حوار مع د. مخول: حضور القرويات الفلسطينيات الاقتصادي بعهد الانتداب
تتحدث د. مرقس مخول عن نتائج بحثها في حضور المرأة الفلسطينية في دورة الإنتاج الزراعي، وأشكال عملها المختلفة، وإشكالية التوثيق، وأهمية التاريخ الشفوي في استعادة أصوات النساء اللواتي صنعن جزءاً كبيراً من التاريخ الاقتصادي الفلسطيني.
في البحث الذي حصلت بموجبه على شهادة الدكتوراه من جامعة بئر السبع، تسلط الباحثة د. روضة مرقس مخول الضوء على عمل النساء القرويات ودورهن الفاعل في الاقتصاد الفلسطيني، الذي شكّلت الزراعة عماده الأساسي في عهد الانتداب البريطاني.
وتحاول الباحثة إماطة اللثام عن جهد المرأة القروية الذي طالما جرى تهميشه وإغفاله، من خلال طرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية: هل يُعد عمل المرأة الفلسطينية في الزراعة ضمن إطار عائلتها، أو عملها كأجيرة مقابل صاع أو صاعين من الحنطة، مشاركةً اقتصادية؟ وهل لا تُعد الداية أو القابلة التي كانت تتقاضى بدلاً من المال بعض الثمار أو كمية من الحبوب، أو قرصاً من الجبن، أو بضع حبات من الحلوى لأطفالها، امرأةً عاملة؟ وهل لا يُعتبر مجهود جداتنا اللواتي كن يقطعن المسافات سيراً على الأقدام لبيع اللبن والجبن والخبيزة والميرمية في أسواق عكا وحيفا وصفد إسهاماُ اقتصادياً؟ ولماذا لا يُحتسب العمل النسائي غير الموثق رسمياً جزءاً من الاقتصاد الفلسطيني؟
وتؤكد الباحثة أنه لولا القوة الإنتاجية للمرأة الفلسطينية القروية لما تحقق تراكم رأس المال الزراعي الفلسطيني، سواء كان ذلك بأيدي الإقطاعيين اللبنانيين الذين امتلكوا آلاف الدونمات، أم بأيدي العائلات البرجوازية الفلسطينية في المدن والريف.
وفي مقال بعنوان "الخطاب الكولونيالي ومساهمته في تغييب الدور الاقتصادي للنساء الفلسطينيات القرويات"، نُشر في إطار هذا البحث، تشير مرقس مخول إلى التحول الذي طرأ خلال العقود الأخيرة على أساليب ومصادر البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية، نحو الاهتمام برواية الشعوب الواقعة تحت الاستعمار، وإسماع صوت المستضعفين والفئات التي همّشها الباحثون سابقاً. وتوضح أن هذا التوجه ينطلق من كتابة نسوية تختلف عن كتابات الحركات النسوية الغربية، ولا سيما الأميركية البيضاء، التي طالبت بالمساواة في الخروج إلى سوق العمل، بينما بادرت مفكرات من أصول أفريقية، مثل بيل هوكس، إلى مواجهة حقيقة طالما تجاهلتها النسويات الأميركيات الأوائل، وهي أن النساء ذوات البشرة الداكنة عملن وقُمعن في حقول وبيوت النساء البيض منذ مئات السنين.
كما التحقت بهذا التيار، كما تقول، باحثات تبنين الفكر النسوي ما بعد الاستعماري والتحرري والماركسي، مثل أوما نارايان، وتشاندرا موهانتي، وغاياتري سبيفاك، ونوال السعداوي، وفاطمة المرنيسي، إضافة إلى باحثات كويريات مثل جوديث باتلر، وغيرهن ممن طالبن بتفكيك الخطاب النسوي الغربي المهيمن، وإعادة كتابة التاريخ بما يشمل أصوات الطبقات المستضعفة والشعوب المستعمَرة، ودراسة النوع الاجتماعي من هذه المنطلقات.
وتخلص الباحثة إلى أنه، ولأسباب تتعلق بتطور البحث التاريخي الفلسطيني، وهيمنة الخطاب الاستشراقي الذي رسم صورة نمطية عن المرأة الشرقية والعربية في الأبحاث والأدب والعلوم، جرى تغييب الدور الاقتصادي للمرأة الفلسطينية، الأمر الذي أدى إلى إنتاج معرفي منقوص حتى فترة ليست ببعيدة.
ولإلقاء المزيد من الضوء على هذا الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع د. روضة مرقس مخول.
