دوامة امتلاك منزل.. لماذا يؤجل الشباب الفلسطيني الزواج؟
يجد الشباب الفلسطيني اليوم أنفسهم عالقين في أزمة سكن خانقة، حيث تحولت تكاليف البناء المرتفعة ومعدلات البطالة إلى عائق يحول دون تحقيق طموحهم في الاستقرار وتأسيس أسرة. ومع اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، بات امتلاك مسكنٍ خاص حلماً مؤجلاً يتطلب حلولاً اقتصادية وسياسية جذرية تتجاوز مجرد توفير السكن.
في كل مساء، يعود الشاب محمد يوسف (32 عاماً) إلى منزل عائلته في إحدى قرى محافظة سلفيت، حاملاً معه السؤال ذاته، الذي يدور في باله منذ سنوات: متى سأتمكن من بناء بيتي والزواج؟ قبل خمس سنوات، كان يعتقد أن الأمر يحتاج إلى العمل ساعات أكثر وبعض الادخار. أما اليوم، وبعد أن تجاوز الثلاثين عاماً، بدأ يشعر أن الفكرة تبدو أبعد من أي وقت مضى. قطعة الأرض التي كان سعرها قبل سنوات معقولاً، تضاعف ثمنها، فيما ارتفعت تكاليف البناء بشكل كبير، وبات راتبه الشهري بالكاد يغطي احتياجاته الأساسية.
تعكس مؤشرات سوق العمل حجم التحديات التي تواجه الشباب الفلسطيني في سعيهم نحو الاستقلال وتأسيس حياة مستقرة. فوفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ معدل البطالة في الضفة الغربية 27.5% خلال الربع الرابع من عام 2025، فيما ارتفعت نسبة البطالة بين الشباب من حملة الدبلوم فأعلى (19–29 عاماً) إلى 37.5%، بينما يتقاضى 14.6% من العاملين في القطاع الخاص أجوراً تقل عن الحد الأدنى للأجور، بمتوسط شهري لا يتجاوز 1442 شيقلاً. وفي المقابل، تواصل أسعار الأراضي ومواد البناء والإيجارات صعودها، إذ سجل الرقم القياسي لأسعار تكاليف البناء للمباني السكنية في الضفة الغربية ارتفاعاً جديداً خلال أيار/مايو 2026، مدفوعاً بزيادة أسعار المعدات والخامات.
وفي ظل هذه المؤشرات، يصبح الادخار لشراء قطعة أرض أو بناء منزل تحدياً يفوق قدرة شريحة واسعة من الشباب، لتتحول أزمة السكن من مجرد ارتفاع في الأسعار إلى انعكاس مباشر لأزمة اقتصادية أوسع، تتداخل فيها البطالة، وتدني الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتؤجل معها أحلام الاستقرار وتأسيس الأسرة.
يقول الباحث في مجال التنمية المحلية الدكتور عمر السلخي: إن غياب الدخل الثابت أو محدودية الأجور يجعل الادخار لشراء أرض أو شقة أمراً بالغ الصعوبة، في وقت تشهد فيه أسعار الأراضي ومواد البناء والإيجارات ارتفاعاً متواصلاً، وبينما كان امتلاك منزل يشكل هدفاً يمكن تحقيقه بعد سنوات من العمل والادخار، بات اليوم بالنسبة لكثير من الشباب مشروعاً مؤجلاً إلى أجل غير معلوم، أو حلماً يصطدم بواقع اقتصادي يزداد تعقيداً عاماً بعد آخر.
منازل مهددة بالهدم
ويشير السلخي إلى أن أزمة السكن لا ترتبط فقط بارتفاع الأسعار، بل أيضاً باتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، فالشاب الذي يبدأ حياته العملية براتب محدود يجد نفسه أمام التزامات أساسية تقلل قدرته على الادخار، ما يدفع كثيرين إلى خيارات بديلة مثل الإيجار أو البناء فوق منزل العائلة. وتأتي هذه التحديات في ظل واقع اقتصادي فلسطيني يعاني من حالة عدم استقرار انعكست بشكل مباشر على مستويات الدخل والقدرة الشرائية للأسر، وهو ما تشير إليه التقديرات الاقتصادية الرسمية.
