1. وقفة احتجاجية لأصحاب قطاع المناسبات
  2. مستوطنون يغلقون شارع حوارة الرئيسي
  3. خمس نصائح بسيطة للتمتع بمناعة أقوى
  4. الكيلة: 5 وفيات وأكثر من 500 إصابة جديدة بكورونا
  5. أبرز عناوين الصحف الفلسطينية
  6. التعليم العالي.. مِنَح دراسية في المغرب
  7. قلقيلية.. 6 إصابات جديدة بكورونا
  8. هكذا تتغلب على آلام الجنب أثناء ممارسة الرياضة!
  9. اعتقال شاب شرق طولكرم
  10. ضبط لحوم منتهية الصلاحية في طولكرم
  11. جدول توزيع المياه في نابلس
  12. الصيدليات المناوبة في سلفيت وقراها
  13. الصيدليات المناوبة في قرى نابلس
  14. أسعار صرف العملات
  15. الطقس.. ارتفاع على درجات الحرارة
  16. الصيدليات المناوبة في نابلس
  17. الصحة: وفاة جديدة بفيروس كورونا
  18. كورونا.. ارتفاع وفيات الجاليات الفلسطينية
  19. خطط لزيادة المساحات الخضراء في نابلس
  20. مطالب بفتح قاعات الأفراح في نابلس

بغداديات عماد الأصفر- 68

الصحفي وأستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت عماد الأصفر من العارفين القلائل بتأريخ الغناء والموسيقى في العراق. أمضى سنوات من منفاه في بغداد، فعرف العراق كما يعرفه أهله، إضافة إلى حس الباحث العلمي في ثقافات الشعوب.


ماذا يفعل ياسر عرفات هنا على غلاف العدد الأول من مجلة ألف باء العراقية فوق رأس الفنانة التشكيلية سميرة الصراف؟ وماذا فعل هناك في بغداد خلال زيارة الـ48 ساعة؟ هل جاء عن طريق البر؟ هل تعرض لحادث سير؟ وأين هي المجلة اليوم؟ وأين هي سميرة الآن؟

لم أعد شاباً لتنطبق عليّ مقولة "شاب وتغرب"، ولم أصل الشيخوخة بعد لتنطبق عليّ تتمة المقولة "ختيار ماتت أجياله"، ولكنني من أصحاب السوابق الذين صار لهم ماضٍ يحنون إليه، ويضعونه في غربال الذكرى بعد ضبط مدى اتساع فتحاته.

الحنين للزمن الماضي قاسم مشترك بين المتقدمين في السن، ما الذي نفتقده حقيقة من ذلك الزمان؟!

الكتب اليوم أكثر تنوعاً ووفرة، الصور أكثر بهاء وسرعة، الأصدقاء أكثر وأقرب، السفر أيسر وأرخص، المعلومات أوفر وأشمل، المراسلات أسرع من ارتداد الطرف ودون طوابع.

يبدو لي أحياناً أن الحنين في جوهره حنين للدهشة، لقد أصبحنا نفتقد هذه الدهشة، كل شيء متاح وممكن وقابل للحدوث وبمنتهى السرعة، سرعة لا تسمح لك بالتقاط الأنفاس، أو فرك اليدين تشوقاً لانتظار شيء ما. ما عاد أحد يقول لقد رفًّ جفني وأتوقع أن أشاهد أحداً ما، أو حكًّتني يدي ويبدو أنني سأستلم نقوداً، أو طنّت أذني يبدو أن أحداً ما ينشغل بي هذه الساعة.

لن تنتظر أسبوعا لتحميض الفيلم وتمحيص الصور ووضعها في ألبوم، لن تذهب إلى مكتب البريد، لن تنتظر رسالة أو بطاقة معايدة، لن تذهب إلى المكتبة لتسأل صاحبها عن موعد وصول العدد الجديد من مجلة العربي، لن تفاجئك مجلة العربي بدولة لم تسمع بها من قبل، وتقدمها إليك مصورة مع معلومات شيقة وبلغة بديعة. ما زلت أذكر عدداً مميزاً عن طشقند.



