من عاشوا في زمن ناجي العلي اعتادوا أن يبدأ نهارهم بالصفحة الأخيرة للجريدة. وفي زمن الكورونا اعتاد كثيرون أن يبدأ نهارهم بصفحة الفيسبوك لعماد الأصفر، أولاً في سلسلة "بغداديات" ثم في "دمشقيات - سوريا التي في خاطري"، والتي رأت النور في كتاب جديد من 435 صفحة.
صدر عن مكتبة كل شيء في حيفا مؤخرا كتاب "دمشقيات" للكاتب عماد الأصفر، وهو كتابه الثاني بعد "بغداديات"، ويشتمل هذا الكتاب المنوع على قصص طريفة وذكريات وخفايا عن عدة أمور تتعلق بالعلاقة الفلسطينية السورية داخل سوريا وفي لبنان ونشأة فرقة العاشقين وسطور من حياة الشاعر نزار قباني وعن الدراما السورية قديما وحديثا وشخصيات سورية لم تنل حقها من التكريم. وفي الكتاب أيضا قصص من حياة الشاعرين العراقيين مظفر النواب ومحمد مهدي الجواهري في دمشق ومن زيارات الشاعر محمود درويش لها.
يتنقل الكاتب في قصصه بين السياسة ممثلة بياسر عرفات وحافظ الأسد وغيرهما، والثورة ممثلة بفوزي القاوقجي وسعيد العاص، وصولا لاجتياح بيروت وبطولات أبو اياد وسعد صايل، وبين الأدب والشعر والدراما والأغاني والموسيقى ممثلة بأمير الكمنجة سامي الشوا وأمير البزق محمد عبد الكريم، ويفرد مساحة لاستعراض سيرة وأفكار أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي. وسيرة الشيخ عز الدين القسام والمطرانين هيلاريون كبوجي وغريغوريوس حجار.
بعد 88 قصة من بحور الشام ختم المؤلف كتابه بهذه العبارات: سوريا التي في خاطري
وقفت على أعتابها، فتحت بواباتها، انتقيت ما أريد، ومع ذلك ورغم كل هذا التقصد لقد اصطادتني أفخاخها في أكثر من موقع، فوقعت وتألمت، وضعت على يسار وعلى يمين كل جرح وردة، فتشافيت وتناسيت، ومضيت أبحث عن ورود أخرى، وطال بحثي لأنني أريد لعدد الورود أن يتفوق على عدد الجراح. أطلت الوقوف في حارة "صح النوم"، لقد كان مسلسلا واعدا بتفوق الدراما السورية، تفوق ظل العرب جميعا يعقدون الأمل عليه، ولم تخيب سوريا أملهم، لقد أهدت شاشاتهم تاريخا ناصعا، ومسرحا هادفا، وما زالت تقدم الهدايا. وقفت في القنيطرة يتقاذفني اضطراب المشاعر، هنا أرض محررة، وهناك قبور شهداء مغاربة، وهناك صخرة نداء، ومرصد للرادار الإسرائيلي، وجبهة عالية لا تشرف إلا على الهدوء. وهناك بانوراما للنصر التشريني وهناك وديعة رابين.
صاح بي أحمد الزعتر، وقفت مطعونا في الظهر لا أقوى على المسير، كان علي أن أوفر بعضا من الدمع لمن سيُقتلون هناك أيضا، فرفعت النشيد في مواجهة الغضب، وأعليت من الصمود في وجه الانسحاب والهزيمة، كان الصمود إجباريا تماما كما كان الانسحاب إجباريا، وكان النشيد واحة في صحراء بؤس الغضب والهزيمة. فتشت عن دواء يسكن جراحي، عن صوت يعلو فوق عتابي، وجدت ضالتي في القباني، كان علي أن أكمل قمر شعره ووجهه، كان علي أن أكشف جمال وجهه الآخر، كنت راضيا في الختام عن صورة هذا الدمشقي الجميل، وهو يعشق بجنون، ويغضب ويثور، ويصول ويجول، ويشتم المنتكسين.
طعنوني في الخاصرة وشقوا كبدي، أبعدوني، ذكرتهم بالقسام، بسعيد العاص "أبو سعاد"، سرت معهم في دروب ومسالك ومذكرات فوزي القاوقجي، لقد أردت إنصافه، وأعتقد أنني فعلت، فهو لم يكن سوى بطل مهزوم بين مهزومين لم يكونوا قريبين من البطولة. تتبعت المواقف المشرفة لمطران اسمه كبوجي، كان يريد شاما مستقرا وقدسا محررة، كان يضع مداميك من الإنجيل للاهوت مقاوم.