"عرب 48": عندما نتحدث عن تهميش دور المرأة عموماً، نصطدم بدرجات متفاوتة من التهميش، يعود جزء كبير منها إلى الانقسام على أساس العرق، والشمال والجنوب العالميين، ثم البلد والقومية، وصولاً إلى الانقسام داخل المتن الوطني بين الحواضر والريف، والمدينة والقرية، حيث تقع نساء الريف في أسفل هذا السلم. ومن هنا، تستحقين، أنت وغيرك من الباحثين والباحثات الذين ساهموا في اختراق هذا الحصار، وحاولوا إلقاء الضوء على دور تلك الفئات المهمشة، ولا سيما المرأة القروية الفلسطينية، كل التحية.
مرقس مخول: ما تقوله كان الهاجس الأساسي الذي دفعني إلى اختيار هذا الموضوع. وقد شعرت أنني ألبي بذلك نداءً ذاتياً ورغبةً في تقديم شيء لجداتي ونساء قريتي وسائر قرى فلسطين، اللواتي عانين من ضنك الحياة في تلك الفترة، وكافحن من أجل لقمة العيش التي كانت مغمسة بعرقهن وآلامهن. عسى أن أساهم، من خلال هذا البحث، في إعادة بعض الاعتبار لهذا الجهد، وتعزيز الاعتراف العلمي والتاريخي به.
كما استلهمت ما قاله المؤرخ الفلسطيني المعروف بشارة دوماني: "لقد كتبنا كثيراً عن النكبة، وأغفلنا التاريخ الاقتصادي وتاريخ الشرائح الضعيفة التي أسهمت في تاريخ فلسطين، تماماً كما أسهم المناضلون والمحاربون". وإن كان غياب التوثيق أحد أسباب إهمال هذا التاريخ، فإن منهج الاعتماد على الرواية الشفوية أصبح اليوم أحد الأساليب العلمية الحديثة في البحث التاريخي والاجتماعي والنسوي.
وقد اعتمدت في دراستي، إلى جانب أرشيفات وسجلات دوائر وسلطات الانتداب البريطاني، بما فيها دفاتر المخاتير، على مقابلات شخصية مع نساء ورجال عاصروا تلك المرحلة، وعملوا أو كانوا شركاء أو شهوداً على دور المرأة وعملها وجهدها ومكانتها في دورة الاقتصاد الفلسطيني، ولا سيما في العمل الزراعي الذي كان يشكل أكثر من 70% من الاقتصاد الفلسطيني، ووقع العبء الأكبر فيه على المرأة الريفية. إلا أن هذا الجهد غُيّب بالكامل بسبب غياب التوثيق الخاص به، واندماجه في إطار عمل العائلة كوحدة اقتصادية، فسُجل باسم رب الأسرة.
"عرب 48": تحدثتِ عن أصناف مختلفة من الأعمال التي قامت بها المرأة القروية، تتجاوز العمل الزراعي التقليدي الذي استحوذ على جهد الغالبية العظمى من النساء؟
مرقس مخول: لم يقتصر عمل النساء القرويات على الزراعة، بل عمل بعضهن، وإن بنسبة محدودة، معلماتٍ، وممرضاتٍ، وقابلاتٍ، وموظفاتٍ في دائرة البرق والبريد، إضافة إلى العمل في التدبير المنزلي في الفنادق والسجون ومراكز الشرطة وغيرها. وجميع هذه الأعمال موثقة في الأرشيفات والسجلات الرسمية بالأسماء والعناوين، بما لا يدع مجالاً للبس.
لكن الإشكالية، كما ذكرت، تكمن في عمل النساء اللواتي اشتغلن في الزراعة، وهن الغالبية العظمى، إذ لم يُسجل عملهن ضمن الجهد الاقتصادي الرسمي في فلسطين الانتدابية، ولم يُحتسب إحصائياً أو اقتصادياً، الأمر الذي شكّل غبناً تاريخياً بحق المرأة ودورها الاقتصادي الأساسي.
وقد لحق هذا الغبن بالنساء اللواتي لم يُدوَّن عملهن، ولم يُحتسبن في الإحصاءات التي أجرتها سلطات الانتداب البريطاني طوال سنوات حكمها، لأن عمل المرأة في الفلاحة كان يُدرج ضمن عمل الأسرة كوحدة اقتصادية، ويُسجل باسم رب الأسرة.