للمجلات في ذلك الزمن سحرها الخاص، العربي بشمولها ورصانتها، كانت تأتي من الكويت بسعر مناسب فتدخل كل منزل ويقرأها الجميع. المجلات المنوعة الفنية المصرية واللبنانية: الشبكة والموعد والأسبوع والمصور والصياد والكواكب وحواء والحوادث، مجلات أنيقة غلافها يصبح بوسترا. ومجلتا ريما وسمر، كانتا تمتازان بنشر قصص مصورة (كوميكس) لنجوم السينما الإيطاليين مثل فرانكو كاسباري وماريا أنطونيلا أو فرانكو داني وكلوديا ريفللي.

المجلات السياسية لاحقاً: شؤون فلسطينية، فلسطين الثورة، اليوم السابع، الهدف، الحرية، الأفق، الكرمل، صوت البلاد، الطليعة. ومجلة اللوتس التي كنت أظنها فلسطينية، لأكتشف فيما بعد أن رئاسة تحريرها فلسطينية ولكنها تصدر عن اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

للعراقيين ومن عاش في العراق ذكرياتهم الخاصة مع مجلة ألف باء، والتي يقولون إن اسمها لم يكن يقصد الأبجدية الألفبائية، وإنما اختصار عبارة (إرادة بلادي).

العدد الأول من هذه المجلة، صدر يوم 21.05.2020، واستمرت في الصدور إلى يوم احتلال العراق عام 2003. ظل العدد الأخير في المطبعة دون توزيع، سيفتقد العراقيون هذه المجلة المنوعة، فيعاودون إصدارها بعد انقطاع دام 11 عاماً. في العدد الأخير فتحوا ملفاً سرياً حول تهجير يهود العراق وعلاقة الزعيم عبد الكريم بإسرائيل.

مؤكد أنه لم يعد للمجلات خبزة في عصر الجيل الخامس من الإنترنت، ومؤكد أيضاً أن أثر المجلات أكبر بكثير من أثر النشر الإذاعي والتلفزيوني والفضائي والوفرة الهائلة التي توفرها مواقع الإنترنت. الوفرة تسير عكسياً مع القيمة، والجهد يتناسب طردياً مع الأثر.

من مجلة ألف باء العراقية قرأت عن أفضل صانع أعواد في العالم العربي، إنه محمد فاضل العراقي، والذي حمل أعواده مشاهير العازفين والمطربين مثل فريد الأطرش ووديع الصافي والأخوين جميل ومنير بشير ونصير شمة وغيرهم كثير. يقال إن وزن العود الذي كان يصنعه من خشب شجر الورد كان لا يتجاوز الكيلو غرام الواحد.

من هذه المجلة تعرفت إلى السيدة جوزفين حداد والتي كانت أول سيدة عراقية تحصل على رخصة كابتن طيار عام 1948.
صورة الغلاف للعدد الأول من هذه المجلة، تحتفي بالرسامة العراقية سميرة الصراف، سميرة اليوم عادت لاسمها الأصلي سيمين والذي يعني بالفارسية بريق الفضة، وتواصل العمل على مشروع لرسم المشاهير عبر التاريخ، بعد أن حازت لقب رسامة الملوك والرؤساء.



أما ماذا يفعل أبو عمار في بغداد خلال 48 ساعة من شهر أيار لعام 1968، أي بعد شهرين فقط على الانتصار في معركة الكرامة، وقبل شهرين أو أقل من أقصاء الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف عن الحكم وتولي حزب البعث مقاليد الحكم، فسؤال شغلني وبحثت عن جوابه طويلاً، فتهت كثيراً ودخلت دروباً لا تتوفر فيها الإضاءة الكافية.

يعود تاريخ أول زيارة قام بها ياسر عرفات إلى بغداد إلى العام 1961، يومها كان يحاول دمج تنظيم جبهة تحرير فلسطين التي شكلها الشيخ صالح عبد الله سرية في العراق إلى تنظيم فتح، تلت ذلك زيارات ولقاءات أخرى مع الشيخ لإقناعه بهذا الانضمام، وهو ما تحقق أخيراً ولكن بعد صدمة الشيخ من وقوع النكسة عام 1967.

