لم تبدأ أزمة الوقود في الضفة الغربية بالطوابير أمام المحطات، ولا باللافتات التي تعلن نفاد البنزين أو السولار. فهذه المشاهد هي النتيجة الأخيرة لمسار مالي ومصرفي وسياسي معقد.
فالشيكل النقدي يتراكم في خزائن محطات الوقود بعد أن فاضت خزائن البنوك الفلسطينية وسلطة النقد بـ17 مليار شيكل، في مقابل نقص في الشيكل الإلكتروني اللازم لدفع ثمن الوقود والسلع المستوردة من إسرائيل.
وحين يتعطل هذا المسار، لا تبقى الأزمة داخل المصارف. تنتقل إلى هيئة البترول، ثم إلى محطة الوقود، فإلى سيارة المواطن وسيارة الإسعاف وحافلة النقل العام. وبينما تطلب الحكومة من الناس عدم التهافت أو تعبئة الجالونات، تسأل المحطات والتجار سؤالاً أبسط وهو كيف ندفع ثمن الوقود إذا كان النقد الذي نقبضه من المواطن لا يستقبله البنك وكيف يستطيع أن يتحول إلى رصيد مصرفي قابل للدفع للمورد الإسرائيلي؟
محطات مغلقة وروايتان للأزمةشهدت محافظات الضفة الغربية خلال الأسابيع الأخيرة طوابير أمام محطات الوقود، وإغلاقات جزئية أو تقنيناً في البيع، إلى جانب تداول الوقود في عبوات خارج القنوات النظامية. ووثّق مراسلو شبكة معاً الإعلامية في الخليل وبيت لحم ورام الله ونابلس محطات أغلقت أبوابها أو رفعت لافتات تعلن نفاد الوقود، فيما شكا مواطنون من تعذّر تعبئة مركباتهم بعد التنقل بين أكثر من محطة.
ونقل مراسلما عن صاحب محطة فضّل عدم الكشف عن اسمه قوله إن النقص بدأ، وفق إفادته، قبل نحو شهرين، وإن الانقطاع يتكرر من منتصف يوم الخميس حتى منتصف يوم الأحد.
وأضاف عدلي النتشة، المدير التنفيذي لمجموعة السلام الاستثمارية، إن محطة السلام للمحروقات طبقت توجيهات محافظة الخليل بإعطاء الأولوية للمركبات العاملة في الطوارئ والإنقاذ، لضمان استمرار خدمات الإسعاف والدفاع المدني والجهات الحيوية.
في المقابل، قال رئيس هيئة البترول ووكيل وزارة المالية مجدي الحسن، في 18 تموز، إن اضطراب التوريد نتج عن قيود إسرائيلية وأزمة فائض الشيكل وتحديات لوجستية مرتبطة بالحرب، إضافة إلى توقف مؤقت للتوريد، معلناً أن الكميات ستعود قريبا إلى نحو ثلاثة ملايين لتر يومياً.
وفي بيان لاحق، قالت هيئة البترول إن التوريد مستمر يومياً، لكنها أقرت بآثار تراكم فائض الشيكل وبالمخاوف من تجدد الصراع الإقليمي، ودعت المواطنين إلى عدم التهافت على المحطات أو تعبئة الوقود في الجالونات.
هذه الرواية الرسمية لا تلغي مشاهد النقص، كما أن المشاهد الميدانية لا تكفي وحدها لتحديد أصل المشكلة. السؤال الذي ينتظر جواباً بالأرقام هو: كم لتراً طلبت المحطات؟ وكم لتراً تسلمت فعلياً؟ وهل كان العجز في التوريد من المورد الإسرائيلي، أم في قدرة الجانب الفلسطيني على الدفع، أم في التخزين والتوزيع؟
كم يحتاج السوق فعلا؟توجد فجوة ينبغي على هيئة البترول توضيحها. فتقديرات اقتصادية منشورة تضع استهلاك الضفة الغربية عند نحو 90 مليون لتر شهريا، أي متوسط يقترب من ثلاثة ملايين لتر يوميا: نحو 67.5 مليون لتر سولار و22.5 مليون لتر بنزين شهرياً. ويجري توزيعها عبر نحو 276 محطة وقود مرخصة.
لكن مصادر من القطاع تحدثت عن احتياج يومي قد يصل إلى أربعة ملايين لتر، بينها ثلاثة ملايين لتر سولار ومليون لتر بنزين، إذا احتسبت ذروة الطلب وبعض الكميات التي كانت تصل سابقا عبر الشراء المباشر من مصادر إسرائيلية أو السوق غير الرسمي. هذه ليست أرقاما منشورة من الهيئة، ولذلك يجب تقديمها كتقدير قطاعي يحتاج إلى تدقيق، لا كحقيقة نهائية.
