زقّوم أريحا
يقص علينا الشاعر زكريا محمد تجربته الشخصية مع شجرة الزقوم في أريحا، ليزعزع فينا ما نعتبره معرفة واقعية رغم أنها تستند إلى معرفة ميثولوجية، أي وهمية. فما هي قصة زقوم أريحا وما علاقتها بـ "طعام أهل النار"؟
أول مرة تعرفت على زقوم أريحا كانت سنة 2014. ذهبنا أنا وزوجتي إلى (العوجا) شمال أريحا، فوجدنا في البرية هناك شجرة شوكية تحمل ثماراً بحجم حبة البلوط الكبيرة، أو بحجم الرطبة. أخذت ثمرة وقشرتها. كانت تحت القشرة مادة دبقة، تذوقتها، فكانت حلوة مع خيط ما من الغرابة. وقريبا من المكان رأيت شيخاً يجلس تحت شجرة دوم عند حقل برسيم أخضر، فتوجهت إليه، وأريته ثمارها، وسألته عنها: فقال لي: هذا هو الزّقّوم، وهو مرّ جدا.
فاجأني كلامه، فقد كنت أعتقد أن شجرة الزقوم شجرة ميثولوجية قرآنية، وليست شجرة حقيقية. قلت له: ولكنني ذقت طعمها، وهي حلوة، وليست مرة. دهش الشيخ أن يكون الزقوم حلوا، وأن يكون واحد مثلي قد أقدم على تذوق ثماره الملعونة. ولعله ظنني شيطانا لأنني تذوقتها.
وهكذا، فمعرفة الناس بالأشياء قد تكون أحيانا معرفة ميثولوجية، أي معرفة وهمية غير واقعية. فالذين يعيشون في أريحا يعتقدون أن (زقوم أريحا) مرّ جدا، رغم انهم لم يتذوقوه. وكيف يتذوقونه ما داموا قد ربطوه بشجرة الزقوم الملعونة في القرآن؟: "أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ". (الصافات: 62-66). فشجرة تخرج من أصل الجحيم لا بد أن تكون مرة كالعلقم. كما لا بد لمرارتها أن تكون قاتلة، وهو ما يشير إليه القرآن بشكل ما: "إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الاَْثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِى الْبُطُونِ كَغَلْىِ الْحَمِيمِ". (سورة الدخان: 43-45). الفكرة الميثولوجية إذن ذاتها تمنعهم من تذوق الزقوم. الفكرة تمنعهم من اختباره.
شجرة البلسم المصرية
بالطبع، ليس زقوم أريحا هو زقوم القرآن الأسطوري. فطلعهُ ليس كرؤوس الشياطين، بل هو طلع كالتمر، وفيه حلاوة ولزوجة. وتعرف المصادر العربية هذه الحقيقة عن الزقوم فتقول لنا، إن "في أريحا شجرة يقال لها: الزقوم لها ثمر كالتمر حلو عفص، ولنواه دهن عظيم المنافع في تحليل الرياح الباردة وأمراض البلغم وأوجاع المفاصل والنقرس وعرق النسا، وذكر أن أصلها من الهند، جاءت به بنو أمية من أرض الهند وزرعته بأريحا".
والحال، أن زقوم أريحا هو شجرة البلسم، أو البلسم المصري كما يسمى أحيانا. وكان زيت البلسم هذا واحدا من أهم المواد الطبية في الماضي. لهذا جُعل كل دواء شاف نافع بلسماً في ألسنة الناس. وكانت أريحا في يوم من الأيام منتجا كبيرا لدهن البلسم الشافي.
الكاتب: زكريا محمد
2021-04-18 || 13:25