غسان زقطان: حكايتي مع إدوارد سعيد
الشاعر غسان زقطان يكتب عن حكايته مع المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، وذكريات اللقاء الذي جمعه معه في عام 1996 بمدينة رام الله.
كتب الشاعر غسان زقطان في فيسبوك:
في العام 1996 من القرن الماضي، أبصرت إدوارد سعيد في رام الله، كان ذلك في مطعم صغير اعتدت أن اتناول غدائي فيه. كان يجلس الى مائدة خشبية دائرية في المدخل الضيق برفقة ابراهيم أبو لغد. كان المشهد مفاجئاً تماماً وبدا أنه مؤقت إلى حد كبير. كان إدوارد سعيد فعلاً بوسامته كاملة يتحدث بانفعال خاص مع أبو لغد وكان بإمكاني أن أسمع صوته وأن أميز لكنته الأميركية، ولكن ما أسرني على نحو غريب كان حركة يديه.
في تلك الأسابيع تعرض المفكر الفلسطيني- الأميركي لحملة قاسية قادها الإعلام الرسمي الفلسطيني وصلت حد مصادرة كتبه من المكتبتين الوحيدتين في رام الله.
كنت كتبت شيئاً في الدفاع عنه في زاويتي في صحيفة الأيام، مقالة من 600 كلمة أو أقل، بمعنى أدق كانت، المقالة، إدانة للحملة نفسها التي توجت بالعنوان البائس "من أنت يا إدوارد سعيد"!
تذكرت بقوة حادثة غابرييل غارسيا ماركيز عندما صادف همنغواي في باريس، توقف عاجزاً عن الحديث مكتفياً بالمرور المذهل لجسد همنغواي واختفائه في منعطف الشارع، يقول ماركيز في سرده لتلك الحادثة: كان قد ابتعد عندما قلت "يا.. معلم".
وقفت في مدخل مطعم "الأنجيلو" الصغير بأثاثه الخشبي الفاتح في وسط رام الله أحدق بالرجل الذي لم يكن مهتماً بطبقه بقدر اهتمامه بقول شيء لم أتبينه لصديقه.
اخترت مائدة غير بعيدة تسمح لي بمواصلة الإصغاء إلى صوته ومشاهدة حركة يديه وانحناء جسده على المائدة. كان ذلك سحرياً وكافياً على نحو غريب.
بعد ثلاثة أيام سيطرق باب مكتبي في وزارة الثقافة، عندما كانت تحتل بناية في أول شارع الإرسال، مكتب صغير أشبه بزنزانة، وسيقف على الباب ابراهيم أبو لغد:
- هناك شخص يرغب في الحديث معك، يقول أبولغد بغموض فيه الكثير من الألفة والمرح.
كان إدوارد سعيد يقف خلفه تماماً وهو يبتسم، وكان ذلك كله خارج المكان. لا أنا ولا الفنان جمال الأفغاني الذي كان يزورني في تلك اللحظة، قلنا شيئاً.
لم التق بإدوارد سعيد بعد ذلك، حتى عندما حضر إلى رام الله، كنت أريد أن احتفظ بتلك اللحظة مثل مركز منفصل عن الذكريات، كان ذلك الحديث القصير في الغرفة الضيقة حول الحملة الغريبة التي استهدفته، والمقال الصغير الذي لم يتجاوز الـ600 كلمة، قد تركا أثراً عميقا لديه. ولكنه استطاع، دون أن يقصد، أن يؤثث حياتي بمشهد سحري لم أفقد أياً من تفاصيله وواصل العيش الى جانبي، والذي سأرويه بتفاصيله للسيدة مريم سعيد، زوجته، عندما التقيت بها في عشاء احتفالي في الولايات المتحدة العام 2014.
الذي أخذني إلى ذلك المشهد هو أنني منذ أيام وأنا استمع إلى حواره الأخير الذي أجراه في العام 2002 تشارلز جلاس وأخرجه مايك ديب قبل رحيله بعام، يستحضر المخرج مقولة رولان بارت في بداية المقابلة: "النوع الوحيد من المقابلات الذي يمكن للمرء الدفاع عنه -فيما لو تم إجباره-، هي تلك التي يُطلَب فيها من الكاتب التحدُّث بما لا يستطيع كتابته".
الحوار الذي يمتد على مدار ثلاث ساعات، يتحدث خلالها سعيد بانفتاح أقرب الى التداعي، متنقلاً من علاقته بمرضه اللوكيميا مروراً بطفولته والعائلة والأب والبيت في حي الطالبية المقدسي، المدرسة والصداقات والموسيقى والفيلسوف الايطالي فيكو والبولندي كونراد، روسي وحلاق إشبيلية وقسطنطين كفافيس... وفلسطين، هذا الحوار الاستثنائي يبدو مرجعاً جديداً ومختلفاً لفهم إدوارد سعيد.
وبالنسبة إلي هو امتداد لتلك الزيارة السحرية، وهو أمر يمكن العودة إليه اكثر من مرة في هذه المساحة.
هنا لا بد من الإشارة الى الجهد الذي بذله كل من: آية علي، رهف الغامدي وأيمن الدريس في الترجمة، ومهند النجار في الإعداد.
في التفاصيل، يبدو ذلك الصيف عام 1942 مختلفاً، عندما استأجرت عائلة سعيد بيتاً في رام الله، وها أنا ابحث عن البيت، على أمل أن لا يكون قد هدم في سياق "المجزرة" التي تتعرض لها بيوت رام الله القديمة منذ عقدين.
المصدر: المدن
2026-09-26 || 11:28