لكن النتيجة واحدة في الحالتين: إذا كان التوريد الرسمي يدور حول ثلاثة ملايين لتر يومياً، فهو يغطي المتوسط الطبيعي بالكاد، ولا يترك هامشاً لتعويض نقص متراكم، أو لتكوين مخزون، أو لمواجهة شراء إضافي عند انتشار الخوف.
وفي الجنوب، قال مصدر من قطاع المحروقات لـ "معا" إن الحصة المفترضة لمحافظتي الخليل وبيت لحم تقارب 1.4 مليون لتر يوميا، وإن ما وصل في بعض الفترات كان الثلث فقط. وهذه معلومة تستدعي ردا محددا من الهيئة عن الكميات اليومية لكل محافظة.
أين يذهب فائض الشيكل؟جوهر الأزمة ليس أن المواطن لا يملك شيكلا لدفع ثمن الوقود، بل أن الاقتصاد الفلسطيني يملك شيكلا نقديا أكثر مما يستطيع تحويله إلى شيكل إلكتروني داخل البنوك الإسرائيلية.
فالوقود لا يُشترى من المورد الإسرائيلي بأكياس نقدية تحملها المحطات، بل بدفعة مصرفية عبر الحسابات الوسيطة للبنوك الفلسطينية في إسرائيل. وهذه الحسابات تحتاج إلى رصيد إلكتروني بالشيكل.
ويأتي هذا الرصيد من ثلاث مسارات رئيسية:أولا: أموال المقاصة التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية.
ثانيا: تحويل فائض النقد بالشيكل من البنوك الفلسطينية إلى البنوك الإسرائيلية.
ثالثا: التحويلات المصرفية التي تصل من إسرائيل إلى القطاع الخاص الفلسطيني.
لكن المسارات الثلاثة تعرضت للضغط بسبب سياسة حكومة الاحتلال خصوصا بعد السابع من أكتوبر: أموال المقاصة تُحتجز أو تُقتطع منها مبالغ كبيرة، ونقل النقد يواجه سقوفا وقيودا إسرائيلية، فيما أدى عدم استقرار الضمانات الخاصة بعلاقات البنوك الإسرائيلية والفلسطينية إلى إرباك مصرفي وائتماني متواصل ما أدى الى اعلان بنكين إسرائيليين عن قرب قطع علاقتهم ببنوك السلطة.
وفي تقديرات سابقة، كانت البنوك الفلسطينية قادرة على شحن نحو 4.5 مليار شيكل كل ثلاثة أشهر، أي ما يقارب 1.5 مليار شيكل شهريا. ورغم أن هذا الرقم لم يكن يكفي لتصريف كل فائض الشيكل النقدي وكانت سلطة النقد تطالب برفعة، فإنه كان يساعد على تغطية جزء من الاحتياجات الأساسية. أما اليوم، فإن تراكم الشيكل النقدي، الذي تقدر مصادر مصرفية حجمه بـــ 17 مليار شيكل، أصبح عبئاً على البنوك والتجار بدلاً من أن يكون سيولة تشغيلية. وإذا أردنا ان نقارن ما كانت السلطة تتلقاه سابقا من أموال المقاصة قبل الحرب فأن الرقم تناقص من قرابة 800 مليون شهري الى هامش 250 مليون.
فاتورة وقود قد تبتلع 700 مليون شيكل شهرياًإذا احتسبنا توريد 90 مليون لتر يوميا حسب تصريحات الحسن، وبمتوسط افتراضي يبلغ ستة شواكل رغم ان هذا الرقم ليس دقيقا للتر عند الشراء، تصل فاتورة الوقود وحدها إلى نحو 540 مليون شيكل شهرياً، قبل إضافة الغاز والكهرباء والمياه والمواد الغذائية ومواد البناء وغيرها من الاحتياجات المستوردة من إسرائيل.
هذا الحساب لا يمثل فاتورة رسمية؛ إذ لا تنشر هيئة البترول قيمة شراء شهرية مفصلة للمحروقات. لكنه يوضح لماذا لا يمكن التعامل مع الوقود كملف منفصل عن أزمة السيولة والمقاصة فكل نقص في الشيكل الإلكتروني يعني أن جزءاً من الاحتياجات الأساسية لا يجد طريقه إلى المورد.
