ظريف: نتنياهو قد يستغل لقاء ترامب لإفشال أي تهدئة مع إيران
وزير الخارجية الإيرانية السابق محمد جواد ظريف، يقول إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة اتبعت، على مدى أكثر من خمسة عقود، إستراتيجية هدفت إلى منع أي تقارب بين الولايات المتحدة وإيران، ويعتبر أن نتنياهو قد يسعى خلال لقائه المرتقب مع ترامب إلى تثبيط أي جهود لإنهاء التوتر في الخليج.
قال وزير الخارجية الإيرانية السابق محمد جواد ظريف، الثلاثاء 28.07.2026، إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة اتبعت، على مدى أكثر من خمسة عقود، إستراتيجية هدفت إلى منع أي تقارب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يسعى خلال لقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تثبيط أي جهود لإنهاء التوتر في الخليج.
وفي مقال رأي نشرته شبكة "الجزيرة"، استند ظريف إلى ما وصفه بوثائق استخباراتية رُفعت عنها السرية، ومذكرات مسؤولين أميركيين سابقين، وتقارير استقصائية ودراسات أكاديمية، ليقول إن هذه المصادر تظهر نمطاً متكرراً يتمثل في سعي إسرائيل إلى عرقلة المبادرات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، بهدف الإبقاء على حالة المواجهة بين البلدين والحفاظ على نفوذها في رسم السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.
وأضاف أن هذا النهج ظهر، خلال الحرب العراقية- الإيرانية بين عامي 1980 و1988، مشيراً إلى أن عدداً من الباحثين، بينهم تريتا بارسي وديفيد ميناشري، رأوا أن إسرائيل كانت تفضل استمرار الحرب دون حسمها لأي من الطرفين، بما يؤدي إلى استنزاف إيران والعراق عسكرياً واقتصادياً.
وأشار ظريف إلى أن الإذاعة الحكومية الإسرائيلية لعبت، وفق دراسات تناولت الإعلام في زمن الحرب، دوراً في الحرب النفسية عبر تسليط الضوء على نقاط ضعف كل طرف في توقيتات مختلفة، بما يسهم في إطالة أمد الصراع وتقليل فرص التوصل إلى تسوية سياسية.
وتطرق إلى أزمة الرهائن الغربيين في لبنان مطلع التسعينيات، قائلاً إن الإفراج عنهم كان يمثل فرصة لتحسين العلاقات بين طهران وواشنطن، إلا أن الوسيط الأممي جاندومينيكو بيكو ذكر في كتابه أن مسؤولين إسرائيليين عرقلوا جوانب من الترتيبات التفاوضية، من بينها الإفراج عن سجناء لبنانيين وفلسطينيين، وهو ما انعكس، بحسب ظريف، على فرص بناء الثقة بين البلدين.
وأضاف أنه بصفته أحد المفاوضين الإيرانيين في تلك المرحلة، أُبلغ بأن إسرائيل أوقفت تنفيذ بعض الترتيبات بانتظار حسم قضية الجنود الإسرائيليين المفقودين، معتبراً أن الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة، ولا سيما من جانب لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك)، حدّت أيضاً من هامش المناورة أمام إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب.
"محور الشر" والملف الأفغاني
ورأى ظريف أن التعاون الإيراني-الأميركي بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر في أفغانستان لم يدم طويلاً، رغم أن دبلوماسيين أميركيين سابقين، بينهم جيمس دوبينز ووزير الخارجية الأسبق كولن باول، تحدثوا عن دور إيراني في المفاوضات التي أعقبت سقوط طالبان.
وأضاف أن إسرائيل دفعت باتجاه تغيير الأولويات الأميركية بعد اعتراض سفينة "كارين أ" مطلع عام 2002، معتبراً أن هذه القضية ساهمت في ترسيخ صورة إيران باعتبارها التهديد الرئيسي في المنطقة.
وأشار إلى أن ديفيد فروم، الذي شارك في إعداد خطاب "حالة الاتحاد" للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، تحدث لاحقاً عن تأثير التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي في النقاشات التي انتهت بإدراج إيران ضمن ما عُرف بـ"محور الشر"، لافتاً أيضاً إلى تصريحات لمسؤولين إسرائيليين آنذاك اعتبرت إيران أخطر من العراق.
