يوم تنحّي عبد الناصر
تأثير صدمة هزيمة حزيران 1967 وإعلان تنحي الرئيس جمال عبد الناصر على الشعب المصري والشعوب العربية، يصعب تخيلها لمن لم يعايشوها، فاستقالته كانت لكثيرين أقسى من الهزيمة نفسها. ترى كيف كانت ردود أفعال الفنانين وما هي الأغاني التي لحنوها وغنوها بعد ساعات أو أيام بعد التنحي؟
لم يكن أحد من المصريين والعرب يعرف حقيقة ما يحدث على الجبهات العربية الإسرائيلية حتى مساء التاسع من حزيران 1967، كانت البيانات العسكرية الرنانة والأغنيات الحماسية قد رفعت من سقف الطموحات، إلى الحد الذي صدقنا أن الجيوش العربية باتت على أعتاب تل أبيب، فإذا بالرئيس المصري جمال عبد الناصر يخرج على الناس في مساء تلك الليلة الحارة، ليقذف في وجوههم بنبأ الهزيمة المريرة مصحوباً بقرار تنحيه تماماً ونهائياً عن السلطة والعودة إلى صفوف الجماهير. في تلك اللحظة -ويا للدهشة- لم يتوقف الناس أمام الإعلان الرسمي الأول عن الهزيمة أو كما أسماها عبد الناصر بالنكسة، بناء على اقتراح الصحافي المقرب منه محمد حسنين هيكل، وإنما استنفرهم قراره بالتنحي والتخلي تماماً عن كافة مناصبه، فاندفعوا في الشوارع والميادين، ليس فقط في مصر وإنما في كثير من العواصم العربية، يرفضون قرار الرئيس على النحو الذي وثقته المشاهد التسجيلية التي صورها المخرج يوسف شاهين في فيلم العصفور.
ومهما قيل عن أن تدافع الناس في الشوارع كان مشهدا سابق التجهيز من جانب التنظيم الطليعي الموالي لعبد الناصر، ومهما كان يحدث حينها بدهاليز السياسة في تلك اللحظات العصيبة وما بعدها، فإن الحياة الفنية قد شهدت في هذه الأثناء مواقف عدة يمكن أن تؤشر إلى واقع الحال الذي كانت تعيشه الأمة، فقد روى لي المحامي مجدي العمروسي صديق عبد الحليم حافظ المقرب، أنه كان مع الصحافيين أحمد رجب ومفيد فوزي والشاعر عبد الرحمن الأبنودي والملحن بليغ حمدي يتجمعون في بيت عبد الحليم حول جهاز التلفاز يستمعون إلى كلمة عبد الناصر، وبمجرد أن اعترف الرجل بالهزيمة وأعلن عن قرار التنحي، ارتمى بليغ حمدي على الأرض في نوبة انهيار عاتية فيما صرخ عبد الحليم رافضا الهزيمة والتنحي، أما الباقون فقد غطى وجوههم الإحساس بالصدمة وأصابهم الوجوم، وكشف العمروسي أنهم كانوا يستشعرون في اليوم السابق (الثامن من حزيران) أثناء وجودهم في مبنى الإذاعة أن شيئا ما غير جيد يحدث هناك على الجبهة، وأنه كان مع عبد الحليم حينما توجها في ذلك اليوم إلى السيد محمد فائق، القائم بمهام وزير الإعلام، يسألانه عما يحدث، فأبلغهما بأن شمس بدران وزير الحربية أخبره بأنه لو مر الثامن من حزيران على خير، فإن الأمور ستصبح على ما يرام، وأضاف العمروسي: ومع ذلك لم يكن أحد يتصور الهزيمة، وأن تداعياتها سوف تصل إلى حد تنحي الرئيس. وهنا اتجه عبد الحليم إلى باب شقته وهو ينادي على سائقه عبد الفتاح ويقول أنا نازل، فاندفع الباقون خلفه، وانحشروا جميعا داخل سيارة العندليب، متجهين إلى منطقة منشية البكري حيث يسكن عبد الناصر ليطالبوه بالتراجع عن التنحي، ظناً منهم أنهم وحدهم في الشارع، وحينما اقتربوا من بيت الرئيس فوجئوا بالآلاف يفعلون مثلهم، بل وكادوا يحطمون السيارة بمن فيها من فرط التدافع، وهنا قرر عبد الحليم العودة من حيث أتى، ولولا مهارة سائقه لربما تعرضوا لأذى في تلك الليلة وهم في طريق عودتهم إلى منزل عبد الحليم بالزمالك، وأنهى العمروسي ذكرياته عن تلك اللحظات بأنهم باتوا جميعا ليلتهم في بيت العندليب من دون أن يتحدثوا كثيرا، بل كان الصمت هو بطل هذا المشهد في تلك الليلة. وفي صباح العاشر من حزيران وقت أن كان الناس لا يزالون على تدافعهم في الشوارع، أفاق عبد الحليم من شروده، وقرر مقاومة الإحساس بالعجز، وحث الأبنودي وبليغ على تجاوز المحنة، فولدت في ذلك اليوم المرثية التحريضية الشهيرة عدّى النهار التي باتت لسان حال رجل الشارع في هذا الوقت.
