تاكر كارلسون: ممداني الحزب الجمهوري أم بداية انشقاق يميني؟
هل يستطيع كارلسون أن يفعل داخل الحزب الجمهوري ما فعله ممداني داخل الديمقراطيين، أي تحويل غضب الشباب والطبقات المتضررة من المؤسسة إلى قوة سياسية منظمة.
طبعاً، ليس السؤال عما إذا كان تاكر كارلسون يشبه زهران ممداني سياسياً، فالأول ابن اليمين الشعبوي الأميركي، والثاني ديمقراطي اشتراكي صعد من يسار الحزب الديمقراطي. السؤال الأدق، هل يستطيع كارلسون أن يفعل داخل الحزب الجمهوري ما فعله ممداني داخل الديمقراطيين، أي تحويل غضب الشباب والطبقات المتضررة من المؤسسة إلى قوة سياسية منظمة؟
كارلسون يملك الصوت والمنصة والجمهور، لكنه لا يملك بعد الآلة الانتخابية التي حولت ممداني من ظاهرة احتجاجية إلى مشروع حكم محلي.
من مذيع محافظ إلى زعيم مزاج سياسي
تاكر كارلسون ليس سياسياً تقليدياً، بل شخصية إعلامية تحولت إلى فاعل سياسي غير منتخب. صنع نفوذه من موقع مختلف، شاشة تلفزيونية أولاً، ثم منصات رقمية لاحقاً، وخطاب يقدم نفسه بوصفه دفاعاً عن الأميركي العادي ضد النخب. قوته أنه لا يتحدث بلغة السياسيين، بل بلغة المحافظ، ضد الحروب الخارجية، ضد الهجرة غير الشرعية، ضد الإعلام التقليدي، ضد الشركات الكبرى، وضد ما يراه تواطؤاً بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في قضايا المال والحرب.
الجديد في لحظة كارلسون الحالية أنه لم يعد يهاجم الديمقراطيين وحدهم، بل أصبح يهاجم الجمهوريين من داخل المعسكر المحافظ نفسه. فهو يرى أن الحزب الجمهوري، حتى في عهد ترامب، ابتعد عن وعد أميركا أولاً، لا حروب لا تنتهي، لا ارتهان للمانحين، ولا جعل السياسة الخارجية أولوية على حساب الأميركيين. ومن هنا جاءت فكرته عن الحاجة إلى حزب ثالث، ليس لأنه يريد بالضرورة أن يكون مرشحاً، بل لأنه يريد كسر الثنائية الحزبية التي يراها عاجزة عن تمثيل الغضب الشعبي الحقيقي.
يسار اقتصادي ويمين انعزالي
المقارنة الأهم مع ممداني تظهر بمخاطبة الشباب. شباب الحزب الديمقراطي يميلون أكثر إلى خطاب يساري اقتصادي وحقوقي، السكن، الإيجارات، الرعاية الصحية، المواصلات، العدالة الاجتماعية، وفلسطين. بالنسبة إلى كثيرين منهم، المشكلة ليست فقط في ترامب أو الجمهوريين، بل في حزب ديمقراطي وسطي لا يقدم أجوبة كافية لأزمة المعيشة. لذلك نجح ممداني في مخاطبة جيل يشعر بأن السياسة القديمة لم تعد تسمعه، عبر وعود ملموسة مثل تجميد الإيجارات، توسيع الرعاية للأطفال، وتخفيف كلفة النقل العام في مدينة باهظة الثمن.
أما شباب الجمهوريين فيتحركون في اتجاه مختلف. تمردهم ليس يسارياً، بل على العكس انعزالي وقومي. هم أقل حماسة للحروب الخارجية، أكثر تشدداً في ملف الهجرة، وأكثر عداء للإعلام القديم والشركات الكبرى ولوبيات المانحين. كما أن دعم إسرائيل لم يعد عند شريحة منهم مسلمة ثابتة كما كان لدى الأجيال الجمهورية الأكبر سناً. استطلاعات حديثة أظهرت أن الجمهوريين الأصغر سناً أكثر سلبية تجاه إسرائيل من كبار السن داخل الحزب، وأن ملفي إسرائيل وفلسطين باتا يهمان الشباب في الحزبين بدرجة لافتة.
في هذا المعنى، ممداني وكارلسون لا يشبهان بعضهما في الأفكار، بل في الوظيفة السياسية. ممداني يقول للديمقراطيين إن الوسطية لم تعد تكفي في زمن الغلاء. وكارلسون يقول للجمهوريين إن الولاء لترامب لا يكفي إذا انتهى الحزب إلى تكرار سياسات واشنطن القديمة. الأول يعبر عن جيل يريد دولة اجتماعية أكثر جرأة، والثاني يعبر عن جيل يريد يميناً أكثر قومية وأقل تورطاً في الخارج.
هل يتحول الغضب إلى انشقاق انتخابي؟
مع ذلك، يبقى الفارق حاسماً. ممداني خاض انتخابات، بنى حملة، كسب ناخبين، وحول الغضب إلى برنامج وسلطة. أما كارلسون، حتى الآن، فهو صانع مزاج أكثر منه صانع تنظيم. جمهوره واسع ومؤثر، لكنه جمهور إعلامي قبل أن يكون كتلة انتخابية منضبطة. وهنا تكمن حدود المقارنة، ممداني خرج من الهامش إلى صندوق الاقتراع، بينما كارلسون ما زال يقف عند حافة التهديد بالانشقاق.
بناء حزب ثالث في الولايات المتحدة ليس قراراً إعلامياً ولا موجة على الإنترنت. إنه معركة قانونية وتنظيمية ومالية داخل الولايات، تتطلب تمويل الحملات، وبناء كوادر محلية، ومواجهة نظام انتخابي مصمم عملياً لمصلحة الحزبين الكبيرين. لذلك قد لا يكون خطر كارلسون الحقيقي في أن يؤسس حزباً يفوز بالرئاسة أو الكونغرس، بل في أن يخصم نسبة من القاعدة الجمهورية في ولايات حاسمة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات نصفية لا يحتمل فيها الحزب الجمهوري خسارة جزء من ناخبيه الغاضبين.
لن يكون كارلسون ممداني الحزب الجمهوري بالمعنى الانتخابي المباشر، لكنه يشبهه في كشف أزمة التمثيل داخل الحزب الكبير الذي ينتمي إليه جمهوره. ممداني عرى فجوة الديمقراطيين مع شباب يساري يريد حلولاً مادية لا شعارات، وكارلسون يعري فجوة الجمهوريين مع شباب يميني لم يعد يرى في الولاء لترامب جواباً كافياً عن الحرب، والهجرة، والنفوذ المالي، وتحالفات واشنطن الخارجية. الفارق أن ممداني حول الغضب إلى صندوق اقتراع وبرنامج حكم، بينما لا يزال كارلسون يحوله إلى ضغط إعلامي واحتمال انشقاق. لذلك، لا يكمن الخطر على الجمهوريين في ولادة حزب كارلسوني قادر على الحكم غداً، بل في اهتزاز الكتلة الترامبية نفسها، فإذا أصبحت أميركا أولا تيارين لا تياراً واحداً، فإن الانتخابات النصفية المقبلة قد تختبر ليس قوة ترامب فحسب، بل قدرة الحزب الجمهوري على منع تمرد شبابه من التحول إلى كلفة انتخابية حقيقية.
الكاتب: شفيق طاهر/ المدن
2026-07-08 || 19:58