الموساد وإيران: من التغلغل الاستخباراتي إلى الاختراق الأمني
التغلغل الاستخباراتي لجهاز الموساد الإسرائيلي داخل المؤسسات الحكومية والعسكرية والامنية الإيرانية، ليس سوى جزء من الاختراق العميق الذي تتمتع به إسرائيل في إيران، غير أن الاختراق الهيكلي أكثر تعقيداً ولا يمكن رصده أو تشخيصه.
إن التغلغل الاستخباراتي لجهاز الموساد الإسرائيلي داخل المؤسسات الحكومية والعسكرية والأمنية الإيرانية، لا سيما بعد اغتيالات القادة العسكريين والمسؤولين البارزين في الجمهورية الإسلامية خلال الحربين الأخيرتين، فضلاً عن اغتيال عدد من العلماء النوويين على مدى العقدين الماضيين، ليس سوى جزء من الاختراق العميق الذي يتمتع به الكيان الصهيوني في إيران، وهو جزء يسهل كشفه وملاحظته. غير أن الاختراق الهيكلي، على عكس الاختراق الأمني والاستخباراتي، ليس بالسهولة نفسها التي يمكن رصدها أو تشخيصها.
اعتراف بالتفوق الأمني للموساد
يتجنب المسؤولون الإيرانيون، بقدر الإمكان، إبراز مسألة الاختراق الأمني والاستخباراتي الإسرائيلي، لكن جواد أوجي، وزير النفط السابق في حكومة إبراهيم رئيسي، فاجأ الجميع الأسبوع الماضي بتصريحات غير متوقعة، كشف فيها عن عمق الاختراق الأمني والاستخباراتي للموساد، حيث قال:
"لدينا عشرة خطوط أنابيب رئيسية لنقل الغاز على المستوى الوطني. في شهر فبراير من عام 2024، وفي حوالي الساعة الواحدة فجراً، اتصل بي الموساد على خطّي الهاتفي، وقال: هذه الليلة سنُحدث ألعاباً نارية. سألني: كم ناتج 3 زائد 5؟ فأجبت: 8. فقال على الفور: لقد ضربنا للتوّ الخط الثامن من شبكة الغاز الوطنية. وبعد خمس دقائق، اتصل بي زملائي من غرفة التحكم في الغاز ليؤكدوا الخبر. ثم عاود الموساد الاتصال وسألني: كم ناتج 4 زائد 5؟ فأجبت: 9. فقال: لقد فجّرنا الخط التاسع أيضاً. ثم قاموا بتفجير الخط التاسع".
ولاقت هذه التصريحات التي أدلى بها وزير النفط السابق ردود فعل غاضبة؛ إذ عاتبه المحافظون على كشفه، بعد نحو ثلاث سنوات من انفجارات خطوط الغاز وبشكل غير مقصود، التفوق الأمني والاستخباراتي للموساد. وكتب موقع "تابناك" المحافظ في مقال تحت عنوان «هل كانت هذه السردية تظهر قوّة أم إذلالاً؟» قائلاً: "إن الحكاية التي رواها جواد أوجي عن الاتصال المنسوب للموساد، عوض أن تقدم صورة عن سيطرته وذكائه، كانت رواية عن مبادرة العدوّ، وإذلاله، ولعبه النفسي؛ وهي رواية كان من الأفضل ألّا تُحكى أبداً".
سياسة التغاضي المتعمّد
لكن الموقع نفسه لم يشر إلى أن حكومة إبراهيم رئيسي، التي كان أوجي وزيراً للنفط فيها، لم تتّهم إسرائيل يوماً بأنها المسؤولة عن تفجير هذين الخطّين، بل أرجعتهما إلى مخربين محليين، بينما كان وزير النفط حينها على يقين من أن الموساد هو الفاعل. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالمسؤولون الإيرانيون، باستثناء قضية اغتيال العلماء النوويين التي لم تترك مجالاً للإنكار، كانوا يتعمّدون، في الحوادث الأمنية والانفجارات مجهولة المصدر، التغاضي عن تورّط إسرائيل، لأن توجيه الاتهام إلى الكيان الصهيوني يعني في آنٍ معاً اعترافاً بإخفاق أمني واستخباراتي، ورفعاً لسقف توقّع الرأي العام المحلي بضرورة الردّ.
وعلى هذا النحو، في حوادث مثل مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في حادثة تحطّم المروحية في مايو/ أيار 2024، وانفجار مرفأ بندر عباس الهائل الذي وقع بعد عام بالضبط، تجنّبوا نسبتها إلى إسرائيل. حتى والدة إبراهيم رئيسي قالت: "كيف يمكن أن تسقط من بين أربع مروحيات، المروحية التي كانت تقل ابني وحدها؟" وأوصت الرئيس بزشكيان، حين زارها في مستهل ولايته، بعدم ركوب المروحيات.
وإضافة إلى سقوط مروحية الرئيس رئيسي وانفجار مرفأ بندر عباس، وقعت أعمال تخريبية أخرى يُحتمل فيها تورّط الموساد. لكن تهريب الوثائق النووية، التي كانت مخبأة في مغسلة سجاد مهجورة قرب العاصمة إلى إسرائيل، وأعلن نتنياهو في مؤتمر صحافي أنها "انتصار كبير"، يكشف عن عمق تغلغل الموساد حتى في المؤسسات العسكرية.
الاختراق الهيكلي
أما الاختراق الهيكلي للموساد فهو أكثر تعقيداً من الاختراق الاستخباراتي. فالموساد، من خلال عملائه داخل النظام، يعمل على تغيير الأولويات، بهدف إفشال أي سياسة تصب في مصلحة الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية تحت شعار المناهضة للاستكبار. وقد أشار عباس عراقجي، وزير خارجية إيران، الأسبوع الماضي، إلى الاختراق الهيكلي للعدو في بنية الجمهورية الإسلامية، معرباً عن استغرابه من معارضة العديد من الجماعات والشخصيات المتشددة الداخلية لمذكرة تفاهم إسلام آباد، حيث قال: "إن الثغرة الأمنية ليست فقط في الاختراق الاستخباراتي وجمع المعلومات، بل أيضاً في توجيه عملية صنع القرار وتشكيل الفضاء النفسي لدينا". وكانت هذه العبارة أوضح وأخطر إشارة أطلقها مسؤول إيراني حول قدرة إسرائيل على الاختراق الهيكلي.
ويبدو أن معارضة المتشددين في إيران للاتفاق النووي المبرم في 2015 ولمذكرة تفاهم إسلام آباد، ورفضهم أي إجراء من شأنه تخفيف التوتر مع أميركا أو التقارب معها، إنما تتمّ بشكل مباشر أو غير مباشر تحت توجيه الموساد، لأن موقف إسرائيل في جميع هذه الملفات يتطابق مع موقف المتشددين الإيرانيين. بل إن إسرائيل تستفيد وترحّب بشعار "النفي والإبادة" الذي يرفعه هؤلاء المتشددون ضدها.
غير أنه، حتى الآن، لم تُطرح في إيران أيّ فكرة جدية لمواجهة الاختراق الهيكلي للموساد، الذي يُعدّ أكثر خطورة من التغلغل الاستخباراتي.
المصدر: المدن
2026-07-28 || 12:58