البرنامج النووي
وقال ظريف إن إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين عام 2003، نقل تركيز إسرائيل نحو البرنامج النووي الإيراني، معتبراً أن هذا الملف أصبح محور الجهود الدبلوماسية والاستخباراتية الإسرائيلية.
وأضاف أن عدداً من الصحفيين ومسؤولي الاستخبارات السابقين تحدثوا عن قيام الموساد بتمرير معلومات تتعلق بمنشأة نطنز النووية عبر قنوات غير مباشرة، من بينها منظمة "مجاهدي خلق"، بهدف دفع الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى التحرك مع الحفاظ على سرية المصدر الأصلي للمعلومات.
وأشار إلى أن المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي كتب لاحقاً أن أسئلة مهمة بشأن مصدر بعض الوثائق المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، لم تُحسم بصورة كاملة، بينما رأى صحافيون استقصائيون أن سلسلة انتقال تلك الوثائق ظلت موضع جدل.
الاتفاق النووي وحملة نتنياهو
واعتبر ظريف أن التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015 مثّل أهم فرصة للحوار بين واشنطن وطهران منذ الثورة الإيرانية عام 1979، لكنه قال إن القيادة الإسرائيلية نظرت إليه باعتباره تهديداً لمصالحها الإستراتيجية.
وأضاف أن نتنياهو قاد حملة واسعة ضد الاتفاق، شملت إلقاء خطاب أمام الكونغرس الأميركي من دون تنسيق مع البيت الأبيض، مشيراً إلى أن مذكرات مسؤولين أميركيين سابقين، بينهم روبرت غيتس وليون بانيتا والرئيس الأسبق باراك أوباما، تحدثت عن خلافات متكررة مع إسرائيل بشأن التعامل مع إيران، وضغوط إسرائيلية لتبني خيارات أكثر تصعيداً.
وقال ظريف إن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أدى إلى انتقال أفكار كانت هامشية في السياسة الخارجية الأميركية إلى مركز صنع القرار، مشيراً إلى أن عرض نتنياهو عام 2018 لما قال إنها وثائق نووية إيرانية مسروقة استخدم لتعزيز مبررات الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي.
وأضاف أن الانسحاب تحول لاحقاً إلى سياسة "الضغط الأقصى"، ثم إلى تصعيد عسكري بلغ ذروته باغتيال قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني مطلع عام 2020، معتبراً أن تقارير لاحقة أشارت إلى اعتقاد بعض المسؤولين الأميركيين بأن المواقف الإسرائيلية أسهمت في دفع السياسة الأميركية نحو مزيد من المواجهة.
مذكرة التفاهم لعام 2026
وتناول ظريف كذلك المفاوضات التي جرت هذا العام بشأن مذكرة تفاهم في إسلام آباد، قائلاً إنها واجهت محاولات لإفشالها، ومشيراً إلى تصريحات أدلى بها نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس في مقابلة مع برنامج "The Joe Rogan Experience"، تحدث فيها عن وجود جهات داخل المؤسسة الإسرائيلية تسعى إلى التأثير في الرأي العام الأميركي لإطالة أمد الحرب، كما اتهم شبكات مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية بتصوير المفاوضات على أنها "استسلام".
وأضاف أن وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت أيضاً عن عمليات تأثير رقمي موجهة إلى الجمهور الإيراني عبر الفضاء الإلكتروني، بينما قال مسؤولون إيرانيون إن هذه الأنشطة تهدف إلى تقويض الدعم الداخلي للمفاوضات.
وختم ظريف مقاله بالقول إن تجربته الممتدة لأكثر من أربعة عقود في العمل الدبلوماسي قادته إلى استنتاج مفاده أن جهود خفض التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، واجهت باستمرار محاولات لإفشالها، معتبراً أن السجلات التاريخية تشير إلى أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة رأت في استمرار المواجهة بين واشنطن وطهران خياراً إستراتيجياً يخدم مصالحها، وأن فهم هذا النمط ضروري لإنجاح أي مساعٍ دبلوماسية مستقبلية.
المصدر: المدن
2026-07-28 || 15:06