فوفقاً لتقريرين صادرين عن سلطة النقد الفلسطينية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حول التنبؤات الاقتصادية لعام 2026، فإن الاقتصاد الفلسطيني يتجه نحو تعافٍ محدود لا يعكس استعادة فعلية لقدراته الإنتاجية، إذ تشير التقديرات إلى نمو يتراوح بين (4.1% - 4.5%) خلال العام المقبل، بعد الانكماش الحاد الذي شهده عام 2024. إلا أن هذا النمو يبقى هشاً، في ظل استمرار القيود على الحركة والتجارة، وتعطل جزء من العمالة الفلسطينية عن الوصول إلى سوق العمل داخل إسرائيل، إضافة إلى الضغوط التي تواجه المالية العامة، ما يحد من قدرة الأسر على تحسين أوضاعها الاقتصادية أو مواجهة الارتفاع المستمر في تكاليف السكن.
لم تعد أزمة السكن في فلسطين تقتصر على صعوبة بناء منزل، بل تحولت إلى واحدة من أبرز التحديات التي ترسم ملامح مستقبل الشباب واستقرارهم الاجتماعي والاقتصادي، فامتلاك مسكن لم يعد مجرد توفير أربعة جدران وسقف، وإنما يمثل بوابة نحو الاستقلال، وتأسيس أسرة، وبناء حياة مستقرة.
هذه الخطوة، التي كانت تعد في السابق محطة طبيعية في مسار حياة أي شخص، أصبحت اليوم هدفاً يبتعد كلما اقترب منه الشباب. فبين الارتفاع المتواصل في أسعار الأراضي ومواد البناء والإيجارات، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة ومحدودية الأراضي التي يمكن البناء فيها بحسب التصنيفات السياسية وتصنيف غالبيتها ضمن مناطق "ج" أي أن البناء فيها يكون بدون ترخيص ومهدد بالهدم من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي في أي لحظة، يجد آلاف الشباب أنفسهم أمام معادلة غير متكافئة؛ ظروف معيشية صعبة تتسارع بوتيرة تفوق قدرتهم على الادخار أو مواكبتها، لتتحول رحلة البحث عن منزل من مشروع قابل للتحقيق إلى تحدٍ اقتصادي قد يمتد لسنوات طويلة.
يقول الشاب أيمن شقير (27 عاما) لــ"دوز": "عندما بدأت العمل كنت أعتقد أن امتلاك قطعة أرض يحتاج إلى عدة سنوات من العمل والادخار، أما اليوم فأشعر أن السنوات التي مضت لم تقربني من هدفي بقدر ما أبعدتني عنه. فكلما ادخرت مبلغاً من المال ارتفعت أسعار الأراضي أكثر، وأصبحت الخيارات محدودة بسبب ارتفاع الأسعار وضيق المساحات المتاحة للشراء".
البناء فوق منزل العائلة
ويضيف أن حلمه كان دائماً أن يمتلك منزلاً مستقلاً تحيط به حديقة صغيرة تمنح أطفاله مستقبلاً مساحة للعب، إلا أن الواقع الاقتصادي أجبره على تعديل خططه. فبدلاً من شراء قطعة أرض وبناء المنزل الذي كان يتخيله، بدأ حالياً ببناء شقة فوق منزل عائلته، باعتبارها الخيار الوحيد الذي يتناسب مع إمكاناته المالية.
ويقول الممثل عن رئيس اتحاد المقاولين في شمال الضفة الغربية نور ياسين لـــ"دوز": إن تكلفة بناء منزل متوسط المساحة، بعد احتساب ثمن الأرض وأعمال البناء والتشطيب، قد تصل إلى مئات آلاف الشواقل، وهي مبالغ يصعب على الشباب توفيرها، خاصة مع الارتفاع المستمر في أسعار مواد البناء وأجور العمال والنقل. فعلى سبيل المثال، إذا كان الشاب يتقاضى راتباً شهرياً مقداره 3000 شيقل، وادخر 1000 شيقل شهرياً دون أي التزامات أخرى، فإنه سيحتاج إلى أكثر من 25 عاماً لتوفير 300 ألف شيقل فقط، وهو مبلغ قد لا يكون كافياً لشراء قطعة أرض وبناء منزل متكامل في كثير من المناطق.
ويشير إلى أن كثيراً من الشباب اضطروا إلى تغيير خططهم، فمنهم من يؤجل الزواج لسنوات، ومنهم من يلجأ إلى البناء فوق منزل العائلة بدلاً من شراء أرض، فيما يضطر آخرون إلى الاعتماد على القروض طويلة الأمد أو الاستمرار في السكن مع ذويهم، بسبب عدم قدرتهم على تحمل تكاليف بناء منزل مستقل. ويرى ياسين أن الطلب المتزايد على السكن، بالتوازي مع محدودية الأراضي الصالحة للبناء، خلق حالة من الاختلال بين العرض والطلب، انعكست مباشرة على الأسعار. كما أن النمو السكاني الطبيعي واحتياجات الأجيال الجديدة للسكن يزيدان من حدة الأزمة عاماً بعد آخر.