تذكرت غربة اليرموك الطويلة ثم جوعه وعطشه فمذبحته الجديدة، من أين يستخرج الفلسطيني كل هذا الصبر؟! من أين سيستخرجه اللاجئون الجدد، مرة بعد مرة، ما الذي سيميز لاجئا فلسطينيا عن لاجئ يحمل جنسية بلد يفترض أنه مستقل وصاحب سيادة؟! المؤلف وأستاذ الإعلام في جامعة بير زيت عماد الأصفر وضعت ما أمكنني من أضواء على رجلين فذيّن هما المطران غريغوريوس حجار، والزعيم أنطون سعادة، أرادا شرقا موحدا وقويا لا سطوة لإسرائيل على لبنانه، كانا من أفصح الناس لسانا، وأوعاهم في السياسة والأدب. نتفق جميعا أن محاكمة سعادة لم تكن عادلة، وأنه واجه حكما جائرا إن لم نقل حكما باطلا، ولكن سوريا الكبرى التي أرادها، فكرة لم تنل هي أيضا الإنصاف الكافي، وأما أفكاره في الأدب والشعر والفنون، ونظرته لنشوء وارتقاء الأمم، وتمييزه الواعي بين السلالة والأمة، فقد أطلق عليها الرصاص من قبل المفكرين، تماما كما أطلق الجنود الرصاص على جسده قبل أن يبلغ الخامسة والأربعين.
جلست مع النواب في مقهى دمشقي، فكتب قصيدته الرائعة "حمام نسوان" وبحثت عن طاقية الجواهري في دمشق فلم تخطئها عيني، انتعشت ببرودة الرخام الدمشقي، ورأيت الحمام يطير اثنتين اثنتين في قصائد محمود درويش، ورأيت بردى في أشعار سعيد عقل وألحان الرحابنة وصوت فيروز، لم يكن نهرا جافا ولا ملوثا، لقد كان لسانا أمويا. ذهبت إلى اللاذقية، فواسيت جاكلين باستشهاد خطيبها البطل جول جمال، وحضرت محاكمة وإعدام سليمان الحلبي ورفاقه، طربت لموسيقى الأميرين: أمير البزق محمد عبد الكريم وأمير الكمنجة سامي الشوا. تصفحت ما تيسر من مقالات ماري عجمي، رثيت لحالها وهي تذوي بعد استشهاد خطيبها اليوناني الشهم، حفظت اسم نازك العابد واسم مريم الإسطرلابية، ورددت بيني وبين نفسي أناشيد سليمان العيسى.
شعرت بالعجز وتأنيب الضمير حين لم أجد من الكلمات ما يعكس أناقة بيت دمشقي، ويحاكي صوت ناعورة في حماة، أو فيح ياسمينة في الشام، لم تتسع لغتي لتكون بساطا حمويا أو قدا حلبيا. أذهلتني الحارات بتشعباتها في بطن التاريخ، وبهرني توالد الحكايات، أذهلني الناس بصبرهم بمهارتهم بإتقانهم بدأبهم باحترامهم للحياة للأسرة للبيت، للهجة للعادات للموروث بكل أشكاله. هناك في الشام خطة محكمة لكل شيء، لصحن السلطة لكاسة الشاي وفنجان القهوة، للحب والزيجات المدبرة، لتربية الأبناء والبنات، خطة لتوريث المهنة والمهارة، خطة للأرجيلة والسيران وجمعة الحمّام، واجتماع النساء، وسوق التجار، وبسطات الباعة، هناك في الشام خلطة سحرية لكل شيء، خلطة تجعل العادي جدا جميلا بامتياز.
أحب كثيرا أن أصدق أن في الشام خلطة سحرية لما تواجهه من حرب فيها وعليها، أحب أن تنتهي إلى الأبد كل أشكال الديكتاتورية، وأن تكون البدائل وطنية، واعية منفتحة مؤمنة بكرامة المواطن كمواطن بعيدا عن جنسه ولونه وعرقه ودينه وطائفته وفكره، أحب أن ترجع الشام شامة الدنيا ووردتها.
يكون الجو صافياً بوجه عام، ومعتدلاً في المناطق الجبلية، وحاراً نسبياً في بقية المناطق، ويطرأ ارتفاع آخر على درجات الحرارة، وتتراوح في نابلس بين 28 نهاراً و17 ليلاً.