كان رب الأسرة هو العنوان الرسمي أمام الدولة وسلطات الضرائب التي كانت تستوفي نصيبها من الأرباح. وعلى الرغم من أن الجزء الأكبر من العمل كان تقوم به النساء، فإنهن لم يُحتسبن كمنتِجات، بل كان الملف يُسجل باسم دافع الضرائب، أي رب الأسرة.
ومع ذلك، عثرت على بعض الأسماء النسائية في سجل الضرائب الموجود في دفتر مختار قرية المنشية، علي حريب، والد الأستاذ بلال حريبي، الذي أتاح لي الاطلاع على مقتنياته الشخصية، ومنها دفتر والده. وقد برزت فيه أسماء نساء من المنشية دفعن الضرائب بأسمائهن. وعادةً، عندما تُدفع الضرائب باسم امرأة، فإن ذلك يعني أنها إما ورثت أهلها ولم تتزوج، أو أنها متزوجة لكن زوجها غير قادر قانونياً على التواصل مع السلطات.
ومعظم العمل الزراعي الذي قامت به النساء القرويات الفلسطينيات، والذي يشكل نحو 70% من جهد المرأة الفلسطينية، بقي غير موثق. فجميعنا يعرف، من أمهاتنا وجداتنا، أو من خلال مشاريع التوثيق الشفوي، سواء في الجامعة الأميركية في بيروت، أو جامعة بيرزيت، أو منظمة "زوخروت"، وغيرها، الدور الأساسي الذي قامت به النساء في الزراعة، ولا سيما الأعمال التي كانت تتطلب أيديًا عاملة كثيرة، وكانت تنهض بها النساء والفتيات والأطفال.
وهذا الأمر لا يزال قائماً حتى اليوم في بعض المجتمعات الزراعية. وهناك أبحاث تناولت دولاً عربية ودولاً في شرق آسيا، مثل بنغلادش والهند، اللتين خضعتا للاستعمار، تشير إلى أن نحو 80% من العمل الزراعي ما زال يقع على عاتق النساء.
"عرب 48": هل كان الحديث يدور عن العمل في أراضي العائلة وأملاكها؟
مرقس مخول: غالبية النساء عملن في أملاك عائلاتهن، لكن كانت هناك أيضاً نساء أجيرات من عائلات لا تملك أراضي زراعية، وكن يحصلن مقابل تعبهن على جزء مما تيسر من المحصول.
وقد تنوعت أعمال النساء في المجال الزراعي، بين بذر المحاصيل، وقطفها أو حصادها، وإزالة الأعشاب الضارة، وإزالة الحجارة من الأرض، وبناء السناسل الحجرية، وصولاً إلى معالجة المحصول بعد جنيه ونقله إلى ساحات البيوت، وهو عمل كان يقع بمعظمه على عاتق النساء، بينما كان الرجال يتولون، في الغالب، نقل المحاصيل على الدواب والتعامل مع الأسواق.
ومع ذلك، وثقت من خلال مقابلتين، إحداهما مع نطمية الكيلاتي، وهي من صفد وتقيم في عكا، أنها كانت تتعامل مباشرة مع "الحسبة". وحتى عندما كان والدها يرسل عماله، كانت هي التي تتولى تسجيل البضائع وإنجاز المعاملات الرسمية.
كما عملت نساء أجيرات في المحطات الزراعية التجريبية التي أنشأتها سلطات الانتداب البريطاني، والتي بلغ عددها ست محطات في فلسطين، منها محطتان في الشمال: الدبوية في عكا، والفرادية في قرية الفراضية. وكانت كل محطة ملزمة بإصدار تقرير سنوي، وقد اطلعت على هذه التقارير واستفدت منها في البحث.
وتبين من خلالها أن نساء فلسطينيات عملن بأجر في تلك المحطات، إلا أن المرأة كانت تتقاضى نصف أجر الرجل، كما كان العامل العربي يتقاضى نصف أجر العامل اليهودي. ويعود ذلك، بحسب الوثائق، إلى مستوى التعليم والخبرة المهنية، فيما كانت أجور العمال الفلسطينيين المهنيين تقترب من أجور العمال اليهود.
كما اشتغل الرجال العرب والنساء في تنظيف الإسطبلات، والعناية بالدجاج والأرانب وخلايا النحل، وجني العسل، وربما كان هذا من الأعمال الزراعية النسائية القليلة التي وثقتها السجلات الرسمية، في حين بقي القسم الأكبر من عمل النساء الزراعي خارج نطاق التوثيق الرسمي.
