جسور جنوب لبنان تحت النار.. معركة العزل والتوسّع تتقدّم
تتجه إسرائيل لاستهداف الجسور والبنى التحتية على نهر الليطاني لعزل المناطق وقطع الإمدادات، وسط تمسّك الأهالي بأرضهم رغم المخاطر.
مع كل يوم، تدخل المعركة في جنوب لبنان بين الجيش الإسرائيلي والمقاومة من جهة، وبين الاحتلال والصامدين من جهة أخرى، مفترقاً جديداً. تأخذ الأحداث حيّزاً مختلفاً عمّا سبق، وهذا ما يعكس تحوّلات متسارعة في مسار المواجهة.
ويبدو أنّ التطورات المقبلة تحمل طابعاً أكثر حدّة، إذ إنّ المعركة لم تبدأ بعد بجدّيتها المطلقة. هي مواجهة لا يقبل فيها الاحتلال ولا المقاومة بأنصاف الحلول، وما بعدها لن يشبه ما قبلها، وهذا ما يفرض قراءة تتجاوز الهوامش إلى رؤية أوسع.
في هذا السياق، تعمل إسرائيل على استهداف مختلف الأهداف، سواء المرتبطة بحزب الله أو بالمواطنين، بهدف حسم ما بدأته العام 2023. وقد جاءت الإشارة واضحة على لسان وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، عبر التلويح بتدمير الجسور ونسف منازل القرى القريبة من الحدود.
وبالفعل، تصدّر “جسر القاسمية” واجهة الأحداث يوم الأحد.
جسر القاسمية…
لا يُعدّ جسر القاسمية هدفاً معزولاً، بل يأتي ضمن سياق أوسع يشمل مختلف الجسور والمعابر على نهر الليطاني، من الخردلي إلى قعقعية الجسر، مروراً بطيرفلساي والدلافة. ويبدو أنّ الاحتلال بدأ تنفيذ هذا المخطط بشكل تدريجي.
أولاً: فصل جغرافي مقصود
يُعتبر جسر القاسمية شرياناً حيوياً، خصوصاً لقرى قضاء صور في القطاع الغربي. هو ممر شبه إلزامي يربط قرى شمال الليطاني بجنوبه، ويُستخدم بكثافة من قبل السكان.
يبعد الجسر نحو ستة كيلومترات عن مدينة صور، وحوالي خمسة وعشرين كيلومتراً عن المنطقة الحدودية، ويشكّل معبراً أساسياً لكل من يتجه من صيدا إلى صور.
وباستهدافه، يكون الاحتلال قد فصل عملياً قرى شمال النهر عن قرى جنوبه، وقطع أحد أبرز خطوط التواصل الجغرافي بين هذه المناطق.
ثانياً: قطع خطوط الإمداد
يتصل استهداف الجسر مباشرةً بمحاولة قطع الإمدادات، خصوصاً في ظل الحديث عن توسيع العملية البرية.
يعتقد الاحتلال أنّ عناصر حزب الله المنتشرة في المناطق الحدودية تتلقى الدعم اللوجستي والذخائر من مناطق شمال الليطاني، عبر آليات أو عبر شبكة نقل بشرية منظّمة.
وبالتالي، يسعى إلى تعطيل هذه المسارات وعزل المقاتلين في القرى الأمامية، بما يحدّ من قدرتهم على الصمود والاستمرار في المواجهة.
ثالثاً: تمهيد للتوسّع البري
يرتبط هذا السلوك أيضاً بمحاولات التوسّع الميداني داخل الأراضي اللبنانية. وبالرغم من كثرة السيناريوهات المتداولة، إلا أنّ الثابت هو أنّ الاحتلال ينطلق من النقاط التي انتهى عندها العام 2024، ولا يبدو مستعداً للتراجع.
الهدف يتمثّل إما في إنشاء منطقة عازلة، أو السيطرة على نقاط استراتيجية تُستخدم لاحقاً كورقة ضغط في المفاوضات، سواء مع حزب الله أو مع الدولة اللبنانية، بهدف فرض شروط إسرائيلية، وهو أمر معقّد وغير سهل التحقيق.