كان الشيخ اللاجئ من قرية إجزم قد انتسب لتنظيم الأخوان المسلمين في العراق، ثم انخلع عنهم وشكل هذا التنظيم، فركز على استقطاب الكوادر العسكرية، متأثراً بأدبيات حزب التحرير الذي أسسه ابن قريته تقي الدين النبهاني. ثم فتح باب العضوية في تنظيمه للمدنيين متأثراً بمسلكية التنظيمات الفلسطينية التي بدأت بالتوالد من حوله. ولاحقاً حمل أفكاراً مختلطة من كل هذه التوجهات، وحرض على إحداث الفرهود (عمليات السلب الجماعي لأملاك اليهود في العراق) لتمويل تنظيمه، وبات داعياً للانقلاب على الحكومات العربية ومحرضاً على اغتيال قادتها. أدى ذلك إلى اعتقاله لعام في العراق، وإلى ورود اسمه في مخطط انقلابي استهدف الأردن، وإلى محاكمته لاحقاً في مصر بتهمة التخطيط لاغتيال السادات عام 1974.



جاء في كتاب "قواعد الشيوخ مقاومة الأخوان المسلمين ضد المشروع الصهيوني 1968 – 1970" للمؤلف غسان محمد دوعر، ما نصه:

"بعد هزيمة الجيوش العربية في حزيران 1967 دعا صالح سرية كافة مسؤولي الجبهة في الدول العربية لمؤتمر عام انعقد في دمشق بداية عام 1968، كان أهم قرار لذلك المؤتمر إعادة تنشيط الحوار مع حركة فتح للنهوض بالعمل الفدائي من جديد، وبعدها اتصل صالح سرية بياسر عرفات، وتم دمج الجبهة بحركة فتح، وصار سرية عضواً في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني والتي عقدت منتصف شهر تموز عام 1968".

وجاء في محاضر التحقيق مع الشيخ صالح في مصر بتهمة التخطيط لإسقاط نظام السادات واغتياله أواسط السبعينيات من القرن الماضي، والتي أوردها كتاب "موسوعة العنف في الحركات الإسلامية.. خمسون عاماً من الدم"، للكاتب مختار نوح وهو محام متخصص في قضايا الجماعات الإسلامية، ما نصه من اعترافات الشيخ صالح:

"خرجت من المعتقل عام 1964 وفي العام 1965 جاء ياسر عرفات وطلب مرة أخرى انضمام جبهتنا لفتح فوافقت شريطة أن أبقى بعيداً عن الميدان، وطلب مني أن أيسر له لقاءات مع المسؤولين العراقيين، وكان عبد السلام عارف قد قام بثورته وتولى الحكم، فنظمت له لقاء مع وزير الإعلام عبد الكريم فرحان والذي نصحه بعدم لقاء عبد السلام عارف لأنه لا يُكِنُ وداً لمنظمة فتح بالذات، ويعتقد أنها تعمل لصالح حلف السنتو (حلف بغداد)".



بحسب هذه الاعترافات التي نشرتها الدوائر الأمنية المصرية، كان صالح قد رفض بشدة محاولة جماعة الأخوان المسلمين قتل الرئيس العراقي أحمد حسن البكر خلال خضوعه للعلاج في المستشفى، حيث يعمل أحد أعضاء الجماعة ممرضاً في طاقم علاج الرئيس البكر، ولكن الجماعة حاولت ذلك وفشلت، فصار هو مطلوباً للأمن العراقي ولصدام حسين الذي كان نائباً للرئيس.

بقية الاعترافات تشتمل على علاقة الشيخ بالإخوان المسلمين وبتشكيل مجموعة "شباب محمد" أو "الفنية العسكرية"، التي حاولت تنفيذ عملية اغتيال السادات، وهي الاعترافات والاتهامات التي أدت إلى إعدامه عام 1976.

هل التقى ياسر عرفات في زيارته تلك لبغداد بالشيخ صالح لوضع اللمسات النهائية على انضمام فصيله لحركة فتح؟ هل سعى من خلاله لتنظيم لقاءات جديدة مع القادة العراقيين؟ هل سلمه الدعوة للمشاركة كعضو في المجلس الوطني الفلسطيني الذي سيلتئم في القاهرة بعد أسابيع؟

العلاقة الفلسطينية العراقية فترة حرب 1976

عن وصف العلاقة الفلسطينية العراقية في تلك الفترة، يتحدث صلاح خلف أبو إياد في كتابه "فلسطيني بلا هوية": قامت وفود فتح بعقد لقاءات مع القيادات العربية لطلب تأييدها للعمل الفدائي. ويضيف: "كان العراقيون يتخبطون حتى أن رئيس الدولة العراقية عبد الرحمن عارف أنهى محادثاته مع ممثلينا وهو يعلن: لسنا مع مشروعكم ولسنا ضده، وبصراحة فإننا لا ندري ماذا نقول فيه".

