة الصاخبة، وأبتعد عنها.
وفي هذا السياق، أذكر أن ما كان ينشره السوريون في الصحف البيروتية من كتابات، كان مصدر فرح لهم في سوريا. وما كان يفرحهم -وأنا منهم طبعاً -هو وصول صوتهم إليهم من الخارج، كأنه صدىً يصلنا من بيروت، ويقلّل من اختناقنا في بلدنا.
معاني الصمت الألماني
اكتشفت في ألمانيا أن الألمان أميل إلى الصمت منهم إلى الكلام، إلا حين يكونون في حاجة إليه. والصمت الألماني داخلي وحميم. وقد يكون انطباعي هذا عنهم غير دقيق. لكن الأرجح أنهم اختاروا الصمت اختياراً على خلاف السوريين المجبرين على الصمت. وفي حياتنا العربية أرجّج أن الصمت يخيفنا، فنهرب منه إلى الكلام. نحن يقلقنا الصمت، فنبدد قلقنا بالكلام.
في البداية كان الصمت الألماني يقلقني، وأجد فيه غموضاً، فأتساءل: لماذا لا يتكلمون؟! طبعاً هم يتكلمون حينما يكون هناك داعٍ إلى الكلام. لكن كلامهم غالباً ما يكون هادئاً، مفكَّراً فيه، تتخلله مساحات صامتة. ثم إن المتكلِّم يقيم مسافة ما بينه وبين كلامه. وهو لا يتكلم فقط، بل يستمع أيضاً وبهدوء وعن مسافة، لكلام الآخر. هذه المسافة هي وليدة الوسط التواصلي الحر والمستقل عن المتكلمين
هكذا بدأتُ أنتبه إلى أن هذه العمليات: الكلام، فجوات الصمت الذي تتخلله، الاستماع، المسافة بين المتكلمين، وبين المتكلمين وكلامهم، تنسحب على نمط العيش الألماني، وهي سمة من سمات الحياة الفردية في ألمانيا. كأنما الصمت أقرب إلى ذواتهم وأنفسهم، وربما مبعثه سلام ووئام داخليين في حياتهم، وقد يكون على صلة وثيقة باجتماعهم وبالحياة السياسية والعامة في بلدهم. وهذا على خلاف الحياة العامة في سوريا ولبنان مثلاً. وهي حياة صاخبة وقاسية، وتكاد تخلو من الصمت، حتى في مشاهدها المادية والعمرانية العشوائية والعدوانية الصامتة.
هل كنت بلا وعي مني في ألمانيا، أُطفئُ ذاك الصخب الذي حملته في جسمي وروحي من سوريا ودمشق وبيروت؟ ربما فعلت ذلك بتحويل العالم إلى لوحة كتابية صامتة، إلى تجميده في مشاهد بصرية، أو صور فوتوغرافية تتكلم وتعبّر عني وعنه بصمت، لأكتشف حقيقتي وحقيقته الأخريين.
فاصل بيروتي
لكن عليَّ أن أعترف أنني عشت أجمل سنوات حياتي في بيروت بين العامين 2014- 2018. عشت مع مدمني كحول وكتّاب وشعراء وصحافيين سوريين ولبنانيين. وقد يكون جمال تلك السنوات يكمن في أنني تعرّفت إلى كثيرين، عايشتهم وعرفتهم ولم أعرفهم في آن، في سيولة وسهولة من العلاقات واللقاءات والصداقات. كان الوقت وفيراً بكسله وفوضاه وصخبه. وعرفتُ كتّابًا كنت أقرأ لهم قبل أن أتعرّف إليهم، ثم نشأت بيني وبينهم صداقات استمرت، حتى بعد هجرتي إلى ألمانيا.
سوريون كثيرون كنت أعرفهم في دمشق، لكنني عشت معهم وعرفتهم في بيروت كما لم أعرفهم في سوريا. واليوم وأنا في برلين وفي بيروت، أشعر أن سوريا ودمشق بعيدتان. وفي برلين أشعر أن بيروت أقرب إليّ من دمشق التي يتهيأ لي أنني أجدها في بيروت التي لا أجدها في دمشق. أقول هذا مدركًا أن كثرة من السوريين لا يوافوني فيه.
كلاب وأطفال ومسنون
أن تعيش وتكتب في ألمانيا باللغة العربية، لديك شعور بأنك قد لا تصل لا إلى قراء العربية ولا إلى قراء الألمانية. يكتنف هذه الكتابة غموض مزدوج، قد يناسب أو يوازي حياتي الشبحيّة التي أحبها في ألمانيا.
جمهور القراء الألماني بالعربية متعدد: جامعيون وأخصائيون متابعون، مترجمون، هواة وأصحاب رغبة في الاطلاع على ثقافات أخرى... وهذا ليس بقليل في بلاد لديها طموح أن تكون الحياة الثقافية فيها مختبراً ثقافياً عالميًاً أو معولماً، واستدخلت في نسيجها الاجتماعي مليون سوري يتكلمون ويكتبون بالعربية.
وأنا اليوم أكتب نصوص كتاب اخترت عنوانه: كلاب وأطفال ومسنون. وهؤلاء هم شخصيات الكتاب المجهولو الأسماء. وهم يحضرون إلى النصوص من حيزٍ ألماني ضيق: ممر لا يتجاوز طوله 250- 300م قرب دار للعجزة وروضة أطفال، وينزِّه فيه بعض السكان كلابهم. وأنا أقيم هناك، وأتمشى أحيانًا في ذاك المكان بلا هدف وتطالعني مشاهد الحياة اليومية فيه. وهذا ما زوّدني بفكرة جديدة: قد يكون العجز فكرة مغرية للكتابة. فإلى المسنين العجزة على هامش الحياة، هناك الأطفال والكلاب الذين لا يعرفون ما هي اللغة بعد، ما هو الدين، وما هي القومية.
لقد استمتعت استمتاعاً مذهلاً بمراقبتهم. قد تكون القسوة من سماتِ هذه المراقبة، مراقبة العجز بدل أن أشيح بصري عنه وأهرب منه. وقد تكون كتابة هذه المشاهد البصرية الصامتة جلبت لي شيئاً من العزاء.
الكاتب: محمد أبي سمرا/ المدن
2026-06-03 || 09:58