"عرب 48": التدوين الشفهي هو أيضًا نوع من التوثيق يُعتد به ويُعتمد عليه؟
مرقس مخول: كل ما وثقته أنا وغيري من خلال التاريخ الشفهي أعدّه توثيقاً حقيقياً. فكل امرأة قالت إنها حصدت، أو "شكّت دخانًا"، أو "جالت زيتوناً"، أعتبرها امرأة عاملة، لأن التاريخ الشفهي يحول غير الموثق إلى موثق، ويحوّل "التاريخ المُتنكَّر له"، كما يقال بالعبرية، إلى تاريخ معترف به.
وقد أجريت، لغرض البحث، 40 مقابلة مع نساء ورجال، سُجلت بالصوت والصورة، واعتمدت منها 35 مقابلة، وثقت من خلالها عمل النساء، إما مباشرة على لسان من مارسن هذا العمل بأيديهن، أو ممن شهدن أو شهدوا عليه. كما حرصت على إجراء مقابلات مع نساء من قرى مهجرة أيضاً، حتى أغطي مختلف أنحاء الجغرافيا الفلسطينية.
وعلى امتداد هذه الجغرافيا، كانت المرأة القروية سيدة الحقل وسيدة البيت. فهي عماد أساسي في العمل الزراعي بمختلف أشكاله وفروعه، وهي التي تعتني بالماشية في المنزل، فتطعمها وتعلفها، وتقوم بأعمال الحليب وصناعة اللبن والجبن، وتنظف الحظائر، فضلًا عن صيانة البيت؛ فتجبل الطين والتبن، وتصعد إلى السطح لإصلاح التشققات ومنع تسرب مياه الأمطار، كما كانت تدهن أرضية البيت بعكر الزيت لمكافحة الحشرات.
"عرب 48": لفت نظري حديثك عن "الحطابات".
مرقس مخول: كان التحطيب من أهم الأعمال التي مارستها النساء القرويات الفلسطينيات، سواء لتأمين احتياجات المنزل أو بهدف البيع. وقد تبين لي، من خلال المقابلات الشفوية التي أجريتها، أن النساء اللواتي كن يأتين إلى حيفا في ساعات الصباح الباكر لبيع الحليب واللبن، بعد أن يقطعن مسافات طويلة قد تتجاوز عشرة كيلومترات، ويصعدن شارع الجبل أو شارع عباس، ويدخلن من بيت إلى آخر، كن، بعد الانتهاء من بيع منتجاتهن، يستغللن وجودهن في المدينة، فيتوجهن إلى سفوح جبل الكرمل لجمع الحطب، ثم يعدن محملات بالحزم ليبعنها لمخابز حيفا.
لقد وصفت هؤلاء النساء في أطروحة الدكتوراه بأنهن فاعلات اقتصاديات يمتلكن إرادة مستقلة ووعياً اقتصادياً عملياً، مكّنهُن من استثمار وجودهن في الحيز العام لتحقيق دخل إضافي، عبر استغلال كل فرصة متاحة.
كن يمشين مسافات طويلة على الأقدام، قادمات من قرية الرمل وغيرها، من بدويات وفلاحات، ويسلكن الطرق المختصرة عبر الشاطئ نحو سوق الجرينة ووادي النسناس. وكانّ يحفظن الطرق والشوارع ومعالم المدينة، فيصلن إلى وجهتهن، ويبعن الحليب واللبن وسائر المنتجات، ثم يعدن محملات بالحطب. لذلك، عندما نقول إن المرأة كانت فاعلاً اقتصادياً واجتماعياً، فإننا نقصد ذلك حرفيًا؛ فقد كانت حاضرة في الحيز العام، تعرف جغرافيته ومسالكه، وتسهم في الحركة الاقتصادية بوعي وإدراك.
"عرب 48": أي إنها لم تكن حبيسة المطبخ، كما تصورها الصورة النمطية، خصوصاً أنه لم يكن هناك مطبخ بالمعنى المعروف اليوم؟
مرقس مخول: لم تكن ظروف الاستعمار ونهب خيرات البلاد تسمح بذلك. فالفصل بين الرجل والمرأة كان نوعًا من الرفاهية التي لم تكن متاحة. ظروف الحياة والعمل والسكن، والحوش الذي كان يضم أفراد الأسرة جميعاً، لم تكن تتيح هذا الفصل.