أيامها كانت هناك قوات عراقية ترابط في منطقة المفرق لكنها تلقت أوامر من الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف بعدم المشاركة في معركة الكرامة، وانسحبت هذه القوات مع وقوع أحداث أيلول المؤسفة، بأمر من الرئيس العراقي اللاحق أحمد حسن البكر.

في حوار أجراه الأستاذ صخر أبو فخر مع محمد أبو ميزر، الذي خلع رداء البعث وانتمى لفتح بداية الستينيات، وضمن كتاب "الجذور والتراب: حوار عن القدس والمنفى والعودة الصعبة"، يقول أبو ميزر: "لا أعرف تفصيلات قصة الجيش العراقي في الأردن وانسحابه المستغرب أثناء حوادث أيلول 1970، لكنني أعلم أن قوات عراقية كانت موجودة منذ أيام الرئيس عبد الرحمن عارف في مدينة المفرق، يقودها اللواء محمود عريم، وكان نائبه العقيد حسن النقيب، وكان هناك اتفاق يقضي في حال وقوع أي عدوان إسرائيلي على الأغوار بأن تصل القوات العراقية فوراً إلى المكان لتشارك في المواجهة إلى جانب قوات فتح. وفي ليلة 20.03.1968، أي عشية معركة الكرامة، جاءنا خبر من حسن النقيب بأن الأوامر صدرت من بغداد بعدم المشاركة في المعارك".

ذات المعلومات يؤكدها عباس زكي عضو مركزية فتح، وأما وزير الدفاع العراقي أيامها حردان التكريتي وقبل إقالته واغتياله في الكويت، فقد كتب في مذكراته: "موقفنا من المقاومة الفلسطينية لم يكن مشرفاً".

يقول عباس زكي في مقال: "بعد الانتصار الفلسطيني الأردني استقبل الرئيس عبد الناصر وفد فتح وقال "فتح أنبل ظاهرة وجدت لتبقى... ورد عليه عرفات: "لتبقى وتنتصر يا سيادة الرئيس" وزود عبد الناصر الثورة الفلسطينية بصواريخ الكاتيوشا وقذائف الآر.بي.جي، واصطحب عبد الناصر ياسر عرفات إلى الاتحاد السوفيتي الذي منحه الكثير من الأسلحة.. وفتحت مصر معسكر إمبابة لتدريب الفدائيين، كما فتح العراق معسكر الرشيد".

هل قام ياسر عرفات في تلك الزيارة بتفقد معسكر الرشيد حيث يتدرب مجموعات من الفلسطينيين على تنفيذ عمليات فدائية؟ هل تفقد ورش التصنيع العسكري التي أقامها فنيون فلسطينيون هناك وبدأت تتوسع وتنتج ذخائر وبنادق؟

زيارة ياسر عرفات لمعسكر الرشيد في بغداد

قرأت ما كتبته الباحثة الفلسطينية سلافة حجاوي عن أيامها الطويلة في بغداد، وعن تخرجها بامتياز من جامعة بغداد عام 1956، وكيف قاموا بعد ذلك بشطب اسمها عن لائحة الشرف الجامعي لأنها غير عراقية، رغم أنها تزوجت من الشاعر العراقي كاظم جواد وكان الشاعر بدر شاكر السياب الشاهد على زواجها، وأنجبت منه طفلين وحصلت على جنسية العراق. وقرأت عن نشاطها السياسي والنقابي هناك في تأسيس فروع لاتحاد المرأة ثم لاتحاد الكتاب مع الكاتبين الفلسطينيين جبرا إبراهيم جبرا وناصيف عواد، وكيف أنها استضافت ياسر عرفات لافتتاح فرع اتحاد المرأة. ثم زارته بعد ذلك مع النساء المنتخبات في المستشفى، حيث خضع للعلاج من كسور.

