فضفضاتٌ روحيّة
"عاهدتُ نفسي يا صديقتي إن عادتْ إليَّ روحي البكرُ بأنْ أتزوجَ الكتابةَ حباً ووطناً وصداقةً.. سوفَ أجعلُها مرآةً يرى كلُّ قارئ فيها نفسَه". قد تجد أنت أيضاً نفسك في كلمات الكاتبة الشابة لارا بني عودة. موقع دوز يرحب بنشر إبداعاتكم الأدبية.
طرقاتٌ عبرتني، وجوهٌ تكدستْ في مقلةِ عيني.. في مخيلتي، حتى أطفأتْ نورَها. حكاياتٌ أشعلَها شغفي الأهوجُ، فأطفأتُها كالسيجارةِ بجدارِ قلبي. حفناتٌ من الدواءِ ابتلعتُها بماءِ قهري، فماتَ فيّ الصبا الحالم وتنهداتٌ بعددِ أنفاسي تشردقتُ بخشونتِها مراراً حتى تشرّبَها عطشُ جسدي غصّاتٍ مرّة. وكلماتٍ شائكة انحشرتْ بحلقي وأنا صامتة، وأنا صامتةٌ كسجينةٍ في زنزانةٍ مظلمة رأت شبحَ ذنوبِها المشوّهَ فأخرسَتْها الرؤيةُ. حتى قلمي، عبقَ روحي، سنديانةُ السعادةِ في طريقي، سماءُ أنفاسي، حتى هو، نازعني على الحياة فيَّ، فغلبني ورحل عني. أنا التي ارتدت القلمَ عقداً في جيدِها فارقني قلمي، أنا ساحرةُ الحروف أضعتُ تعويذي، أنا الحلزونةُ التي تخلتْ عنها قوقعتُها، أنا التي إنْ غفى العالم أيقظتُهُ بضجيجِ حروفي، أنا صائغةُ السعادةِ بحروفي، قاهرةُ الألمِ بقلمي، أنا أنا التي فارقني قلمي.
أنا الآنَ هنا يا صديقتي حيثُ لا أدري، حيثُ هنا يا صديقتي كلُ شيءٍ حولي أصغرُ بكثيرٍ مِنْ أنْ يوجعَني فأتحداه، وأسخفُ بكثيرٍ من أن يسعدنَي فأتبعُ خطاه. وما عدتُ يا صديقتي أستشعرُ صلابةَ الأرض تحتَ قدميَّ. تنهالُ الأيامُ يا صديقتي على كاهِلي كأنَّها أكوامُ رمل،ٍ فتخنُقني. لا فرقَ بينَ يومٍ وآخرَ سوى ستارةٍ يسدلها عليَّ ليليَ علَّني أستريحُ. وبعدَ أنْ كانتِ السعادةُ تنامُ وتغفو تحتَ جفوني، بعد أنْ كنتُ أراها في دفءِ فنجانِ قهوةٍ، كلمةِ حب، حلمِ طفولة أو لحنِ أغنيةٍ يستهويني، أصبحتُ يا صديقتي كتلةً سخيفةً هزيلةً من اللاشيءِ، تقطنُ خلفَ كومةٍ منَ الأسلاكِ الشائكة. والقمرُ إلي منها أقربُ، وأنا لا أودُّها يا صديقتي، لا أودها، فأنا ما عدتُ يا صديقتي أشعرُ بقدميَّ صلبتين تشقان الطريقَ إلى موطني. أقدامي يتقاذفُها موجُ البحرِ هنا وهناك، وأنا أخافُ الغرقَ يا صديقتي، وما عدتُ أرى السماءَ سوى كتلةٍ سوداءَ تطبقُ عليَّ بظلامِها، واختلطتْ عليَّ أصواتُ الأمواتِ والأحياءِ فما عدتُ أسمعُ سوى جلبةٍ تزعجُني.