كوكب الشرق
وعلى بعد أمتار من منزل عبد الحليم بشارع قراقوش بالزمالك، وبالتحديد في فيللا أم كلثوم بشارع أبو الفدا، كان هناك مشهد مهيب آخر بطلته كوكب الشرق، ففور سماعها خطاب الرئيس انزوت في ركنها القصي بالغرفة المظلمة الكائنة ببدروم فيلتها، وعصبت رأسها بمنديلها الريفي ودخلت في نوبة بكاء لما يزيد عن ساعة، ثم أفاقت فجأة وقررت عدم الاستسلام للأمر الواقع، وصعدت لتتحدث مع عبد الناصر هاتفيا، فرد عليها سامي شرف مدير مكتبه، وأخبرها بأن الرئيس طلب عدم توصيل أية مكالمات إليه، وهنا قررت أم كلثوم أن تستخدم السلاح الوحيد الذي تملكه، وهو الغناء، فهاتفت الشاعر صالح جودت في العاشرة مساء، وطلبت منه أن يكتب قصيدة تعبر عما يحدث، وأن يأتي بها صباحاً في مبنى الإذاعة، وفعلت الشيء نفسه مع الموسيقار رياض السنياطي الذي واعدته على اللقاء في الصباح انتظارًا لما يكتبه جودت، وعندما التقى ثلاثتهم في مبنى الإذاعة صباح اليوم التالي، كان الشاعر غزير الإنتاج قد انتهى من كتابة قصيدة بعنوان دُم للشعب والتي عرفت إعلامياً بأغنية حبيب الشعب التي يقول مطلعها: "قم واسمعها من أعماقي فأنا الشعب، ابق فأنت السد الواقي لمنى الشعب، ابق فأنت الأمل الباقي لغد الشعب، أنت الخير وأنت النور، أنت الصبر على المقدور، أنت الناصر والمنصور، ابق فانت حبيب الشعب".. وخلال ساعات كان السنباطي قد فرغ من تلحينها وحفظتها أم كلثوم مع الفرقة الموسيقية، وانتهى الجميع من تسجيلها لتبثها الإذاعة المصرية في صباح الثاني عشر من حزيران، كأسرع رد فعل على خبر إعلان الهزيمة وتنحي عبد الناصر.
أما محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش فقد كانا بلبنان في حزيران 1967، الأول كان يقضي عطلته الصيفية المعتادة، والثاني كان قد نقل إقامته إلى بيروت عقب انتهائه من تصوير فيلم الخروج من الجنة إخراج محمود ذو الفقار، وقد استمع الاثنان - كل على حدة – إلى خطاب التنحي عبر المذياع، ورغم تأثرهما بأجواء الهزيمة، فإن رد فعل عبد الوهاب كان بطيئا كالعادة، بينما كان فريد يفكر فيما يمكن أن يفعله وهو بعيد عن أرض مصر، وقيل إن الحل جاء على يد المطربة صباح التي خطرت ببالها فكرة استثنائية بالجمع بين فريد وعبد الوهاب في عمل غنائي واحد تشارك هي فيه، وأن كلاهما اقتنع بالفكرة بعد تردّد، على أن يغنى كل منهما من ألحانه فيما يقوم عبد الوهاب بوضع لحن المقطع الذي تغنيه صباح، وأوكلا إلى الشاعر عبد الجليل وهبي كتابة النشيد، وقبل وقت قصير من تسجيل العمل، فكر عبد الوهاب في إضافة مجموعة أخرى من الأصوات، فوئدت الفكرة من أساسها في مهدها، ورغم أنه لم يتسن لي التحقق من صحة هذه الواقعة، فإن الثابت أن فريد الأطرش قد غنى في تلك الأثناء من نظم عبد الجليل وهبي أغنية شعبنا يوم الفداء فيما تعاون عبد الوهاب مع الأخوين رحباني في واحدة من أهم أعماله الوطنية، وهو نشيد حي على الفلاح الذي سُجل في استوديو بعلبك وأذيع للمرة الأولى في الثامن والعشرين من تموز 1967.
الكاتب: أشرف غريب/ المدن
2026-06-12 || 18:21