هل تكون تلك الزيارة التي ترصدها مجلة ألف باء هي التي شهدت افتتاحه لفرع اتحاد المرأة الفلسطينية في العراق، وشهدت أيضاً مشاركة عرفات في تشييع جنازة شهيد عراقي أحضر جثمانه معه من الأردن، وشهدت أيضاً تعرض سيارة كان يستقلها لحادث اصطدام مع شاحنة عسكرية فرت بعد الحادث.

تأسس المجلس الثوري الذي انشق عن فتح 

قرأت أكثر في ذكريات سلافة عن نفورها المبكر من صبري خليل البنا "أبو نضال"، والذي انشق لاحقاً عن فتح وأسس المجلس الثوري، وسيطر على ورش تصنيع السلاح ومكتب المنظمة، ونفذ عدة عمليات اغتيال بحق كوادر الثورة الفلسطينية بأوامر مباشرة من الأمن العراقي، قبل أن يتنقل من حضن صدام حسين إلى حضن الأسد ثم القذافي، ليعود إلى العراق فيقتل فيه عام 2002، وتقول الرواية الرسمية العراقية إنه انتحر.

الثورة الفلسطينية في دمشق ولاحقاً في بيروت كانت ملجأ وحضنا للمعارضين العراقيين الذين فروا من العراق. وأبرزهم حسن النقيب الذي صار مستشاراً لعرفات، وفرت لهم الحضن كمناضلين عرب من أجل القضية الفلسطينية، لا كمعارضين للنظام.

لم تكن علاقة البعث العراقي بمنظمة التحرير وفتح وياسر عرفات على ما يرام أبداً، لا في تلك الأيام ولا الأيام التي تلتها، رغم كل ما يكتب عن طيب هذه العلاقة.

أبو نضال واحد من تجليات هذا التنافر، تشكيل فصيل فلسطيني بعثي هو جبهة التحرير العربية، ليكون نقيضاً لتنظيم الجبهة الشعبية القيادة العامة الذي يتبع الأمن البعثي السوري، وسيتطور الأمر لاحقاً لتشكيل جبهة الصمود والتصدي لبرنامج النقاط العشر، وتكليف المنشق أبو نضال باغتيال رموز تؤمن بهذا البرنامج.

أبو نضال


أما ما يكتب عن طيب العلاقة فيستند أيضاً إلى وقائع مادية ومعنوية، منها استبسال الجيش العراقي في المعارك قبل النكبة، واستقبال اللاجئين ومنع الأونروا من الإنفاق عليهم (رغم أن هذا الكرم أضر لاحقاً باللاجئين الفلسطينيين إلى العراق، كونه قد حرمهم من تسجيل أسمائهم كلاجئين في ملفات الأمم المتحدة). ويستند أيضاً إلى اشتراط صدام حسين انسحاب إسرائيل مقابل انسحابه من الكويت، وهو اشتراط ساذج ولا أخلاقي، وقصفه لتل أبيب بعدة صواريخ خلال حرب الخليج. وهو قصف يحمل كل منا في داخله عدة مواقف منه، موقف نفسي يتعلق بالمشاعر وآخر مادي يتعلق بالنتائج النهائية، وربما موقف ثالث يتعلق بالنوايا، ورابع بالمصالح الشخصية التي تضررت كثيراً للجالية الفلسطينية الكبيرة جداً في الكويت.

حقائق عن العلاقة الفلسطينة العراقية 

الحقيقة أن العلاقة ظلت مضطربة منذ البدء، وبعيدة عن الثقة، وحسن التفهم. في إجاباته على أسئلة الأستاذ صخر أبو فخر يروي أبو ميزر الحكاية التالية:

بعد زيارة عرفات الناجحة لموسكو بدأ التخطيط لزيارة الصين وكوريا الشمالية، وتم الاتفاق على سفر الوفد عبر مجموعات ومن عدة طرق، على أن يتم اللقاء في مدينة داكا عاصمة إقليم باكستان الشرقية، ذهب أبو أياد ومعه أمين الهندي من خلال سوريا، وذهب كمال عدوان من خلال الإمارات، وذهبت مع أبو عمار إلى بغداد براً، وهناك كان يجب أن نلتقي بروتوكولياً مع الرئيس أحمد حسن البكر.