طائرتي الوحيدةُ التي كانتْ تطيرُ فيَّ إليَّ حيثُ القمرُ والنجمةُ يكونان، فتقبِّلُ النجمةُ وجنَتي ويحنو القمرُ على عمري. طائرتي الوحيدةُ التي هبطتْ فيَّ على شواطئِ نجومِ البحرِ حيثُ كانتِ الرمالُ تنسابُ بنعومةٍ بين أقدامي، فأعرفُ بأنَّي حيةٌ. طائرتي الوحيدةُ التي أخذَتني وخربشَتني في جميعِ مدنِ العشاقِ وأزقتِها، وأنا ما زلتُ أبصرُ النورَ وما زال الوطنُ في داخلي وما زلتُ أعرفُ مَنْ أنا، وإنَّي سيدة الترحالِ والوطنُ في قلبي يحيا. طائرتي الوحيدةُ يا صديقتي كانت الحبَّ، ولكنَّ ذلك تلاشى يا صديقتي كما تتلاشى خيوطُ الشفقِ عندَ الغروبِ وعرفتُ بأنّي لم أُخلقُ للحبِّ، ولمْ أعرفْ الحبَّ يوماً إلا في أحدِ كوابيسي.
والوردةُ الوحيدةُ التي غفوتُ بمَأمنٍ بين بتلاتِها، كأنَّما أنا فراشةٌ اختبأَتْ من الريحِ فيها، فَحنَّتْ عليَّ وضمتني إلى قلبِها، كأنَّما أنا طفلتُها البكرِ وتخشى عليَّ من التخبطِ في طرقاتِ الحياة وضوضائِها. الوردةُ الوحيدةُ التي سَقتني من عطرِها وأَشبَعتني من نعومةِ بتلاتِها كانتِ الصداقةُ يا صديقتي، ولكنَّنا في الصداقةِ مجردَ نجماتِ بحرٍ يحملُنا الموجُ من ضفةٍ إلى أخرى لا نملكُ شيئاً من أنفسنِا ولا مستقبلِنا، فقد مضيتُ أصلُ عروقَ قلبي في بيتٍ بنيناهُ معاً وأقسمْنا فيه على الوفاءِ وألا تفرقُنا قوةٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، حتى تقطعتْ أوتارُ قلبي يا صديقتي وأمستْ في رياحِ القدرِ نجمةَ بحرٍ وحيدة ملقاة على شواطئِ الحنين، فتعلمتُ كيف يكونُ الأصدقاءُ داءٌ يا صديقتي.
ومعَ كلِّ تلكَ المشاعر المتناقضة التي تهمِّشُ لحمي يا صديقتي، وتتقاذفُ رأسي كالدميةِ بينَ يديها، ومعَ كلِّ تلكَ الغربةُ الواخزةُ وذلك الخوفُ من أنْ تطبقَ عليَّ أنفاسي، فأنا لم أمتْ يا نغمةَ الموسيقى المفقودة من لحني وما زالَ قلبي ينبضُ، وما زالَ الدمُ في عروقي يسري، وما زلتُ ألتهمُ حفناتِ الهواءِ من حولي، ولكنّي يا صديقتي في عمليةٍ جراحيةٍ روحية، ملقاةً على سريري وأطبائي ملتفونَ من حولي، أكادُ أسمعُهم يتهامسون عن قلبي المفتوحِ أمامَهم، أسمعُهم يتحدثون عمّا لم أستطعْ رؤيتَهُ في داخلي وعن الذي تحسستُهُ، فحجبتُ النظرَ عنه.
ويتحدثون يا صديقتي عن كلِّ الذنوب التي حملتْ قلبَ وزرِها وأنا مبتسمةٌ متوردة، أنا هنا يا صديقتي ملقاة على سريري، معلقة بين حياةٍ و أخرى، فربَّما يا صديقتي تعودُ إلى نفسي وروحي البكرُ، وتأتي إليَّ أوراقُ الأشجارِ وربيعُ الأرضِ محملةً بتغيري، محملةً بعمري الجديد. عندها يا صديقتي ستعودُ إليَّ حروفي ويعودُ إليها الشغفُ فيَّ، وأنا لنْ أخذلَها وسوف أسكُنها وطناً لا رحيلَ عنه، فمن بينِ كلِّ الأحلامِ التي ملأتني حروفي كانت أجملَ حلمٍ. عاهدتُ نفسي يا صديقتي إن عادتْ إليَّ روحي البكرُ بأنْ أتزوجَ الكتابةَ حباً ووطناً وصداقةً. سوفَ أعيدُ حكاياتي بألفِ راوٍ وأفني الأنا فيها، سوفَ أجعلُها أقلَّ خصوصيةٍ، سوفَ أجعلُها مرآةً يرى كلُّ قارئ فيها نفسَه.
الكاتبة: لارا بني عوده
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2015-05-23 || 10:46