ويؤكد هذا الواقع ما تظهره المؤشرات الرسمية المتعلقة بقطاع البناء، إذ تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى استمرار ارتفاع تكاليف البناء في الضفة الغربية، حيث سجل الرقم القياسي لأسعار تكاليف البناء للمباني السكنية ارتفاعاً بنسبة 0.21% خلال شهر أيار/مايو 2026 مقارنة بالشهر السابق، مدفوعاً بارتفاع أسعار استئجار المعدات بنسبة 1.12%، والخامات والمواد الأولية بنسبة 0.28%، فيما استقرت أجور العمال. ورغم أن هذه الزيادة تبدو محدودة على أساس شهري، إلا أن تراكمها ينعكس على الكلفة النهائية لإنشاء المسكن، في وقت لا تشهد فيه مصادر دخل غالبية الشباب ارتفاعاً موازياً.
ويبين ياسين أن ارتفاع أسعار مواد البناء، حتى وإن جاء بنسب محدودة خلال فترات قصيرة، يترك أثراً متراكماً على كلفة المشاريع، موضحاً أن السعر النهائي للمنزل لا يتوقف عند المواد الأساسية فقط، بل يشمل أيضاً أسعار الأراضي وأعمال التشطيب والخدمات، ما يجعل بناء منزل متوسط الحجم يتجاوز في كثير من الحالات قدرة الشباب على تحمله.
تأجيل تشطيب المنزل
ولا تقتصر الضغوط على تكلفة إنشاء المسكن، بل تمتد إلى سوق العقارات السكنية أيضاً. فوفقاً لسلطة النقد الفلسطينية، سجل المؤشر العام لأسعار العقارات السكنية في فلسطين ارتفاعاً بنسبة 0.19% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالربع السابق، وبنسبة 1.2% على أساس سنوي، فيما ارتفعت أسعار المنازل بنسبة 0.81%، مقابل انخفاض أسعار الشقق بنسبة 0.84%. وتشير هذه البيانات إلى استمرار حالة الضغط في سوق السكن، إذ بقيت كلفة التملك مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية للأسر، رغم التباين في حركة أسعار أنواع العقارات المختلفة.
من جهته يؤكد المقاول تقي الدين عمر أن المبالغ التي كانت تكفي قبل سنوات لإنجاز منزل متوسط المساحة لم تعد اليوم تكفي إلا لإنجاز مراحل محدودة منه، مشيراً إلى أن كلفة البناء لم تعد تقتصر على أسعار المواد الأساسية، بل تشمل أيضاً مصاريف الحفر، والنقل، والتمديدات، وأعمال التشطيب التي رفعت الكلفة النهائية للمشروع بشكل كبير. ويقول إن حالة عدم الاستقرار في الأسعار جعلت من الصعب تحديد تكلفة ثابتة للبناء، موضحاً أن ارتفاع أسعار الإسمنت والحديد والألمنيوم وغيرها من المواد، إلى جانب أجور النقل والعمالة، ترافق مع بقاء دخول كثير من الأسر عند مستويات محدودة، ما دفع عدداً كبيراً من المواطنين إلى تقسيم عملية البناء على مراحل بدلاً من إنجازها دفعة واحدة.
ويضيف أن كثيراً من العائلات تكتفي بإنجاز الهيكل الخارجي للمنزل ثم تؤجل أعمال التشطيب لسنوات لحين توفر القدرة المالية، مشيراً إلى أن انتشار المنازل غير المكتملة في القرى والبلدات الفلسطينية أصبح مؤشراً واضحاً على الفجوة المتزايدة بين تكلفة البناء والقدرة على تمويله.
من جانبه، يلفت المهندس حسام الدين عبدالله إلى أن تأثير ارتفاع تكاليف البناء لا يتوقف عند الراغبين في تشييد منازل جديدة، بل يمتد إلى سوق العقارات السكنية بشكل عام، موضحاً أن المطورين العقاريين يضطرون إلى احتساب الزيادة في تكاليف الإنشاء ضمن أسعار الشقق والمشاريع السكنية، ما ينعكس في النهاية على قدرة المواطنين على الشراء أو الاستئجار.
أمام صعوبة التملك، يتجه عدد متزايد من الشباب إلى استئجار مساكن جاهزة. لكن الإيجار بدوره أصبح عبئاً مالياً متزايداً، خاصة في المدن الكبرى والمناطق القريبة من مراكز العمل والجامعات. تقول ليلى هاشم لـ"دوز": "نعيش أنا وزوجي في شقة مستأجرة منذ سبع سنوات، وندفع إيجاراً شهرياً مرتفعاً، وفي النهاية لا نملك شيئاً. كل ما نحصل عليه من دخل يذهب للإيجار والمصاريف الأساسية، وفي كل مرة نفكر فيها بشراء شقة أو البدء ببناء منزل، نصطدم بارتفاع الأسعار، فنعود إلى نقطة الصفر".