في ذلك اللقاء أراد البكر مداعبة أبي عمار وممازحته، فقال: "وينك يا مهزوم؟" وهي عبارة يقولها العراقي تحبباً بمعنى: تتهرب من مقابلتي، ويقابلها عند بقية العربان عبارة "وين ما بنشوفك؟". أرخى أبو عمار شفتيه غاضباً واعتبر أن العبارة إهانة قاسية، ولم تفلح كل التفسيرات في تلطيف الأجواء.

يضيف أبو ميزر سافرنا بطائرة عراقية إلى كراتشي وقابلنا هناك حسن النقيب الذي كان يعمل ملحقاً عسكرياً في سفارة العراق لدى باكستان، وتجمع الوفد في داكا ومن هناك أمن الصينيون لنا طائرة باكستانية خاصة وزودونا بالكتاب الأحمر لكي نلوح به فور وصولنا. كان معنا في الكرسي الأخير من الطائرة شخص مجهول ذهب أبو إياد للتعرف عليه، فتبين أنه عبد السلام جلود وكان ذاهباً إلى الصين كمندوب للثورة الليبية والتي لم يكن قد مضى على نجاحها سوى عدة أشهر، ويريد شراء قنبلة نووية يعود بها إلى ليبيا.

يبدو أن عائقاً نفسياً ارتسم بين الرجلين عرفات والبكر، ولعل ما نقله الكاتب والصحفي إبراهيم علاء الدين عن أبو إياد يلخص ذلك، يقول أبو إياد: إنه بعد إجراء اتصالات مع صدام حسين، وكان وقتها نائباً لرئيس الجمهورية، تم عقد لقاء بين عرفات والبكر.

ويضيف أبو إياد: دخلنا باب المكتب وبرفقتنا صدام حسين فلم نر أحداً بالمكتب... البكر قصير جداً فعندما يجلس على كرسيه في المكتب لا يظهر رأسه من الخلف وهكذا كان عندما دخلنا يجلس على الكرسي ووجهه إلى النافذة خلفه فلا يظهر منه شيء.

لقاء أبو عمار مع صدام حسين 

نظر أبو عمار إلى صدام ثم لي وقال مستغرباً: "إيه الحكاية" عندها "تنحنح" صدام وقال السلام عليكم سيادة الرئيس، فأدار البكر كرسيه والسيجارة مشتعلة في فمه وقال: وعليكم السلام استريحوا استريحوا.

بدأ ابو عمار يحدثه عن الأوضاع في لبنان وأن الكتائب حلفاء إسرائيل يحضرون لحرب على الفلسطينيين في لبنان، وأنه يطمع بتأييده ومساندة العراق للكفاح الفلسطيني...

هنا أطفأ البكر سيجارته بعد أن أشعل سيجارة أخرى وقال اسمع يا أبو عمار:

"لا تقولي تريدون مساعدات ويمكن جاي تطالب بقوات عراقية تحارب عنكم، أنا ما راح أنطيك شيء، إلا لما ترتبوا موضوع الوحدة بين الفلسطينيين،... بتقدر تقول لي شلون تبون تنتصرون وأنتم عندكم خمسين تنظيم!!، يا أخي أنت رئيس لفتح وللعاصفة على الأقل وحدهم مع بعض، بتقدر تقولي ليش أنت رئيس منظمتين؟".

هنا قاطعه صدام وقال له أن فتح والعاصفة تنظيم واحد لكن العاصفة تنظيم عسكري وفتح تنظيم سياسي. قال البكر: أيـه أيه، افتهمت.
الحقيقة أن أبو إياد لم يكن مرغوباً من القيادة العراقية إطلاقاً، وأن رجلها القوي المأجور أبو نضال ظل يضع أبو إياد على قائمة المستهدفين بالاغتيال.



ظل أبو إياد ضد دخول صدام حسين إلى الكويت، وظل أبو عمار يصطحبه معه لمقابلة صدام حسين لإسماعه هذا الرأي وتحذيره من مغبته. في الختام قال أبو إياد لصدام: دخولكم إلى الكويت خطأ كبير، ولكننا معكم إذا هاجمتكم أمريكا. تم اغتيال أبو إياد عشية الحرب عام 1991 على يد عنصر من جماعة أبو نضال.