وتحدثت تقارير صحفية عن تراكم ديون على هيئة البترول لشركات إسرائيلية موردة تقدر بمليار ونصف شيكل (هذا الرقم ليس رسميا)، وعن اقتطاع جزء من الدفعات الجديدة لتغطية ذمم سابقة قبل توريد كميات جديدة. وتحتاج هذه الأرقام إلى كشف رسمي، لكنها تفسر منطق الأزمة: إن كانت الدفعة اليومية تُستخدم جزئياً لتسديد دين قديم، فإن ما يتحول إلى وقود جديد سيكون أقل من قيمة المبلغ المدفوع.
المحطة بين الشيك المرتجع وخسارة العملةفي الأشهر السابقة، اعتمدت هيئة البترول على شيكات آجلة من محطات الوقود وفق حجم مسحوباتها. لكن المحطة التي تبيع بالشيكل النقدي تواجه اليوم بنوكا متحفظة في استقبال النقد أو تغذية حساباتها بالشيكل، فتجد نفسها أمام خيارين قاسيين اما ارتجاع الشيكات، بما يهدد سجلها الائتماني؛ أو شراء الدولار أو الدينار من السوق لتسديد التزاماتها.
والحل الثاني لا يأتي مجانا. فالتاجر يشتري العملة الأجنبية بسعر السوق، بينما تُحتسب عند التحويل بسعر مصرفي مختلف، إضافة إلى عمولات التحويل الخارجي والاستقبال. وتقول مصادر من القطاع في حال افترضنا أن سعر اللتر يساوي دولارين وأن النظام المعمول به يعطي هامش ربح غير صافي 30 أغورة للتر فإن فارق الصرف والعمولات قد يلتهم معظم هامش الربح المحدد للتر اذا وصل فارق الشراء للبيع لمتوسط 12 أغورة لكل دولار، فيما تبقى على المحطة أجور العمال والكهرباء والنقل والصيانة.
لهذا، فإن توجيه التجار إلى الإيداع بالدولار أو الدينار قد يساعد البنك في تنفيذ التحويل، لكنه لا يحل أصل المشكلة وهي غياب مسار منتظم لتحويل فائض الشيكل النقدي إلى رصيد إلكتروني. كما أنه ينقل جزءاً من كلفة الأزمة إلى المحطة والتاجر، ثم إلى المستهلك.
الدفع الإلكتروني: حل مساعد لا جواب كاملتدفع الحكومة وسلطة النقد باتجاه توسيع الدفع الإلكتروني، وربط وزير المالية اسطفان سلامة ذلك بزيادة التوريد وتوفير مخزون احتياطي في المحطات. وهذا الإجراء يمكن أن يقلل كمية النقد التي تتراكم يومياً لدى التاجر ومحطة الوقود، ويخفف مخاطر نقل الأموال.
لكن الدفع الإلكتروني لا يخلق، وحده، شيكلا إلكترونيا لدى البنوك الفلسطينية في إسرائيل، ولا يحل مشكلة المقاصة أو سقوف نقل النقد أو القيود المصرفية الإسرائيلية. كما أن تطبيقه في اقتصاد يقوم بدرجة كبيرة على العمل اليومي والبيع النقدي يحتاج إلى حوافز وحماية للتجار، لا إلى تحميلهم وحدهم فارق العملة والعمولات.
وبحسب إفادات أصحاب محطات، فإن اشتراط الدفع الإلكتروني في بعض الحالات أدى إلى تراجع كبير في المبيعات. لذلك، فإن التحول الرقمي يجب أن يكون جزءا من خطة انتقال عادلة ممثلة بقبول نقد منظم، عمولات منخفضة، أدوات دفع موثوقة، وتعويض واضح عن الكلفة التي لا يتحملها التاجر بسبب خطأ منه.
ولكن السؤال الأهم كيف ستحول الناس الى الدفع الالكتروني عندما لا تقبل البنوك منه تغذية حسابه بالشيكل النقدي الذي يتلقاه من مصادر عمله فالعملية تحتاج الى استراتيجية طويلة الاجل ووضوح كامل في التسلسل مع بقاء بند التعامل النقدي قائم وهذا ما يحدث في كل الدول.
سوق بلا خزان احتياطيلا يمكن معالجة اضطراب يومي بمخزون لا يكفي إلا لفترة قصيرة. تصل غالبية إمدادات الضفة عبر معبري ترقوميا ونعلين، ثم تنتقل إلى الصهاريج الفلسطينية وفق نظام «باك تو باك». وتفيد مصادر القطاع بأن الخزانات المركزية في نعلين محدودة ولا تكفي، عند توقف التوريد، إلا لوقت قصير جداً، بينما تعتمد معظم المحطات على خزانات تشغيلية مخصصة للاستهلاك اليومي ولتغطية عطلة نهاية الأسبوع.
