كتاب دوز: الهدنة للروائي ماريو بينيديتي
حين يُذكر أدب أمريكا اللاتينية تتبادر أسماء مثل مركيز ونيرودا وإيزابيل الليندي إلى أذهان كثيرين. ماريو بينيديتي، من أوروغواي، واحد من كبار أدباء اللغة الإسبانية من جنوب العالم وله أكثر من 80 ديواناً ورواية.
ماريو بينيديتي روائي وقاص وكاتب مسرحي من أوروغواي (1920- 2009). واحد من أهم الأدباء اللاتينيين في القرن العشرين. له أكثر من 80 ديواناً وكتاباً جرت ترجمتها إلى العديد من اللغات، كما أن العديد من أعماله الأدبية نُقِلت إلى السينما والمسرح، ما أعطاه الكثير من الشهرة والانتشار. إلا أن أهم الأعمال التي يدين لها الكاتب بشهرته الواسعة هي رواية “الهدنة” (1960)، التي لقيت نجاحاً فاجأ المؤلِّف نفسه، إذ ضربت أرقاماً قياسية من حيث عدد الطبعات والمبيعات.
رواية الهدنة هي مذكرات موظف حكومي يدعى سانتومي، أرمل وله من الأبناء ثلاثة. شارف على سن الخمسين ويعيش مفارقات عميقة في تعامله مع أبنائه (خيمي وبلانكا واستيبيان). قلما يجد الوقت الكافي للتعامل مع أبنائه ويظن أنه أصبح لديه جفاف عاطفي، لأنه لا يستطيع تذكر وجه أمرأته المتوفية إلى أن يقع سانتومي في حب فتاة عشرينية تأتي لتعمل في المكتب الذي يخنقه ويحاول الخروج من روتين العمل بأي طريقة، حيث يعمل مدقق حسابات.
الفتاة تأسر قلب سانتومي وتعيد الروح إليه تدريجياً، ويقع في حيرة أنه لا يريد أن يكون لها أباً ومجرد شخص يسدي إليها بعض النصائح. سانتومي كان يفهم الحياة أكثر مما يجب وكان يحاول أن يبرر لها بعضاً من تصرفاته إلى أن اعترف بذلك.
المفارقة لدى الكثير من الكتاب تكون بطريقة السرد والنهاية، طريقة السرد التي تضعك في ملل الوظيفة الحكومية على لسان بطل الرواية وكاتب المذكرات في كل يوم حتى يوم العطلة ينقل لك ملل الصحوة باكراً، لذا يقول سانتومي إنه "إذا فكرت في الانتحار فسيكون ذلك يوم أحد". والنهاية كانت شبه متوقعة تقريباً ولكن ليس بهذه الطريقة، فقلب البطل أصبح أرمل مرتين.
في طيات الرواية انتابني شعور أن الكاتب يتكلم عن نفسه فهو نجح في أسري، وبعد بحث علمت أنه كتب هذه الرواية في عامه الأربعين (عام 1960) وترجمت لـ 19 لغة وكان نجاحها صدمة له وهو كان يعمل محاسباً إدارياً.
اقتباس من الرواية
"إنني واثق من أن المدينة تكونُ شيئاً آخر خلال ساعات العمل في المكتب، فأنا أعرف مونتفيدو الرجال الموقوتين، أولئك الذين يدخلون في الثامنة والنصف صباحاً ويخرجون في الثانية عشرة، ثم يعودون في الثانية والنصف ليخرجوا نهائياً في السابعة. لأن علاقة قديمة تجمعني بهذه الوجوه المقطبة المتعرقة وهذه الخطوات المتسرعة والمتعثرة. ولكن هناك المدينة الأخرى، مدينة النحيلات الطازجات اللواتي يخرجن عند العصر وقد استحممن لتوهن، المتعطرات الخفيفات، المتفائلات، المتظارفات، ومدينة الأبناء المدللين الذين يستيقظون عند الظهيرة، وفي الساعة السادسة تكون ياقاتهم ما تزال بكامل زهوها، مدينة المسنين الذين يركبون حافلة الأمينيبوس حتى الجمارك ثم يعودون دون أن ينزلوا من الحافلة، مقتصرين بلهوهم البريء على مجرد إلقاء نظرة تنعش ذاكرتهم وهم يتجولون في مدينة أشواقههم الغابرة، مدينة الأمهات الشابات اللواتي لايخرجن في الليل مطلقاً، ويدخلن السينما بوجوههن التي تحمل ملامح من اقترفن ذنباً..."
الكاتبة: حنان نمروطي
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2015-05-24 || 09:37