رابعاً: الضغط على السكان الصامدين
يسعى الاحتلال إلى تحويل قرى جنوب الليطاني إلى مناطق معزولة وخالية من السكان، معتبراً أنّ كل من يبقى فيها يُصنّف هدفاً عسكرياً.
وتشير التقديرات إلى أنّ نسبة من بقي من السكان تتراوح بين 15% و20% من العدد الأساسي.
وفي هذا الإطار، تندرج الاتصالات التي وردت إلى رؤساء بلديات بعض القرى في قضاء صور، مثل العباسية وبرج رحال ومعركة، حيث طُلب إخلاء القرى. في معركة طلب الاحتلال إخلاء القرية، وبحسب معلومات "المدن"، رد رئيس البلدية بالتالي، أنا لا أتلقى الأوامر منك، بل من الجيش اللبناني. هذه أرضي ولا أريد أن أغادرها. أعاد الإحتلال مجدداً الطلب ولقي الرد نفسه في البلدات الثلاثة التي ذكرتها، إلا أنّ الردود جاءت حاسمة برفض الامتثال، والتأكيد على التمسك بالأرض ورفض المغادرة.
خامساً: استهداف طويل الأمد للبنية التحتية
لا يقتصر الأمر على الأهداف الآنية، بل يتعداه إلى استراتيجية طويلة المدى.
فضرب الجسور والبنى التحتية التي تربط شمال الليطاني بجنوبه سيجعل من عودة السكان أمراً بالغ الصعوبة، حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
بالرغم من أنّ التجارب السابقة أثبتت أنّ أبناء الجنوب يعودون سريعاً إلى قراهم، حتى بوسائل بدائية.
سادساً: تدمير القرى الحدودية
ما يجري في القرى الحدودية مثل الخيام، رب ثلاثين، الطيبة، والناقورة، من تفجير واسع للمنازل، يعكس توجهاً واضحاً نحو تحويل هذه المناطق إلى بيئات غير قابلة للحياة.
يهدف هذا النهج إلى جعل العودة مستحيلة، خصوصاً في ظل غياب إمكانات إعادة الإعمار، بما يخدم مشروع إقامة منطقة أمنية عازلة والسيطرة على تلال استراتيجية.
سابعاً: الضغط على الدولة اللبنانية
يشكّل استهداف البنية التحتية أيضاً أداة ضغط على الدولة اللبنانية، لدفعها إلى ممارسة ضغط داخلي على حزب الله. كما يسعى الاحتلال إلى تغذية التوتر الداخلي، باعتباره أحد عناصر الحرب غير المباشرة.
معركة مفتوحة على كل الاحتمالات
استهداف الجسور ليس سوى بداية. بداية لمعركة ذات أفق غير واضح، وبداية لمحاولة فصل الجنوب عن الشمال عند الليطاني.
قد لا يكون ما يجري اجتياحاً شاملاً، لكنه يتجاوز كونه توغلاً محدوداً أو عملية استطلاعية.
تنظر إسرائيل إلى هذه المواجهة باعتبارها معركة وجودية، وكذلك يفعل حزب الله. كلا الطرفين مستعد لتحمّل كلفة مرتفعة لتحقيق أهدافه:
- بالنسبة لإسرائيل: إنهاء خطر حزب الله.
- بالنسبة للحزب: استعادة جزء من معادلات الردع السابقة، رغم صعوبة الظروف.
الصامدون… المعادلة الأصعب
في المحصلة، تشير الوقائع إلى أنّ ما يُحضَّر للبنان يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، ليطال إعادة رسم التوازنات، ومحاولة فصله عن المسار الإقليمي، وتحديداً الإيراني.
في المقابل، لا يظهر حزب الله استعداداً للتراجع، ويعكس الأمر عملياته الميدانية .وتبقى المعركة الأصعب بالنسبة للاحتلال هي مع الصامدين في قراهم. هؤلاء الذين لم يغادروا، ولن يغادروا، مهما بلغت الكلفة.
كثير منهم يعتقد أنّ الرحيل هذه المرة قد يكون بلا عودة، ولذلك يختار البقاء.
الكاتب: حسن فقيه/ المدن
2026-03-23 || 18:55