هذا يعني أن حادثا، أو تأخيرا مصرفيا، أو تعطلا في الجانب الإسرائيلي، يمكن أن يظهر فوراً في المحطات. وهو ما يحول قضية التخزين من مطلب نظري إلى أولوية أمن اقتصادي: نحتاج إلى معرفة حجم المخزون الفعلي، وأيام التغطية، وخطة بناء احتياطي مركزي قادر على امتصاص الصدمات.
السوق غير الرسمي: سدّ فجوة أم تعميق للأزمة؟تحدثت مصادر من القطاع عن أن جانبا من احتياج السوق كان يُغطى سابقاً عبر الشراء المباشر للمواطنين من محطات إسرائيلية منتشرة في الضفة او مسارات غير رسمية، خصوصاً في مناطق قريبة من الطرق الالتفافية أو مناطق "ج".
مع الاخذ بالاعتبار العمل في الطرق الالتفافية بمعدات ثقيلة مثل البواجر والجرافات وسيارات النقل الثقيلة إضافة الى ما كان يهرب فعليا الى داخل المنطقة "أ". وشددت الجهات الفلسطينية في الفترة الأخيرة رقابتها على التهريب وعلى تعبئة الوقود في العبوات، في إطار حماية المال العام والسلامة وتنظيم السوق.
لكن تشديد الرقابة، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن توفير الكمية النظامية المطلوبة. فمحاربة مسار غير قانوني دون سد الفجوة التي كان يغطيها قد ترفع الضغط على المحطات الرسمية وتدفع السوق إلى مزيد من الارتباك. المطلوب ليس شرعنة التهريب، بل كشف حجمه، ومعرفة ما إذا كان جزء من الطلب الحقيقي ظل خارج سجلات الهيئة، ثم توفير البديل القانوني والآمن له.
شركة جديدة لأزمة قديمة؟أعادت الحكومة طرح إنشاء «شركة المحروقات الوطنية»، على أن تكون مملوكة للدولة وتتولى الجوانب التنفيذية من شراء ونقل وتخزين، فيما تركز هيئة البترول على التنظيم والرقابة. وتقول الحكومة إن التوجه ليس جديداً، بل ورد في قانون الهيئة لعام 2023، وسبق أن طُرح بقرار حكومي عام 2018، وإن المحطات والشركات الخاصة ستبقى في توزيع الوقود وبيعه.
وفي اجتماع 25 تموز مع هيئة البترول ونقابتي أصحاب محطات الوقود والغاز، أكد سلامة أن الشركة ستكون مملوكة بالكامل للدولة، وتعهدت الهيئة بتوريد الكميات التي تطلبها المحطات وفق ترتيبات مسبقة، كما اتفق المجتمعون على لجنة مشتركة دائمة لمعالجة التعطلات اليومية.
فصل الجهة المنظمة عن الجهة المنفذة مبدأ إداري قابل للنقاش، وقد يحسن الحوكمة إذا نُفذ بشفافية. لكنه لا يحل، بذاته، أزمة الشيكل الإلكتروني ولا يفرج عن المقاصة ولا يسدد الذمم المتراكمة ولا يبني مخازن جديدة.
لذلك، فإن اختبار الشركة ليس في اسمها، بل في الأسئلة التي لم تنشر إجابتها بعد: ما رأس مالها ومن أين في ظل حكومة لا تملك أموالا حتى لسد فاتورة رواتب موظفيها؟ من يدير هذه الشركة وكم سيضيف من مصاريف تشغيلية؟ ما نظام مشترياتها بالشيكل ام بعمل اجنبية؟ ما مصدر تمويلها هل هو منحة دولية ام من ميزانية الحكومة المديونة؟ ما وضع موظفي الهيئة الحاليين والذين أداروا الخدمة لمدة 30 عاما بنجاح مقدر؟ كيف ستمنع تضارب المصالح؟ وما الضمانة بألا تتحول كلفة الديون أو التشغيل إلى عبء جديد على سعر اللتر يدفعه المواطن المثقل اصلا؟ وكيف ستقوم بالشراء من المورد الإسرائيلي بدون شيكل الكتروني؟
وانتقد القيادي في حركة فتح والمحافظ السابق أكرم الرجوب توقيت الإعلان، مطالباً بتفسير الأزمة أولاً ومراجعة القرار. وهذا موقف سياسي لا يشكل دليلاً على فساد أو احتكار، لكنه يعكس تساؤلاً عاماً مشروعاً فلماذا يبدأ الحديث عن هيكل جديد فيما يتعطل أصل التمويل؟
متى تنفرج الأزمة؟لا توجد، وفق المعطيات الحالية، عصا سحرية أو حل لحظي. وكل انفراج سيكون جزئيا ومؤقتا ما لم يتحسن تدفق الشيكل الإلكتروني إلى الحسابات المصرفية الفلسطينية في إسرائيل.