أحداث حرب 1991

عشت كامل أيام هذه الحرب في بغداد وللمفارقة فلقد عشتها في منزل الباحثة سلافة حجاوي والتي كانت قد انتقلت للعمل في مكتب الرئيس ياسر عرفات بتونس. يقع المنزل البغدادي الأنيق بحديقته الجميلة في شارع فلسطين. يقولون إن صدام حسين أمر بإطلاق اسم فلسطين على هذا الشارع نكاية بالولايات المتحدة التي تقع سفارتها فيه، لقد أراد أن يظهر اسم فلسطين على كافة أوراق ومراسلات السفارة حين تكتب عنوانها.

في ذلك المنزل استمعت لأخبار الحرب عبر محطة مونت كارلو وعلى لسان مراسليها: حسن الكاشف من بغداد، باسم أبو سمية من فلسطين، والسعودي عبد الله الشهري مراسل حفر الباطن. في ذلك المنزل قرأت الكثير من الروايات التي احتفظت بها سلافة وزوجها الشاعر العراقي كاظم جواد. كنت اقرأ على ضوء شمعة ترجمة جبرا إبراهيم جبرا لرواية وليام فوكنر الصخب والعنف عندما هز انفجاران قويان المنطقة بأسرها، لقد تعرضت محطة الكهرباء القريبة والواقعة خلف الجامعة المستنصرية لهجوم صاروخي كبير. خرجت أمشي مفضلاً الموت في الشارع على الموت تحت الأنقاض. كانت شاحنات عراقية تنقل صواريخ أرض أرض من داخل أحد المشاتل في المنطقة. وصلت إلى ساحة بيروت، كانت المدينة تموت موتاً بطيئاً، وكان الناس يموتون سريعاً موتاً بشعاً يشهد عليه الموت الجماعي لمن كانوا في ملجأ العامرية، ويشهد عليه موت الفنانة ليلى العطار مع أفراد من أسرتها في قصف صاروخي أمريكي استهدف مقر المخابرات المجاور لمنزلها في حي المنصور قرب شارع الأميرات، حيث أقام وتمشى ورسم وترجم وكتب جبرا أفضل أعماله، ويشهد عليه موت الهاربين في قوافل إلى الحدود الأردنية، وموت الجنود المنسحبين دون سلاح من الجبهة، وتدمير البنى التحتية دون أي مبرر، لو سار من شهدوا تلك الأحداث على سجيتهم لصاروا نشطاء سلام، ولكن الناس يخالفون سجاياهم.

بإيعاز من السفارة الفلسطينية استخدمنا ذلك المنزل لإيواء العديد من الطالبات الفلسطينيات القادمات من الأردن والكويت (التي أصبح اسمها محافظة النداء العراقية)، كان السفر صعباً وخطراً، زار المنزل والتقى بالطالبات صخر أبو نزار عضو مركزية فتح ومعه السفير أيامها عزام الأحمد. كان أبو نزار متفائلاً، ردد على أسماعنا عبارته الشهيرة "لازم تزبط" لم يكن أحد منا متفائلاً على الإطلاق. وثبت أنها لم تزبط، حتى الآن على الأقل.

بعد أيام توجه من بقي من الأصدقاء والصديقات حملة جواز السفر الأردني في باص واحد إلى الأردن، ودعتهم وبكيت بكاءً مراً لم أبكه في حياتي أبداً، كانت الهزيمة بكل وطأتها وثقلها تخيم على المكان والزمان وتصبغ المرحلة بسوادها القاتم.

وبعد يومين رافقت من تبقى من الطالبات في الباص المتوجه إلى الكويت مخترقاً هذه الجبهة المشتعلة بالصواريخ وقذائف البوارج الحربية، كان أهلهن في انتظارهن على أحر من الجمر، وكان هناك أيضاً معتمد إقليم فتح أبو زياد قبلاوي والذي تم اغتياله في اليوم التالي بأوامر عراقية.

عوقب الفلسطينيون لأن منظمة التحرير وقفت ضد حفر الباطن، وفسر موقفها على أنه وقوف إلى جانب صدام حسين وتأييد لاحتلال الكويت. لو كان هناك موقف في الوسط لسارع الفلسطينيون إلى اتخاذه، ولكن لم يكن هناك موقف وسطي، ولم يكن بمقدور منظمة التحرير النأي بنفسها عن معركة تتعرض خلالها تل أبيب لصواريخ عربية.