قروض للسكن
وتضيف أن فكرة الحصول على قرض سكني كانت مطروحة أكثر من مرة، إلا أن قيمة الأقساط الشهرية وطول فترة السداد جعلها وزوجها يترددان في الإقدام على هذه الخطوة. وتقول: "لا نريد أن نقضي عشرين أو خمساً وعشرين سنة ونحن نحاول سداد قرض، خاصة في ظل عدم استقرار الأوضاع الاقتصادية، لذلك ما زلنا نؤجل القرار على أمل أن تتحسن الظروف".
وتقول الأخصائية الاجتماعية ميسون ماضي لـ"دوز": "لم يعد قرار الزواج مرتبطاً فقط بالرغبة في تكوين أسرة، بل أصبح مشروطاً بالقدرة على توفير مسكن مستقل. ومع تعذر ذلك، يجد كثير من الشباب أنفسهم مضطرين لتأجيل الزواج أو البحث عن بدائل لا تتوافق مع تطلعاتهم، مثل الاستمرار في السكن مع العائلة أو اللجوء إلى الإيجار أو القروض".
وتوضح أن استمرار هذا الواقع لا ينعكس على الخطط المستقبلية للشباب فحسب، بل يترك آثاراً نفسية واجتماعية متراكمة، إذ يولد شعوراً بالإحباط والعجز أمام صعوبة تحقيق أهداف أساسية، ويؤثر في مستوى التفاؤل بالمستقبل والإحساس بالأمان والاستقرار، خصوصاً لدى من يعملون لسنوات دون أن يقتربوا من تحقيق حلم امتلاك منزل.
هل من حلول؟
في ظل اتساع الفجوة بين مستويات الدخل وارتفاع أسعار الأراضي والمساكن، لا تبدو أزمة السكن في فلسطين قابلة للحل من خلال إجراءات مؤقتة أو حلول جزئية، بل تتطلب حزمة من السياسات الاقتصادية والإسكانية التي تعالج جذور المشكلة، وفي مقدمتها ضعف القدرة الشرائية وارتفاع كلفة التملك. يرى الخبير الاقتصادي نعيم حرب أن تحسين فرص الشباب في امتلاك مسكن يبدأ بتبني سياسات إسكانية أكثر عدالة، تقوم على دعم مشاريع الإسكان الميسر، وتوفير برامج تمويل تتناسب مع مستويات الدخل، إلى جانب تقديم تسهيلات حقيقية للراغبين في شراء أو بناء مسكنهم الأول.
ويقول حرب لـ"دوز": "لا يمكن مطالبة الشباب بتأمين مسكن في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. المطلوب هو سياسات اقتصادية وإسكانية تدعم الفئات الشابة، وتساعدها على تجاوز العقبات التي تحول دون استقرارها". ويشير إلى أن تشجيع مشاريع الإسكان الجماعي يمكن أن يسهم في خفض كلفة البناء من خلال تقاسم البنية التحتية والخدمات، إلى جانب توفير أراضٍ مخدومة بأسعار مناسبة في المناطق القابلة للتوسع العمراني، بما يتيح خيارات أكثر واقعية أمام الشباب.
ويؤكد أن تطوير المخططات الهيكلية للمدن والبلدات الفلسطينية يمثل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة الأزمة، لأنه يوسع المساحات المخصصة للبناء ويعزز الاستفادة من الأراضي المتاحة، خاصة في ظل محدودية الأراضي وازدياد الطلب على السكن.
ويضيف أن التوسع العمودي، وإنشاء مجمعات سكنية منظمة وميسرة الكلفة، قد يشكلان جزءاً من الحل، لكنهما لن يحققا الأثر المطلوب ما لم يتزامنا مع سياسات اقتصادية تعزز فرص العمل، وتحسن مستويات الدخل، وتعيد التوازن بين القدرة الشرائية للمواطنين وأسعار المساكن. ورغم أن المقترحات المطروحة، من الإسكان الميسر وتطوير المخططات الهيكلية إلى برامج التمويل والدعم، قد تخفف من حدة الأزمة، إلا أن أثرها سيبقى محدوداً ما لم يترافق مع سياسات اقتصادية تقلص الفجوة المتزايدة بين الدخول وتكاليف السكن.
الكاتبة: علا يوسف
2026-07-20 || 11:59