يمكن أن تخف الأزمة عند الإفراج عن دفعة من المقاصة، أو عند السماح بتحويل كمية أكبر من فائض الشيكل الكاش إلى إسرائيل والمقررة في الأول من اكتوبر، أو عند استقرار ضمانات التعامل بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية. لكن كل دفعة ستعالج جزءاً من الأزمة فقط إذا بقيت القنوات الثلاث — المقاصة، ونقل النقد، والعلاقة المصرفية — مقيدة.
أما الاقتراض أو التمويل الطارئ، إن توفر، فيظل جسراً مؤقتاً لا بديلاً عن تدفق مالي طبيعي وقابل للتنبؤ. والاعتماد على السوق السوداء ليس حلاً، بل مخاطرة قانونية ومالية وأمنية، فضلاً عن أنه يخفي حجم الطلب الحقيقي ويزيد هشاشة السوق.
خطة إنقاذ لا تُلقي كرة النارتبدأ أي خطة إصلاح جدية بالشفافية بأن تضع الحكومة ملف الوقود والسيولة والمقاصة أمام الجمهور بالأرقام، وأن تنشر الكميات المطلوبة والموردة والموزعة حسب المحافظة، وحجم المخزون، وقيمة الذمم، وخطة تسويتها. لا يكفي أن يُطلب من المواطن الصبر أو ترشيد الاستهلاك، بل من حقه أن يعرف لماذا لا يصل الوقود إلى المحطة، ولماذا لا يستطيع التاجر إيداع أمواله أو تغطية شيكاته.
ثم تأتي خطة طوارئ وطنية تشارك فيها الحكومة وسلطة النقد وهيئة البترول وجمعية البنوك والبنوك العاملة، واتحاد الغرف التجارية والصناعية، ونقابات أصحاب المحطات والنقل العام، وشركات السيارات، إلى جانب السلطة القضائية ونقابة المحامين ووسائل الإعلام وممثلي المواطنين.
لا ينبغي أن تلقي كل مؤسسة عبء الأزمة على الطرف الأضعف فالبنوك على التجار، والتجار على المواطن، والحكومة على السوق. فحين يصبح الراتب غير مضمون، والشيك سبباً للملاحقة، والخدمة العامة عبئاً لا حقاً، تتحول أزمة سببها الاحتلال وسياسة حكومته اليمينية إلى أزمة ثقة داخلية أيضاً.
الجذر السياسي للأزمة واضح فاحتجاز المقاصة، وخنق العلاقة المصرفية، والتبعية لمورد إسرائيلي، وسياسات العقاب الجماعي من الحكومة الإسرائيلية. لكن الاعتراف بهذا الجذر لا يعفي المؤسسات الفلسطينية من واجب بناء استجابة تحمي الناس وتوزع الكلفة بعدالة.
خطة الإنقاذ المطلوبة سياسية، ووطنية، وشعبية في آن واحد تشمل ضغط عربي ودولي لفتح قنوات المقاصة والبنوك؛ إدارة فلسطينية شفافة لا تنقل الخسارة إلى التاجر والمواطن؛ وترشيد استهلاك تقوده الحكومة ومؤسساتها قبل أن تطلبه من الناس، مع تشجيع تدريجي ومدروس للمركبات الكهربائية الموثوقة وبسعر عادل وخدمات صيانتها وقطع غيارها وتشجيع ضريبي وبنية تحتية.
كذلك لا ان تكون السيارة الكهربائية في فلسطين أغلى بقيمة 30% ولا يوجد محطات تعبئة منتشرة والسيارات غير معروفة المصدر ولا يوجد لها صيانة ولا قطع غيار والوكلاء يحددون السعر بدون رقابة ولا قسم صيانة ولا ضمانات.
وعلى الحكومة ان تبدأ بذلك في سيارتها وسيارات النقل العام والخدمات حتى تنقل الثقة للمواطن وتخفف من استهلاك الحكومة للوقود الذي يتسبب في تراكم دين على القطاع.
المطلوب ليس فقط توفير لتر بنزين. المطلوب أن يشعر المواطن أن مؤسساته تقف إلى جانبه، وتحميه من الإهانة والقلق وفقدان القدرة على العمل والتنقل. فكرامة الناس ليست بنداً مؤجلاً في خطة الطوارئ؛ بل هي معيار نجاحها الأول.
المصدر: وكالة معاً