وعوقب الفلسطينيون من جانب صدام حسين بما هو أكثر من الاغتيالات، لقد مول وبمنتهى السخاء مجموعة من الكتاب والصحفيين من شتى الجنسيات وافتتح لهم مجلات وصحفاً في أوروبا لمهاجمة منظمة التحرير واغتيال سمعتها، وكان يغدق على هؤلاء الكتاب المأجورين كوبونات نفط يجري تصديره سراً في السوق السوداء تجاوزا للحصار.

قبل شنقه هتف صدام حسين بكل رجولة: "عاشت فلسطين حرة عربية" لم يكن موقفه الأخير استعراضياً، فالتصوير تم خلسة، ولم يكن لمجرد مناكفة شانقيه، فقد قُضي الأمر، كانت لحظة صدق مع مبادئ آمن بها، ولكنها لم تجد ترجمة ذكية طوال عقود من الحكم والانشغال بتمتين السيطرة والبحث عن زعامة إقليمية، وهو انشغال أدخل العراق في صنف الديكتاتوريات داخلياً، وفي صنف الدول المعتدية خارجياً.

علاقة عرفات بصدام 

هل يجب أن نقول إن الأمور معقودة بخواتيمها ونمضي بعيداً عن التحليل والتفصيل؟! هل يجب أن نقول إن المنتصر يكتب التاريخ ونرتضي بالغبن؟! أم نحاول فهم وتفكيك هذا الالتباس في العلاقة الفلسطينية العراقية؟

خير من يفكك هذه العلاقة ويشرحها هو الأستاذ نبيل عمرو في كتابه "ياسر عرفات وجنون الجغرافيا" في الفقرة الأولى من الفصل الذي حمل عنوان "صدام حسين عدو الأمس والحليف الأخير"، يقول نبيل عمرو:

"علاقة عرفات بالرئيس العراقي صدام حسين تتلخص بكلمتين لا ثالث لهما: الأسد وإيران. وإذا كانت علاقة صدام بنظيره الحزبي اللدود قد تحسنت لبضعة أسابيع أو شهور، فإنها انهارت وبلغت حدة العداوة فيها أعلى الدرجات، حين اكتشف صدام محاولة انقلاب نظمها الأسد للإطاحة به،... منذ ذلك الوقت، ظهر حرص صدام على إقامة علاقة مستقرة مع عرفات، فلا يزال قائد الثورة الفلسطينية، يصلح حليفاً كما يصلح أحياناً غطاء لسياسات صدام الحازمة والواقعة على حد المجازفة.

ذلك أن عرفات كان يلزم لسحب البساط المقدسي من تحت أقدام الملالي في طهران، ويلزم في توفير أهم مقومات البعد القومي في سياسة صدام المتنافس بحدة مع قائد عربي داهية هو حافظ الأسد، "أن عرفات راية فلسطينية مقدسية يجب أن تخفق في بغداد وليس في طهران".

هل من مناسبة لكتابة هذه الحلقة التي قد تزعج البعض سياسياً، وتثير مشاعر آخرين؟ لا على الإطلاق، لا يوجد أي سبب، سوى انزعاجي من الأحكام الصادرة وفق مبدأ الثنائيات المطلقة: طيب وشرير، وطني وعميل، ورغبتي بأن تكون الأحكام نسبية وأكثر منطقية وغير منزوعة من السياق، فالجميع جبان أحياناً وشجاع أحياناً، غبي أحياناً وذكي أحياناً.

الكاتب: عماد الأصفر
المحرر: عبد الرحمن عثمان


2020-07-07 || 21:28






مختارات


بغداديات عماد الأصفر- 44

بغداديات عماد الأصفر- 43

بغداديات عماد الأصفر- 42

بغداديات عماد الأصفر- 40

بغداديات عماد الأصفر- 39

بغداديات عماد الأصفر- 38

بغداديات عماد الأصفر- 37

بغداديات عماد الأصفر- 36

بغداديات عماد الأصفر- 35

وين أروح بنابلس؟

2020 08

يكون الجو حاراً نسبيا ويطرأ ارتفاع على درجات الحرارة، التي تتراوح في نابلس بين 33 نهاراً و20 ليلاً.

20/33

أسعار العملات

الدولار الأمريكي الدينار الأردني اليورو الأوروبي
3.40 4.80 4.04