فالعمل في الحصاد والبيادر، وحراثة الأرض، وبذر البذار، وقطف الزيتون، كلها أعمال كانت تتطلب تعاون الرجال والنساء معًا. وكيف يمكن للمرأة أن ترى السنابل إذا كانت تغطي وجهها؟ كانت تغطيه فقط اتقاءً لأشواك الذرة التي كانوا يصنعون منها خبز "الكراديش" المعروف.
وأذكر أن النساء اللواتي أجريت معهن المقابلات كن يضحكن عندما أسألهن عن ساعات العمل، ويقلن: "لم نكن نعرف الساعة أصلًا، كنا نعمل من النجمة إلى النجمة". ومع ذلك، كان التضامن النسوي يتجلى بأبهى صوره، إذ كانت النساء يساعدن بعضهن بعضًا في طريق العودة، حتى تنتهي كل واحدة من عملها قبل غروب الشمس.
"عرب 48": ذكرتِ أن بعض الحطابات كن يحصلن على تصاريح من سلطات الانتداب؟
مرقس مخول: كان التصريح يُصدر باسم رجل، لأن المرأة كانت تُعرف رسميًا بأنها زوجة فلان. وكان "المخضّر"، الذي كان غالبًا عربيًا، يعرف النساء شخصيًا. ومع ذلك، كانت سلطات الانتداب تعتدي عليهن إذا تجاوزن حدود التصريح. وقد روت لي امرأة من كفر ياسيف، عرفت نفسها باسم "أم إبراهيم"، وهي تبكي، أنها تعرضت للضرب بحجة قيامها بالتحطيب بصورة غير قانونية.
"عرب 48": إلى جانب ذلك، كان بين القرويات الفلسطينيات معلمات وممرضات وعاملات في البرق والبريد وغيرها من المهن، كما أشرتِ، وكان هناك أيضاً من يكافح من أجل تعليم البنات، ومن يدعم ويشجع عمل هؤلاء النساء، خلافًا للصورة النمطية السائدة.
مرقس مخول: كانت نسبة النساء القرويات العاملات في هذه المهن محدودة، وإن كانت ترتفع نسبياً في القرى الكبيرة، مثل صفورية. لكن، من حيث المبدأ، كان الأهالي يشجعون بناتهم على العمل في التعليم والتمريض وغيرهما من المهن. وتشير السجلات إلى وجود معلمات وممرضات عملن خارج قراهن، وفي بعض الحالات كان الأب يتولى نقل حاجيات ابنته واستئجار غرفة لها في البلدة التي تعمل فيها.
كما أن بعض النساء تلقين تعليمهن خارج البلاد، في القاهرة وبيروت وغيرهما، ووصلت بعضهن إلى جامعتي أكسفورد وكامبريدج ضمن بعثات وزارة المعارف في عهد الانتداب البريطاني، ومن بينهن المعلمة هيفا بولس من كفر ياسيف، التي كانت إحدى النساء اللواتي أجريت معهن مقابلات.
كذلك، درست بعض الفتيات في مدارس الصبيان، وتحديداً في قرية الزيب، إذ تروي إحدى النساء أنها درست مع فتاة أخرى في صفوف الصبيان لعدم وجود مدرسة للبنات في القرية. كما تشير وثائق عديدة إلى مطالبات متكررة بفتح مدارس للبنات في عدد من القرى الفلسطينية.
أما الأمر اللافت الآخر، فهو أن سلطات الانتداب البريطاني كانت تمنع المعلمات من مواصلة العمل بعد الزواج. وتفيد السجلات الرسمية بأن بعض المعلمات كن يبلغن سلطات المعارف بخطبتهن مسبقاً، تنفيذاً للأنظمة المعمول بها آنذاك.
وقد دفع هذا الإجراء بعض المعلمات إلى العزوف عن الزواج، حفاظاً على وظائفهن، واستمراراً في إعالة أسرهن. كما تمكنت بعضهن من استثمار مدخراتهن في شراء أراضٍ زراعية بلغت في بعض الحالات عشرات الدونمات، ومن أبرزهن نهايت الخازن، التي اشترت أراضي في قرية الرامة.
روضة مرقس مخول باحثة في علم الاجتماع التاريخي والاقتصادي، حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة بئر السبع، ودرجة الماجستير من جامعة تل أبيب. وهي ناشطة سياسية ونسوية، وفاعلة في مجالات الإغاثة والتواصل بين شقيّ الوطن، ومن مواليد وسكان كفر ياسيف.
المصدر: عرب 48
2026-06-28 || 20:04